نبهان خريشة يكتب لوطن: لهذه الأسباب قد تُؤَجَل الانتخابات التشريعية الفلسطينية !!

على الرغم من صدور مرسوم رئاسي يحدد الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية، فإن الساحة السياسية لا تتصرف كما لو أن استحقاقاً وطنياً كبيراً بات على الأبواب. لا مهرجانات، ولا اجتماعات تنظيمية واسعة، ولا تحالفات معلنة، ولا حمى لتشكيل القوائم، ولا حتى نقاش جدي في البرامج السياسية والاقتصادية التي يفترض أن تتنافس أمام الناخبين.
ووفق الجدول الرسمي للجنة الانتخابات المركزية، يبدأ تسجيل الناخبين بين 15 و19 أغسطس/آب، وتفتح مرحلة الترشح من 26 سبتمبر/أيلول حتى 7 أكتوبر/تشرين الأول، على أن تبدأ الحملة الانتخابية في السادس من نوفمبر وتنتهي عشية الاقتراع. ومع ذلك، لا تزال القوى والشخصيات السياسية تتعامل مع هذه المواعيد بحذر شديد، وكأنها رزنامة افتراضية وليست مساراً انتخابياً حتمياً.
ليس هذا الحذر ناتجاً من اللامبالاة، بل من ذاكرة سياسية فلسطينية مثقلة بالمواعيد التي أُعلنت ثم أُلغيت. فقد سبق أن صدر مرسوم في يناير/كانون الثاني 2021 لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وبدأت القوى بتشكيل قوائمها فعلاً، قبل أن يقرر الرئيس محمود عباس تأجيلها بذريعة عدم ضمان مشاركة القدس. يومها، كان الاعتقاد واسعاً بأن القدس وفّرت المبرر القانوني والسياسي، لكن السبب الفعلي كان الخشية من انقسام حركة فتح وخسارتها الانتخابات أمام حماس أو أمام قوائم منشقة ومستقلة.
لذلك لا يسأل الفلسطيني اليوم: من سيفوز في انتخابات نوفمبر؟ بل يسأل أولاً: هل ستجري الانتخابات أصلاً؟
المعضلة الأولى تتمثل في قطاع غزة. فالمرسوم ينص على إجراء الانتخابات في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وفي القطاع أيضاً. لكن غزة لم تعد تخضع لترتيبات سياسية وأمنية فلسطينية خالصة، بل باتت محكومة بمرحلة انتقالية شديدة التعقيد، تتداخل فيها إسرائيل والولايات المتحدة و"مجلس السلام" واللجنة الفلسطينية التكنوقراطية والقوة الدولية المؤقتة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن التفويض الوارد في قرار مجلس الأمن يمتد حتى نهاية عام 2027، وإن كانت آثاره وترتيباته قد تمتد عملياً إلى العام التالي. وقد يعتبر "مجلس السلام" أن مسؤوليته عن إدارة المرحلة الانتقالية تمنحه حق الموافقة على أي نشاط سياسي أو انتخابي يجري داخل القطاع، ولا سيما إذا كان من شأنه إعادة إنتاج سلطة سياسية فلسطينية لا تنسجم مع ترتيبات اليوم التالي.
فإذا رفض المجلس إجراء الانتخابات في غزة بحجة غياب الظروف الأمنية أو عدم اكتمال نزع السلاح أو استمرار المرحلة الانتقالية، ستجد القيادة الفلسطينية نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما إجراء الانتخابات في الضفة وحدها، بما يكرس الانقسام الجغرافي والسياسي، وإما تأجيلها بذريعة الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية. والخيار الثاني سيكون أكثر ترجيحاً، لأن انتخاب مجلس تشريعي من دون غزة سيمنح الانقسام شرعية انتخابية، ويحوّل القطاع عملياً إلى كيان سياسي منفصل.
اما المعضلة الثانية فتتعلق بالموقف الأميركي. فواشنطن لم تعلن حتى الآن موقفاً نهائياً من إجراء الانتخابات التشريعية في غزة، لكنها لن تتعامل معها بوصفها شأناً فلسطينياً داخلياً. الولايات المتحدة تنظر إلى الانتخابات من زاوية علاقتها بترتيبات القطاع ومستقبل حماس وضمان ألا تؤدي صناديق الاقتراع إلى إعادة الحركة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى النظام السياسي.
