د. وحيد جبران يكتب لوطن: التحول الرقمي في التعليم العربي: الفرص، الفجوات، وآفاق المستقبل

مقدمة
أصبحت التحولات الرقمية قوةً تعيد تشكيل الطريقة التي يتعلم بها الإنسان، وينتج المعرفة، ويتفاعل مع العالم، وكذلك تعيد تشكيل أنظمة التعليم، حتى بات التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي جزءاً مركزياً من السياسات التعليمية المعاصرة. وهذه التحولات لا تتم في فراغ، ولا تعمل بمعزل عن المجتمع؛ إذ تحمل معها القيم والاختيارات والسياسات التي أنتجتها، ويختلف أثرها في التعليم باختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت التكنولوجيا ستغير التعليم، وإنما كيف يمكن توجيه هذا التغيير ليصبح أكثر عدلاً وإنسانية.
في العالم العربي، لم يعد التحدي مقتصراً على الأمية الأبجدية التقليدية، بل امتد إلى ما يُعرف بالأمية الرقمية المرتبطة بضعف الوصول إلى التكنولوجيا وضعف القدرة على استخدامها بصورة فعّالة وآمنة وناقدة (الإسكوا، 2020). وقد كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة البنية التحتية الرقمية واتساع الفجوات التعليمية والاجتماعية، خاصة بين الفئات الهشّة والمناطق المهمشة (World Bank, 2021; UNESCO, 2023)
تسعى هذه المقالة إلى تحليل نقدي للتحول الرقمي في التعليم في العالم العربي، مع التركيز على العلاقة الجدلية بين الرقمنة والعدالة التعليمية، وكيف قد تؤدي الرقمنة إلى إعادة إنتاج التفاوتات المعرفية والاجتماعية بدلاً من تجاوزها.
التحول الرقمي وتغيّر فلسفة التعليم
لم يعد التحول الرقمي مجرد إدخال أدوات تقنية إلى المؤسسات التعليمية، بل أصبح تحولاً بنيوياً يمسّ فلسفة التعليم ذاتها: أدوار المعلمين والمتعلمين، وطرق إنتاج المعرفة وتداولها، وطبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة (الحاج، 2020). فقد أدى انتشار التعليم الإلكتروني والمنصات الرقمية والتعليم المدمج إلى انتقال التعليم من النموذج التقليدي القائم على التلقين إلى نماذج أكثر مرونة وتفاعلية وشخصنة (UNESCO, 2021) . وأحدثت التكنولوجيا الرقمية تحولاً جوهرياً في برامج التعليم عبر إتاحة فرص التعلم المرن والتعليم المفتوح والتعلم الذاتي. وقد ساهمت المنصات الإلكترونية والدورات المفتوحة واسعة النطاق (MOOCs) في توسيع الوصول إلى المعرفة، خاصة لأولئك الذين حالت ظروفهم الاجتماعية أو المهنية دون الالتحاق بالتعليم التقليدي (European Commission, 2022).
كما أسهم الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في تطوير أنظمة تعليمية قادرة على تكييف المحتوى التعليمي وفق احتياجات المتعلمين، ممّا عزّز مفهوم التعلم مدى الحياة بوصفه ضرورة اجتماعية واقتصادية في عصر المعرفة الرقمية. غير أن هذا التحوّل، رغم ما يتيحه من فرص، يثير أسئلة جوهرية حول من يُستثنى من هذه العملية، وكيف تتفاعل الرقمنة مع أشكال الحرمان الموجودة مسبقا.
من الأمية الأبجدية إلى الأمية الرقمية
شهد مفهوم الأمية تحوّلاً عميقاً خلال العقود الأخيرة. فلم تعد الأمية تعني فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة، بل أصبحت تشمل العجز عن استخدام التكنولوجيا والوصول إلى المعلومات وتحليلها بصورة نقدية وآمنة، و ضعف القدرة على استخدام الوسائط الرقمية والتفاعل مع البيئة الإلكترونية بفاعلية (Redecker, 2017).
في العالم العربي، تتداخل الأمية الرقمية مع تحديات الفقر وضعف البنية التحتية والتفاوتات الاجتماعية، ممّا يؤدي إلى تعميق الفجوة الرقمية وإعادة إنتاج أنماط جديدة من التهميش والإقصاء المعرفي (الإسكوا، 2021). كما أن ضعف الثقافة الرقمية يحدّ من قدرة الأفراد على المشاركة الفاعلة في الاقتصاد الرقمي ومجتمع المعرفة، وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً عندما يدخل عامل العمر، إذ يواجه كثير من البالغين صعوبات مضاعفة في اكتساب الكفايات الرقمية اللازمة.
الهيمنة التقنية وإعادة إنتاج التفاوتات
رغم ما يتيحه التحول الرقمي من فرص واسعة للوصول إلى المعرفة، فإنه قد يُسهم في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والتعليمية إذا لم ترافقه سياسات للعدالة الرقمية. فالفئات الفقيرة واللاجئون والأشخاص ذوو الإعاقة وسكان المناطق الريفية يواجهون غالباً صعوبات أكبر في الوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها (الإسكوا، 2022).
كما أن الاعتماد المتزايد على الشركات التكنولوجية الكبرى والمنصات العالمية يثير قضايا أخلاقية وسيادية تتعلق بحماية البيانات والخصوصية والتحكم في المحتوى التعليمي. ويحذر عدد من الباحثين من أن تحويل التعليم إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق قد يؤدي إلى إضعاف البعد الإنساني والنقدي للتعليم (Freire, 1970)؛ فالخطر لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في حصرها ضمن إطار تجاري يُكرّس التفاوت ويُهمّش المعرفة المحلية.
