ريما نزال تكتب لوطن: لم تجف دماء جوسيان وفاطمة حتى جاء دور إسراء

ثلاث نساء، ثلاث حكايات، وثلاث جرائم لا يجوز أن تمرّ علينا كأخبار عابرة في نشرات الأخبار. لأن خلف كل اسم امرأة كانت هناك حياة كاملة، وأحلام وعائلة وأطفال انتظروا عودتها كما قالت لهم قبل مغادرتها للأبد، لكن المجرم أغلق باب الحياة وحرمها من العودة. وما يوجع أكثر من الجريمة نفسها أنها أتت بعد تسع جرائم قتل بينما تنتظر ستة أخرى التوثيق منذ بداية العام، تجعلنا بالكاد نلحق بنعي الضحية السابقة حتى تفاجئنا جريمة جديدة.
في بلدة السيلة من محافظة جنين، لم يكتفِ القاتل بقتل زوجته وأم أطفاله الستة الذين ينتظرون عودتها كما قالت لهم، بل أحرق جسدها بعد ذلك. وكأن القتل وحده لم يكن كافياً، أو أنه لم يكن يريد إنهاء حياتها فقط، بل محو آثارها أيضاً. إلا أن الضحية تركت شاهداً صغيراً لم يستطع القاتل إحراقه: فردة من حذائها. كان الدليل على أن اسراء كانت في المكان.
فردة حذاء امرأة كانت تمشي بها قبل أن تتوقف حياتها. شيء بسيط، عادي، ربما لم يكن له أي معنى قبل الجريمة. لكنه بعد موتها أصبح شاهداً على ما حدث. صار أكثر بلاغة من كثير من الكلمات، وأكثر إيلاماً من الصور.
كانت تمشي. كانت تعيش. كانت امرأة لها يومها وحياتها وأمنياتها. ثم، في لحظة، تحولت من إنسانة إلى ضحية جريمة. وهنا يجب أن نتوقف. ليس السؤال فقط: لماذا قتلها زوجها؟ السؤال الأهم: لماذا وصلت الأمور إلى هذه اللحظة؟ ماذا سبق الجريمة؟ وهل كانت هناك تهديدات؟ وهل كان هناك عنف سابق؟
وهل طلبت المساعدة؟ وهل كان أحد يعرف؟ وهل كان بالإمكان التدخل قبل أن يصبح الخطر جثة؟
لأن قتل النساء غالباً لا يبدأ على حين غرة برصاصة أو سكين. بل يتدرج من الإهانة، والسيطرة، والعزل، والتهديد والضرب، والتبرير في كل مرة، ثم يصبح عادة، ثم يتصاعد حتى يصل إلى الجريمة.
ولهذا فإن مسؤولية المجتمع والدولة لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، حين تُفتح ملفات التحقيق وتُرفع الشعارات وتُقام مراسم التشييع. المسؤولية تبدأ قبل ذلك بكثير: حين تصرخ امرأة بأنها خائفة، حين تطلب الحماية، حين تظهر علامات العنف، وحين تصبح التهديدات جدية. لقد تعبنا من معرفة الخطر بعد فوات الأوان. وتعبنا أكثر من التعامل مع قتل النساء باعتباره سلسلة من الحوادث العائلية أو الخلافات الزوجية.
لا، هذه ليست خلافات عائلية حين تنتهي بقتل امرأة. هذه جرائم قتل قائمة على العنف ضد النساء، ويجب أن تُسمّى بأسمائها. وعمل ما يلزم لردع المعتدي مسبقا قبل ارتكاب جريمته. لإن تحويل الجريمة إلى شأن خاص بين الزوج وزوجته يريح أصحاب العناية الواجبة من مسؤوليتهم كما يريح المجتمع منها، ويمنح العنف مساحة أكبر للنمو في الظلام.
والأخطر أن المرأة كثيراً ما تُترك وحيدة أمام منظومة اجتماعية وقانونية لا تمنحها دائماً أدوات الحماية الكافية. نطلب منها أن تصبر، وأن تحافظ على بيتها، وأن تفكر في أطفالها، وألا تفضح مشاكل الأسرة. لكن من يحميها حين يصبح البيت نفسه مكان الخطر؟
وهذا يعني منظومة متكاملة: قانون يحمي النساء، وآليات سريعة للاستجابة لشكاوى العنف والتهديد، ومراكز حماية قادرة على التدخل، وشرطة مدربة على التعامل مع جرائم العنف ضد النساء، ومساءلة حقيقية لكل من يقصر في واجب الحماية، كما يعني أن نكسر الصمت الاجتماعي الذي يحيط بالعنف الأسري.
إسراء ليس اسما جديداً يضاف إلى قائمة الضحايا. انها إنذار جديد لنا جميعاً. وإذا كان موتها سيجعلنا نبكي فقط، فنحن لم نتعلم شيئاً. أما إذا جعلنا موت إسراء نسأل بجدية عن منظومة الحماية، وعن القانون، وعن مسؤولية المؤسسات، وعن ثقافة تبرير العنف، وعن قدرتنا على التدخل قبل الجريمة، فربما نستطيع أن نحول الألم إلى فعل.
لا نريد جريمة أخرى. لا نريد أن تجف دماء إسراء حتى نكتب عن امرأة أخرى. لا نريد انتظار ضحية تالية. أم أن هذه المرة ستكون نقطة التحول التي نقول بوضوح: كفى؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


