خالد فحل يكتب لوطن: غزة... شعار، قصف ودمار

وطن للأنباء: جنود من الجيش السوري يهتفون لغزة داخل قلعة دمشق، خلال عرض عسكري. قد يبدو المشهد للوهلة الأولى تعبيرًا عاطفيًا عن التضامن مع مدينة فلسطينية تحولت، بفعل الحرب، إلى واحدة من أكثر بقاع العالم حضورًا في نشرات الأخبار. لكن المشهد، بعيدًا عن لحظة الهتاف نفسها، يفتح بابًا أوسع للتساؤل عن العلاقة العربية بغزة: هل ما زالت غزة قضية نعيش من أجلها ونسعى إلى نصرتها، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى شعار نرفعه كلما حضرت فلسطين في مناسبة، ثم نعود إلى حياتنا فيما تبقى غزة وحدها في مواجهة نتائج المأساة؟
غزة حاضرة في الخطاب العربي بصورة تكاد تكون يومية؛ في الخطب السياسية، والبيانات الرسمية، والمظاهرات، والقصائد، والأغاني، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. يكفي أن يُذكر اسمها حتى تتدفق الكلمات: الصمود، المقاومة، البطولة، الكرامة، والشهادة. وكلها كلمات تحمل في داخلها الكثير من الحقيقة، لكنها لا تكفي وحدها لوصف ما يعيشه الإنسان في غزة. فخلف هذه المفردات الكبيرة حياة يومية صغيرة ومؤلمة، فيها أم تحاول حماية أطفالها، وأب يبحث عن مكان آمن لعائلته، وطالب يحاول أن يتذكر شكل المدرسة، ومريض ينتظر علاجًا، وعائلة تحاول أن تعيد بناء حياتها بعدما فقدت بيتها أو أحد أفرادها.
وهنا تحديدًا تظهر المسافة بين غزة التي نراها من بعيد، وغزة التي يعيشها أهلها من الداخل. نحن نرى مدينة تقاوم، فيصبح الصمود عنوانها، بينما يرى أهلها بيوتًا تهدمت، وشوارع تغيرت، وذكريات اختفت تحت الركام. نحن نقول إن غزة لا تنكسر، وهي بالفعل لم تنكسر، لكن ذلك لا يعني أنها لا تتألم. وربما نخطئ حين نبالغ في تحويل الضحية إلى أسطورة؛ لأننا حين نصف شعبًا بأنه قادر على الاحتمال إلى ما لا نهاية، قد ننسى أنه في النهاية شعب يريد أن يعيش حياة عادية، وأن الإنسان الذي يواجه الحرب لا يريد أن يكون بطلًا طوال الوقت، بل يريد أن ينام ليلة واحدة دون أن يخاف من الصباح.
لهذا لا تبدو المشكلة في أن نهتف لغزة، ولا في أن يرفع الناس أعلام فلسطين، ولا في أن يعبر الجنود أو المدنيون عن تضامنهم معها. كل ذلك يمكن أن يكون صادقًا ونبيلًا، لكن السؤال يبدأ بعد الهتاف: ماذا نفعل لغزة؟ فالهتاف قد يعلن التعاطف، لكنه لا يوقف قصفًا، ولا يعيد بيتًا، ولا يعيد طفلًا إلى أمه، ولا يمنح مريضًا دواءً، ولا يفتح مدرسة. وحين يصبح الهتاف هو نهاية التضامن، تتحول المأساة من قضية تحتاج إلى فعل إلى مشهد عاطفي نشارك فيه لبضع دقائق، ثم نعود إلى حياتنا.
