عبد الرزاق غزال يكتب لوطن: الابتعاد عن العالم أم التحرر منه؟ قراءة نفسية في علاقة الذات بالواقع القاهر

30.07.2026 05:44 PM

 في كل يوم يمضي، نتحدث نحن الفلسطينيين، فيما بيننا ومع أنفسنا، عن أنهار من الألم، حتى أصبح الحزن مقيمًا في نفوسنا. نعيش اليوم واحدة من أسوأ مراحل حياتنا، وتحول واقعنا مع مرور الوقت إلى ما يشبه كهفًا من السبات والإغماء. وفي ظل هذه الظروف، نتقن حيلة الابتعاد؛ لكن الابتعاد عن ماذا؟ لعل أقلّه الابتعاد عن ضجيج الخطابات المنمقة، والشعارات الرنانة، بل وحتى الابتعاد عن التفكير في واقعنا ومستقبلنا. هذه ليست سوى مقدمة لموضوع هذا المقال، الذي يتناول مفهوم الابتعاد من منظور التأمل النفسي في التجربة الإنسانية، لا بوصفه مدخلًا لتعبيرات البطولة أو الهزيمة.

لنبدأ أولًا بما هو متعارف عليه في تفسير الابتعاد من منظور مدارس علم النفس، وعلى رأسها مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية والمحدثة، والمدرسة المعرفية السلوكية. فرغم اختلافهما في آليات التفسير، إلا أنهما تتفقان، في المجمل، على أن الابتعاد قد يكون نتيجة للتعرض لصدمة نفسية، وأنه يمثل شكلًا من أشكال الانسحاب أو ما يُعرف بـ"التجنب النفسي" الناتج عن الصدمة(1).

ولتقريب الصورة، إذا فقدت امرأة والدتها في حادثة مؤلمة، فمن الطبيعي ألا تعود حياتها كما كانت. فهي ليست غاضبة من الناس، ولم تفقد قدرتها على الحب، لكنها تشعر بأن الاقتراب من الآخرين يوقظ في داخلها خوفًا من فقدان جديد. تبدأ برفض الدعوات، وتقلل من حديثها مع الآخرين، وقد تختار الجلوس وحيدة أو في مكان بعيد. سيظن المحيطون بها أنها أصبحت منطوية، بينما هي في الحقيقة تحاول حماية جزء منها ما زال ينزف، وربما تبحث عن فرصة لالتقاط أنفاسها. إنه هروب من الألم، لا من الآخرين. وكلما اقتربت من مصادر الألم، استحضرت خسارتها من جديد. بهذا المعنى، تبدو العزلة درعًا مؤقتًا للتعافي، وهذا مثال واضح على الابتعاد في صورته الأولى.

وفي حالات مشابهة، يلجأ الإنسان إلى الابتعاد لحماية نفسه من مزيد من الأذى، فيتجنب المواقف أو الذكريات أو العلاقات التي تستحضر صدماته السابقة. ويُعرف ذلك أيضًا بإحدى الآليات الدفاعية (Defense Mechanism)، وهي وسيلة لا شعورية يستخدمها العقل لحماية الإنسان من المشاعر المؤلمة، أو الأفكار والتجارب التي تشكل تهديدًا نفسيًا، كالخوف والألم والذنب والصراع(2).

أما في الحالة الفلسطينية، فنحن نعيش نمطًا مختلفًا من الابتعاد، يبدو مغايرًا في مظاهره وأكثر تعقيدًا في بنيته. فالفلسطيني اليوم يقع تحت وطأة ما يُعرف بـ"الصدمات الممتدة". والسؤال هنا: كيف يمكن فهم العلاقة بين هذه الصدمات المزمنة وبين ميل الإنسان إلى الابتعاد عما يجري حوله، في وقت ما يزال فيه الجرح مفتوحًا، ولا أحد يعلم، حتى لحظة كتابة هذه السطور، متى سيتوقف نزيفه، أو إن كان سيتعافى أصلًا؟ وربما يكون السؤال الأهم: هل يمكن لهذا الابتعاد أن يفتح طريقًا نحو وعي جديد، يستعيد من خلاله الإنسان قدرته على النجاة؟

سنحاول لاحقًا تقديم مقاربة لهذه الأسئلة، وإن كان هذا المقال لا يتسع لمزيد من التحليل. وقبل ذلك، يبدو لي أن الفلسطيني يستجيب لصدماته الممتدة عبر بعدين متداخلين: ذاتي وجمعي، يتفاعلان في آن واحد على المستويين الشعوري واللاشعوري.

