سامي مشعشع يكتب لوطن: الآخرون يكتبون قصة اللاجئين الفلسطينيين.. لماذا ما زلنا نكتفي بالرد؟!

في الأشهر الأولى من حرب غزة، حدث ما لم يعتد عليه الفلسطينيون منذ عقود: تراجعت قدرة "الهسبراه" الإسرائيلية على احتكار الرواية أمام كثافة الصور والشهادات التي بثها صحفيون ومصورون فلسطينيون مباشرة من أرض المقتلة، بلا وسيط ولا رقيب مؤسسي "يفلتر" الواقع ويميّعه. مصطلحات مثل "الإبادة" و"جرائم الحرب"، التي كانت تُستبعد قبل ذلك من الخطاب الإعلامي والدبلوماسي الغربي وغير الغربي، صارت خلال أشهر معدودة جزءا من لغة منظمات حقوقية دولية كبرى، ومن دعاوى أمام محكمة العدل الدولية، ومنصات التواصل الإلكتروني التي كسرت احتكار الإعلام الرسمي والحكومي والسلطوي. هذا لم يحدث لأن أحدا تفضل بمنحنا الكلمة، بل لأن الصورة والشهادة المباشرة كسرتا جدارا ظل قائما لعقود.
لكن ماذا فعلنا بهذا الاختراق بعد أن تحقق؟ لم يتحول التعاطف والغضب الشعبيان بالقدر نفسه إلى بنية إعلامية وسياسية ودبلوماسية تراكمية ومستدامة. الأونروا، مثلا، وهي المؤسسة الأكثر ارتباطا بحياة اللاجئين اليومية، خرجت من هذه الحرب وهي تعيش أصعب مرحلة منذ تأسيسها: أكثر من 400 من موظفيها قتلوا، ودمرت عشرات مدارسها ومراكزها ومنشآتها، وتعرضت لحملة تمويل وتشويه سياسي عنيفة وغير مسبوقة. ومع ذلك، فشلت الوكالة، والمؤسسة الأم، إعلاميا فشلا كبيرا في تحويل ما تعرضت له، بما في ذلك تدمير منشآتها ومخيمات اللاجئين، إلى ملف قانوني وإعلامي متراكم يستخدم بصورة منهجية أمام لجان التحقيق الدولية، وفي قاعات المحاكم، وفي الإعلام. والحال نفسه ينسحب، بدرجات مختلفة، على الأداء الفلسطيني العام، ومنه أداء ملف اللاجئين.
إننا ما زلنا نخسر المعركة على مستوى الوصول إلى الجمهور، ونخسرها أيضا في مرحلة ما بعد الوصول: في تحويل التعاطف إلى ضغط، والصورة إلى ملف، والرقم إلى دليل، والشهادة إلى مادة قانونية وسياسية لا يمكن تجاهلها. وما حدث بعد إعلان "وقف إطلاق النار" قبل أشهر يكشف حجم هذه الفجوة بوضوح فاضح. بمجرد صدور الإعلان، تراجعت التغطية الإعلامية لغزة وللضفة الغربية عموما بشكل شبه كامل، وكأن القصة انتهت بانتهاء العنوان. لكن القتل لم يتوقف، والهدم لم يتوقف، والتدمير استمر بلا انقطاع تقريبا، فقط بلا كاميرات، وبلا نشرات، وبلا من يسأل. هذا بالضبط جوهر المشكلة: إعلام يتحرك مع العنوان الكبير وينسحب بانسحابه، بينما الواقع على الأرض لا يعرف "مواسم" ولا "هدنا" في معاناته اليومية، وخطأ فادح نرتكبه نحن عندما نبتهج، مثلا، بأن "بودكاستر" بمكانة تاكر كارلسون واسع الشهرة يتحدث عن غزة أو الانتهاكات بحقنا، وكأنه سدرة المنتهى، ونضلل أنفسنا بأن هذا كاف.