وقد تحظر التعديلات على قانون الانتخابات مشاركة أي قائمة لا تعترف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني ولا تلتزم ببرنامجها السياسي والقرارات الدولية ذات الصلة. لكن هذا الشرط لا يمنع حماس من دعم شخصيات مستقلة أو قوائم عائلية ومحلية لا تحمل اسمها ولا شعاراتها. والخبرة الفلسطينية تقول إن الانتماءات التنظيمية لا تظهر دائماً على أوراق الاقتراع؛ فقد ترتدي القائمة ثوب العائلة أو الاستقلال، بينما تحمل في داخلها توجهاً سياسياً واضحاً.
إذا اشتبهت واشنطن في أن حماس قادرة على تحقيق حضور مؤثر بهذه الطريقة، فمن المرجح أن تضغط لمنع الانتخابات في غزة أو لتأجيلها حتى توضع ضمانات أكثر صرامة. فالإدارة الأميركية قد تقبل إصلاح السلطة وتجديد شرعيتها، لكنها لن تقبل انتخابات تعيد حماس إلى المشهد بعد أن قامت ترتيبات غزة أساساً على إخراجها من الحكم.
أما المعضلة الثالثة فهي القدس، الذريعة الجاهزة التي استُخدمت عام 2021 ويمكن استعادتها في أي وقت. إسرائيل لم تعلن موافقتها على إجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس الشرقية، بل إن تركيبة حكومتها وسياساتها الحالية تجعل موافقتها أكثر استبعاداً مما كانت عليه قبل خمس سنوات. وقد كان رفض إسرائيل ضمان مشاركة المقدسيين هو المبرر الرسمي لتأجيل انتخابات 2021، مع أن تقارير وتحليلات عديدة ربطت القرار أيضاً بخوف قيادة فتح من خسارة مرتقبة نتيجة تعدد قوائمها.
لكن المشكلة ليست في الموقف الإسرائيلي وحده، بل في كيفية توظيفه فلسطينياً. فإذا أظهرت استطلاعات الرأي أن ميزان القوى يميل لمصلحة قائمة السلطة، فقد تبحث القيادة عن بدائل تتيح مشاركة المقدسيين: التصويت الإلكتروني، أو مراكز اقتراع في ضواحي المدينة، أو صناديق رمزية داخل مؤسسات دولية. أما إذا بدا أن النتيجة لن تكون مضمونة، فقد تتحول القدس مجدداً إلى سبب كافٍ لإلغاء العملية كلها.
لا أحد يستطيع المجادلة في حق المقدسيين في المشاركة، ولا في ضرورة مواجهة المحاولة الإسرائيلية لعزل القدس عن محيطها الفلسطيني. لكن تحويل القدس إلى مفتاح يُستخدم لفتح صندوق الاقتراع أو إغلاقه تبعاً لحسابات السلطة يسيء إلى المدينة وقضيتها. فالقدس لا ينبغي أن تصبح "ذريعة وطنية" لتغطية قرار حزبي يخشى الاختبار الشعبي.
غير أن الخطر الأكبر على إجراء الانتخابات قد يأتي من داخل حركة فتح نفسها. فالحركة لم تدخل انتخابات موحدة منذ زمن طويل، وهي تعاني تهميشاً واسعاً لكوادرها، وصراعاً على المواقع، وفجوة متزايدة بين القيادة الرسمية والقاعدة التنظيمية. وإذا شعر هؤلاء الكوادر بأن القائمة الرسمية ستُشكّل من الحلقة المقربة من الرئيس وقيادة السلطة، فقد يندفع عدد منهم إلى تشكيل قوائم مستقلة.
يمكن كذلك أن تظهر قوائم يقودها أو يدعمها ناصر القدوة، وأخرى محسوبة على محمد دحلان أو التيار الإصلاحي، إلى جانب قوائم لشخصيات فتحاوية سابقة وقيادات محلية وعشائرية. وعندها لن تكون المشكلة في قوة حماس وحدها، بل في تبعثر الصوت الفتحاوي بين قوائم متنافسة، بينما تتجمع أصوات الخصوم خلف قوائم أقل عدداً وأكثر انضباطاً.
هذا السيناريو يذكّر، ولو جزئياً، بانتخابات 2006. فقد ساهم تعدد المرشحين المحسوبين على فتح وصراعاتها الداخلية في خسارتها عدداً كبيراً من الدوائر، بينما استفادت حماس من وحدة قرارها وانضباط قاعدتها. صحيح أن النظام الانتخابي اليوم مختلف وأن الواقع الفلسطيني تغير جذرياً، لكن قانون تشتيت الأصوات لم يتغير: الحركة المنقسمة قد تخسر حتى لو كانت قاعدتها الاجتماعية أكبر.