التحديات السياساتية في العالم العربي
يواجه التحول الرقمي في التعليم بالعالم العربي مجموعة من التحديات البنيوية والسياساتية، أبرزها ضعف البنية التحتية الرقمية، وتفاوت الوصول إلى الإنترنت والأجهزة الذكية، وضعف التمويل المخصّص لهذا التحول (الألكسو، 2022).
وتكشف التجارب العربية عن محدودية جاهزية المؤسسات التعليمية للتحول الرقمي، حيث يتركّز الاهتمام غالباً على توفير المنصات والأدوات التقنية دون تطوير رؤية تربوية نقدية شاملة (الإيسيسكو، 2023). إضافة إلى ذلك، تبرز إشكاليات مرتبطة بهيمنة المحتوى الرقمي العالمي وضعف المحتوى العربي الرقمي، ممّا يعزّز التبعية المعرفية والثقافية ويؤثر في الهوية اللغوية والثقافية للمجتمعات العربية (الحاج، 2022).
وتزداد هذه التحديات حدة في سياقات الطوارئ والنزاعات، كما في فلسطين واليمن وسوريا، حيث يرتبط الوصول إلى التعليم الرقمي بعوامل الحماية والعدالة الاجتماعية واستمرارية التعلّم في ظل الأزمات؛ ففي مثل هذه السياقات، لا تكون التكنولوجيا مجرد أداة تعليمية، بل قد تصبح وسيلة لبقاء التعلم نفسه مستمراً.
التوجهات السياساتية المطلوبة
يتطلب التحول الرقمي العادل في التعليم تبنّي سياسات عربية شاملة ترتكز على مفهوم التعلّم مدى الحياة والعدالة الرقمية، وتشمل:
• الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتوسيع الوصول إلى الإنترنت والأجهزة الذكية، خاصة في المناطق المهمشة وسياقات الطوارئ.
• بناء قدرات المعلمين والمتعلمين في مجالات الثقافة الرقمية والأمن الرقمي والتفكير النقدي.
• دعم إنتاج محتوى عربي رقمي عالي الجودة يراعي الخصوصية الثقافية واللغوية ويحدّ من التبعية المعرفية.
• تطوير شراكات بين الحكومات والجامعات والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتعزيز التعلّم الرقمي.
• وضع أطر أخلاقية وقانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، بما يضمن حماية الخصوصية والبيانات الرقمية وتعزيز الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
خاتمة
يمثّل التحول الرقمي فرصة استراتيجية لتطوير التعليم في العالم العربي، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر تتعلق بإعادة إنتاج التفاوتات التعليمية والاجتماعية والثقافية (وطفة، 2018). ومن ثم، فإن نجاح سياسات التحول الرقمي لا يُقاس فقط بمدى انتشار التكنولوجيا، بل بقدرتها على تعزيز العدالة الرقمية والتمكين المعرفي وإنتاج المعرفة المحلية.
ويظل مستقبل التعليم في العالم العربي مرهوناً بقدرة الأنظمة التعليمية وصنّاع القرار على تحويل التكنولوجيا من أداة لإعادة إنتاج الفجوات إلى وسيلة للتحرر المعرفي والتنمية الإنسانية المستدامة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مقاربة نقدية تتجاوز الرؤية التقنية الأداتية، وتنظر إلى التحول الرقمي بوصفه عملية سياسية واجتماعية والثقافية تتطلب إرادة سياسية ورؤية تربوية تحررية.
المراجع
• الإسكوا (ESCWA). (2020). تقارير الإسكوا حول التحول الرقمي في المنطقة العربية. الأمم المتحدة.
• الإسكوا (ESCWA). (2022). التحول الرقمي والعدالة الاجتماعية في البلدان العربية. الأمم المتحدة.
• الألكسو (ALECSO). (2022). تقارير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حول التحول الرقمي والتعليم في الوطن العربي. تونس: الألكسو.
• الإيسيسكو (ICESCO). (2023). تقارير منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة حول الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم. الرباط: الإيسيسكو.
• الحاج، ع. (2020). في الثقافة الرقمية والتعليم: التحولات البنيوية في الفضاء المدرسي والجامعي. بيروت: دار الفكر المعاصر.
• الحاج، ع. (2022). التعليم الرقمي وسؤال الهوية: تحديات المحتوى العربي في عصر العولمة. مجلة التربية المعاصرة، 15(3)، 45-70.
• وطفة، ع. أ. (2018). في فلسفة التربية وتحولات المعرفة: قراءات نقدية في تربويات العصر الرقمي. عالم الكتب الحديث.
• European Commission. (2022). Digital education action plan 2021-2027: Resetting education and training for the digital age. Publications Office of the European Union.
• Freire, P. (1970). Pedagogy of the oppressed. New York: Continuum.
• Luckin, R. (2018). Machine learning and human intelligence: The future of education in the 21st century. UCL Press.
• OECD. (2023). Digital education outlook 2023: Toward an effective digital education ecosystem. OECD Publishing.
• Redecker, C. (2017). European framework for the digital competence of educators: DigCompEdu. Publications Office of the European Union.
• UNESCO. (2021). Reimagining our futures together: A new social contract for education. Paris: UNESCO.
• UNESCO. (2023). Global education monitoring report: Technology in education - A tool on whose terms? Paris: UNESCO.
• World Bank. (2021). COVID-19 pandemic: Shocks to education and policy responses. Washington, DC: World Bank.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