عادة، القضية التي تحتاج إلى التغطية الأشد إلحاحا هي تلك التي غادرها الإعلام العالمي بحثا عن عنوان جديد، لا تلك التي ما زالت تتصدر الشاشات. والمعركة حول قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تعد تدور فقط حول ما يحدث لملفهم سياسيا وإنسانيا، بل كذلك حول من يصوغ القصة، ومن يصل إلى المعلومة أولا، ومن يملك القدرة على تحديد الإطار الذي يفهم الجمهور من خلاله الحدث. وفي هذا الجانب تحديدا، أي إنتاج المعلومة قبل وقوع الأزمة لا بعدها، ما زلنا نصل متأخرين، فنجد أنفسنا نرد على رواية جرى إنتاجها وتثبيتها بالفعل، بدلا من أن نكون نحن من يحدد السياق منذ البداية.
الطرف الآخر يملك منظومة جاهزة لصناعة القصة: متحدثين، ومراكز بحث، وسفارات، وبيانات، ومصطلحات معدة للاستهلاك الدولي. خذوا مثلا ملف التهجير من مخيمات شمال الضفة الغربية: اشتغلت الماكينة الإعلامية والدبلوماسية الإسرائيلية في اتجاه واحد، من خلال تعويم كلمة "الإخلاء" لإبعاد تداول كلمة "التهجير"، والترويج لمصطلح "النقل الطوعي" في غزة بدلا من الطرد القسري. المسألة ليست في انتقاء الألفاظ فقط؛ بمجرد تثبيت المصطلح وانتشاره يصبح هو نقطة البداية التي يناقش العالم من خلالها الحدث، ويصبح تغيير الإطار لاحقا أصعب بكثير من صياغته أول مرة. ونحن، حتى الآن، لا نملك جسما فلسطينيا موحدا يتولى صياغة المصطلح البديل وتعميمه بالسرعة والكثافة نفسيهما، لا حين يتعلق الأمر بالتهجير، ولا حين يتعلق بالإبادة، ولا بالاستيطان أو القدس، ولا بأي ملف آخر يعاد فيه تدوير اللغة لتغيير معنى الحدث.
نحن بحاجة إلى إعلام متخصص بقضايا اللاجئين. فاللاجئون ليسوا غائبين عن الإعلام، لكنهم يظهرون غالبا في الإطار الذي يعده الآخرون لهم وعنهم. يظهر المخيم عند وقوع اشتباك أو اقتحام أو أزمة إنسانية أو الحديث عن التوطين، وتظهر العائلة عندما تحتاج القصة إلى وجه إنساني، وتظهر الأونروا عندما تواجه أزمة مالية أو سياسية، بينما يغيب السؤال الأوسع: ماذا يحدث لمجتمع اللاجئين نفسه؟ كيف تتغير أوضاعه؟ ماذا يحدث لقضيته وحق العودة؟ هكذا يمكن لقضية سياسية وقانونية وتاريخية عمرها أكثر من سبعة عقود أن تتحول تدريجيا إلى ملف إغاثي، ويصبح اللاجئ في التغطية شخصا يحتاج إلى المساعدة، لا صاحب حق مرتبطا بقضية لم تحل.
والتخصص المطلوب هنا يعني أكثر من متابعة أخبار المخيمات. يعني صحفيا يعرف تاريخ المخيم، وملف الأونروا، وحق العودة، والقرى والمدن الأصلية، والتحولات الديموغرافية والاجتماعية، ويستطيع أن يسأل الأسئلة التي لا يطرحها الخبر العابر. والأهم أن يتحدث مع اللاجئين لا عنهم فقط. وهذا يقود إلى فكرة أوسع: المخيمات نفسها يجب أن تصبح جزءا من شبكة إنتاج المعرفة، لا مجرد مصدر لها. الشاب الذي يعيش في المخيم أو التجمع لا يعرف فقط أين وقع الحدث؛ يعرف العائلات والأماكن والتاريخ والتحولات التي قد لا يراها مراسل يأتي من الخارج. وإذا جرى تدريبه على العمل الصحفي الميداني والتوثيق، يمكنه أن ينقل الخبر، ويسجل شهادة مسن، ويجمع صورة أو وثيقة عائلية، ويوثق تحولا اجتماعيا، ويربط قصة عائلة بقريتها الأصلية. وإذا تحول هذا العمل إلى منظومة، لا إلى فعل فردي، فإنه يصبح أساسا لثلاثة أشياء مترابطة: الأرشيف، والبيانات، وإصدار "التقرير السنوي لحالة اللاجئين الفلسطينيين".