لهذا، لن يتردد عباس في التأجيل إذا تحولت الانتخابات إلى استفتاء على قيادته، أو إذا عجز عن فرض قائمة فتحاوية واحدة. فالانتخابات بالنسبة إليه لا تتعلق فقط بعدد مقاعد فتح، بل بمستقبل النظام الذي بناه خلال أكثر من عقدين، وبترتيب الخلافة، وموقع ابنه ياسر، والسيطرة على مؤسسات السلطة والمنظمة والحركة. مجلس تشريعي تعددي وقوي قد يعيد الرقابة والمساءلة ويقيد الحكم بالمراسيم، وهي نتائج لا تبدو القيادة الحالية متحمسة لها.
لكن السيناريو الأكثر إرباكاً للرئيس عباس قد يكون تحالفاً بين سلام فياض ومحمد دحلان ضمن قائمة واحدة أو ائتلاف انتخابي واسع. فهذا التحالف، إن تشكّل، سيجمع بين عنصرين لا يجتمعان عادة في قائمة فلسطينية واحدة: العقلية المؤسساتية التي يمثلها فياض، والقدرة التنظيمية وشبكة العلاقات التي يمتلكها دحلان.
فياض ليس رجل فصيل تقليدياً، بل يقدم نفسه بوصفه صاحب مشروع لإصلاح النظام السياسي وإعادة بناء المؤسسات وترتيب منظمة التحرير لتصبح إطاراً جامعاً. وهو يمتلك خبرة اقتصادية وإدارية وصورة تكنوقراطية تساعده في مخاطبة الدول العربية والولايات المتحدة وأوروبا والمؤسسات الدولية. أما دحلان، فلديه حضور داخل قطاع غزة، وعلاقات عربية وإقليمية واسعة، وقدرة على التواصل والحركة، فضلاً عن خبرته الطويلة في الملفات الفلسطينية.
قد يستقطب مثل هذا التحالف قطاعات من الفتحاويين المهمشين، والمستقلين، ورجال الأعمال، والتكنوقراط، والناخبين الباحثين عن بديل لا ينتمي إلى ثنائية فتح الرسمية وحماس. كما يمكن أن يفتح الباب أمام قوى وشخصيات أخرى للانضمام إلى قائمة إصلاحية عريضة، لا تطرح نفسها بديلاً من فتح وحدها، بل بديلاً من النظام القائم كله.
وهنا تكمن خطورته على عباس. فقائمة فياض- دحلان لن تشتت أصوات فتح فحسب، وإنما قد تحرم القائمة الرسمية من الادعاء بأنها الممثل الوحيد للتيار الوطني. وإذا أظهرت استطلاعات الرأي أن هذا التحالف قادر على احتلال المركز الأول أو تشكيل كتلة حاسمة داخل المجلس التشريعي، فسيصبح تأجيل الانتخابات بالنسبة إلى القيادة أقل كلفة من إجرائها.
إن غياب الحراك الانتخابي الراهن ليس دليلاً على رضا الفلسطينيين أو ضعف رغبتهم في التغيير. إنه تعبير عن انعدام الثقة بالعملية كلها. القوى تنتظر لترى إن كان مرسوم الانتخابات بداية مسار ديمقراطي حقيقي، أم مجرد رسالة موجهة إلى المانحين والعواصم الغربية لإثبات أن السلطة تنفذ مطالب "الإصلاح".
الانتخابات الحقيقية ليست مرسوماً ولا جدولاً زمنياً فقط. إنها التزام مسبق بقبول نتائجها، حتى لو جاءت بخصوم السلطة، وضمان إجرائها في غزة والقدس، ومنع الأجهزة الأمنية من التدخل، وفتح المجال أمام القوائم المختلفة، والتعهد بعدم استخدام الاحتلال أو الانقسام أو الموقف الأميركي ذريعة للهروب من الصندوق.
حتى الآن، يبدو أن موعد الثامن والعشرين من نوفمبر قائم على الورق، فيما أسباب التأجيل تتحرك على الأرض. وإذا بقيت الانتخابات رهينة موافقة إسرائيل وأميركا و"مجلس السلام"، والأهم رهينة حسابات الرئيس وميزان القوى داخل فتح، فقد يستيقظ الفلسطينيون ذات مساء على مرسوم جديد يؤجل الانتخابات "حفاظاً على الوحدة الوطنية" أو "صوناً لحق القدس وغزة"، بينما يكون السبب الحقيقي أكثر بساطة: الخوف من إرادة الناخبين.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