المفارقة أن غزة لا تستطيع العودة إلى حياتها بهذه السهولة. عندما تنتهي المسيرة، وينتهي العرض العسكري، وتغلق الكاميرات، تبدأ بالنسبة إلى أهل غزة ليلة أخرى من الخوف والانتظار. نحن ننتقل إلى خبر آخر، وهم ينتقلون من خبر إلى آخر داخل حياتهم نفسها. نحن نقرأ عن بيت تهدم، وهم يعرفون أين كانت غرفة أطفالهم. نحن نسمع عن شهيد، وهم يعرفون صوته ووجهه وموعد عودته الذي لم يأتِ. ولذلك فإن تحويل غزة إلى شعار، مهما كان الشعار جميلًا، قد يكون أحيانًا طريقة لا شعورية لتبسيط مأساة أكبر من قدرتنا على الاحتمال.
غزة ليست شعارًا سياسيًا، ولا صورة عاطفية، ولا خلفية لخطاب أو مناسبة. غزة بشر، وهذه الحقيقة هي التي ينبغي أن تبقى في مركز كل حديث عنها. خلف كل رقم قصة إنسان، وخلف كل منزل مدمر عائلة كانت تعيش تفاصيلها اليومية، وخلف كل طفل نجا من الموت ذاكرة سترافقه طويلًا. وإذا أردنا فعلًا أن نتضامن مع غزة، فعلينا أن نراها أولًا باعتبارها مجتمعًا يريد أن يعيش، لا مجرد قضية نريد أن نثبت أننا ما زلنا نتذكرها.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: لماذا نكتفي غالبًا بالكلمات؟ ربما لأن الكلمات أسهل. نستطيع أن نهتف، ونكتب، ونشارك صورة، ونضع علمًا على صفحاتنا، ثم نشعر أننا أدينا ما علينا. أما الفعل الحقيقي فهو أكثر صعوبة؛ لأنه يتطلب موقفًا مستمرًا، وضغطًا سياسيًا، وإغاثة حقيقية، وإعادة إعمار، وحماية للمدنيين، وإصرارًا على ألا تتحول المأساة إلى خبر قديم بمجرد أن تختفي من الشاشات. التضامن الحقيقي لا يقاس بارتفاع الصوت، وإنما بالأثر الذي يتركه في حياة من نتضامن معهم.
ولذلك فإن مشهد الجنود وهم يهتفون لغزة من داخل قلعة دمشق يمكن أن يكون جميلًا من حيث الرمزية، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية الحكاية. الأهم من الهتاف أن تبقى غزة حاضرة بعد انتهاء العرض، وبعد أن تنطفئ الكاميرات، وبعد أن يتغير عنوان الخبر. الأهم أن تتحول عبارة «نحن مع غزة» من جملة تقال إلى موقف يُمارس، لأن الفرق بين التضامن اللفظي والتضامن الحقيقي هو الفرق بين أن تقول لإنسان غارق: «أنا معك»، وأن تمد يدك فعلًا لتساعده على الخروج.
غزة لا تحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تمجد صمودها بقدر ما تحتاج إلى أن يتوقف السبب الذي يجعلها مضطرة إلى الصمود أصلًا. لا تريد أن تبقى رمزًا للحرب، ولا أن تكون أشهر مدينة في العالم في نشرات الموت. تريد أن تعود مدينة عادية، فيها مدارس، وبيوت، وأسواق، ومقاهٍ، وأطفال يلعبون في الشوارع، وفيها أناس يختلفون ويتصالحون ويحبون ويتزوجون ويخططون للمستقبل مثل بقية البشر.
وربما تكون هذه هي المفارقة الأشد قسوة: أننا اعتدنا أن نطلب من غزة أن تصمد، بينما السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: متى سنفعل شيئًا يجعلها لا تحتاج إلى الصمود؟
فغزة ليست بحاجة إلى أن نهتف لها أكثر، بل إلى أن يصبح الهتاف فعلًا، والتضامن موقفًا، والموقف أثرًا، حتى يأتي يوم لا يكون فيه اسم غزة مرادفًا للقصف والدمار، بل اسم مدينة فلسطينية تريد ببساطة أن تعيش.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