لدينا آلاف الصور والوثائق والشهادات والخرائط وسجلات العائلات، لكنها موزعة بين المؤسسات والبيوت والأفراد، ووجودها المتناثر لا يعني أننا نملك أرشيفا. ما يجمعه الموثقون في المخيمات بشكل يومي ومنهجي هو الذي يبني هذا الأرشيف فعليا، لا كمشروع منفصل، بل كامتداد طبيعي لعملهم. والأمر نفسه ينطبق على البيانات: رصد مستمر لأوضاع المخيمات، والهجرة والفقر والتعليم والصحة والتهجير وتدمير المنشآت، يتغذى من الحضور اليومي لهؤلاء الموثقين، لا من تقارير موسمية تجرى عن بعد. وبعدها يمكن أن يصدر "التقرير السنوي لحالة اللاجئين الفلسطينيين": تقرير فلسطيني مستقل لا يكرر أرقام المؤسسات الدولية، بل يبني صورته من الأرشيف والبيانات المتراكمة على مدار العام. ماذا تغير؟ ماذا حدث للخدمات والمخيمات؟ أين وقع التهجير؟ ماذا جرى للأونروا؟ كيف تغيرت أوضاع اللاجئين؟ وما الذي حدث لحق العودة وموقعه السياسي والقانوني؟ هذا التقرير، إذا صدر بانتظام وتراكمت مواده عاما بعد عام، يمكن أن يصبح مرجعا أساسيا للباحثين والجامعات والمؤسسات الدولية، ويجعل الفلسطينيين هم من ينتجون صورتهم السنوية، لا من يتلقونها من الآخرين.
هذا التسلسل: موثقون وصحفيون مدربون، فأرشيف، فبيانات، فتقرير، ليس فكرة جديدة كليا. حاولت مبادرات فلسطينية سابقة، من مراكز توثيق محلية في بعض المخيمات إلى عدد قليل من مؤسسات الدراسات والأرشفة، إنجاز أجزاء منه. لكن هذه المحاولات بقيت غالبا أسيرة بيروقراطية أو مرتبطة بتمويل قصير الأمد أو بمؤسسة واحدة أو بإطار فصائلي محدد، ولم تتوصل فيما بينها إلى تنسيق يجعل عملها يتراكم في منظومة واحدة بدل أن يتبعثر بين عشرات الأرشيفات الجزئية.
هناك إلحاحية لفهم العلاقة بين الإعلام والعمل السياسي والدبلوماسي بطريقة مختلفة. الإعلام لا يستطيع وحده أن يغير قرار حكومة أو يصدر قرارا دوليا، لكنه يوفر المادة التي يعمل عليها السياسي والدبلوماسي والمحامي والباحث. إذا لم تنتج المنظومة الإعلامية والمعرفية هذه المواد باستمرار، يبقى العمل السياسي والدبلوماسي مرتجلا وموسميا وفرديا أحيانا. أما حين توجد مادة موثقة ومتراكمة، فإن الدبلوماسي لا يبدأ من الصفر في كل أزمة، والسياسي لا يكتفي ببيان، والمحامي لا يبحث عن شهادة بعد وقوع الجريمة، والإعلام لا ينتظر وقوع الحدث لكي يبدأ البحث.
وأطرح هنا نقطة مفصلية: كل ما سبق يبقى ناقصا إذا انشغلنا بمخاطبة العالم ونسينا أن نخاطب أنفسنا. كسر احتكار الرواية، وإنتاج المصطلح، وبناء الأرشيف والبيانات والتقرير السنوي، موجه بحكم طبيعته نحو جمهور خارجي: صحافة دولية، ودبلوماسيون، ومنظمات حقوقية، ونشطاء، ومراكز بحث. وهذا ضروري ولا غنى عنه. لكن يوجد إلى جانبه فراغ لا يقل خطورة: اغتراب متزايد داخل صفوف الفلسطينيين أنفسهم، لاجئين وغير لاجئين، عن قضية اللاجئين، وعن المخيم، وعن معنى حق العودة بالنسبة إلى جيل لم يعش النكبة ولا يسمع عنها إلا عرضا. فاللاجئ الذي يعيش خارج المخيم، وابن الجيل الثالث أو الرابع في الشتات، كثيرا ما يعرف عن مخيمه وقريته الأصلية أقل مما يعرفه باحث أجنبي قرأ عنهما في كتاب. والفلسطيني غير اللاجئ، في الضفة أو غزة أو الداخل الفلسطيني، كثيرا ما ينظر إلى قضية اللاجئين كملف "خاص بغيره"، لا كجزء من قضيته الوطنية الجامعة. وهذا تمييز خطير لأنه يفتت وحدة القضية من الداخل. فقضية اللاجئين وحق العودة ليست شأنا يخص اللاجئين وحدهم، بل هي جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية ككل، ومن حق تقرير المصير، ومن رواية النكبة الجامعة لكل الفلسطينيين أينما كانوا.
حين يظن الفلسطيني غير اللاجئ أن هذا الملف لا يعنيه مباشرة، يفقد الموقف الوطني جزءا من تماسكه، ويتحول حق العودة تدريجيا من مطلب جماعي إلى مطلب "فئوي"، وهذه ليست مسؤولية الجيل الجديد وحده، ولا مسؤولية اللاجئين وحدهم، بل هي نتيجة الفجوة نفسها التي يتحدث عنها هذا المقال: غياب مؤسسة تنتج معرفة متراكمة وتنقلها، ليس فقط إلى صحفي في نيويورك أو دبلوماسي في جنيف، بل إلى كل فلسطيني، لاجئ أو غير لاجئ، في المخيم أو خارجه، في الوطن أو الشتات. وأخطر ما في هذا الاغتراب أنه يهدد استدامة القضية نفسها. فقضية اللاجئين وحق العودة ليست ملفا قانونيا بحتا يكفي أن يحمله محام أو دبلوماسي، ولا ملفا يخص فئة بعينها من الفلسطينيين، بل قضية تحتاج إلى إجماع وطني متجدد عبر الأجيال، وإلا فقدت مع الوقت زخمها الشعبي حتى وهي رابحة إعلاميا في الخارج.
المطلوب مؤسسة إعلامية-معرفية متخصصة بقضية اللاجئين. مؤسسة لا تنتظر الأزمة لكي تبدأ العمل، ولا تنتظر أن يكتب الآخرون القصة لكي ترد عليها، بل تعمل طوال الوقت على بناء المادة التي تجعل الرواية الفلسطينية حاضرة قبل الأزمة وأثناءها وبعدها.
لقد أثبتت غزة أن الوصول إلى الجمهور ممكن، وأن احتكار الرواية يمكن كسره. لكنها أثبتت أيضا أن كسب المعركة الإعلامية لا يكفي إذا لم توجد مؤسسات تحول المعلومة إلى معرفة متراكمة، والمعرفة إلى ملف، والملف إلى ضغط سياسي ودبلوماسي وقانوني مستمر. الواقع حرج للغاية، وهذه الفجوة الفاضحة يجب أن نملأها الآن، لا بعد سنوات. لأن الخطر ليس فقط أن يكتب الآخرون قصة اللاجئين الفلسطينيين بدلا منا؛ الخطر الأكبر أن نصل إلى لحظة لا يعود فيها ما يكفي من المادة، والمؤسسات، والذاكرة الحية، والقدرة على إنتاج الرواية، لكي نكتبها نحن.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