وعند الحديث عن الصدمة الممتدة، يتضح أن الفلسطينيين يتشاركون، فرديًا وجماعيًا، في حمل أوجاع ثقيلة أنهكتهم. ففي غزة، فقد آلاف الفلسطينيين أمهاتهم وآباءهم وإخوتهم وأخواتهم، وفقدوا منازلهم وأعمالهم وأحياءهم وجيرانهم، بل فقدوا تفاصيل الحياة اليومية التي تمنح الإنسان شعورًا بالأمان والانتماء. تجرعوا مرارة التجويع والنزوح، وناموا في العراء، وواجهوا أقسى صور الإهانة والحرمان. رأوا الدبابات تجتاح الأرض وتدوس أجساد أحبائهم، وتحول الحياة إلى مشاهد من الدمار. وقفوا في طوابير طويلة بحثًا عن كسرة خبز، وحُرموا من الماء، واضطر كثيرون إلى النوم بجوار جثامين لم تجد أحيانًا من يواريها الثرى بكرامة. حُرم الفلسطيني من صوته، وقُهر وأُذل، وسُجن وعُذب، وانتهكت حرمة بيته وخيمته وخصوصيته، وعاش المرض بلا علاج والخوف بلا ملاذ.

وفي الضفة الغربية، يعيش الفلسطيني وجعه تحت وطأة الخوف الدائم والقلق المستمر. يستيقظ على أخبار الاقتحامات، ويودع أبناءه دون أن يعلم إن كانت الطرق ستبقى مفتوحة أم ستغلقها الحواجز. يعيش وسط توسع استيطاني، وأراضٍ تُصادر، وبيوت تُهدم، وأحلام تتقلص. يتعب من الانتظار الطويل على الحواجز، ومن السؤال اليومي عن سلامة أبنائه، ومن فقدان الإحساس بالاستقرار. يرى شابًا يُعتقل، وعائلة تفقد مصدر رزقها، ومزارعًا يُمنع من الوصول إلى أرضه، وأطفالًا يكبرون وهم يعرفون الخوف قبل أن يعرفوا معنى الأمان.

فأي نوع من الابتعاد يلجأ إليه الفلسطيني وهو مثقل بهذا الكم الهائل من المعاناة؟ وكيف يمكن أن يتحول هذا الابتعاد إلى وسيلة للنجاة؟ ربما يبتعد لأن حياته لم تعد تشبهه، أو لأنه يحتاج إلى سماع صوته الداخلي واستعادة اتصاله بذاته، بعد أن غمره ضجيج الخوف، وفقدان الثقة، والخذلان، والشعور باللاجدوى. وربما يكون الابتعاد فرصة للتمييز بين ما يؤمن به الإنسان حقًا وما يُفرض عليه، وللتعرف إلى مشاعره الحقيقية بدلًا من تلك التي صنعتها الصدمات. حينها قد يستعيد قدرته على الاختيار، بدل الاكتفاء بردود الفعل، ويعيد اكتشاف هويته بعيدًا عن الأصوات التي تتحدث باسمه.

ولنفترض أن هذا الابتعاد يحول وعي الفلسطيني من السبات إلى اليقظة، فيرى نفسه والعالم من حوله بوضوح أكبر. هنا يبرز سؤال آخر: كيف يصنع الفلسطيني العدسة التي تمكنه من الاستفاقة والتعافي؟ في كل الأحوال، لن يصنعها منفردًا أو بمعزل عن عالمه. فنحن نتعلم عبر ما نعيشه ونشاركه منذ طفولتنا، وليس فقط عبر الصدمات التي تعرضنا لها. ونسعى معًا إلى تنظيم حياتنا، وفهم المعنى الكامن في الألم الناتج عن صدماتنا المزمنة، من خلال القصص والتجارب الممتدة بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ومع ذلك، فإن كل إنسان يبتعد بطريقته الخاصة، لأن لكل فرد تاريخًا نفسيًا يجعله متفردًا في رؤيته للحياة. فما يراه أحدهم ابتعادًا، قد يراه آخر استراحة، وما يعدّه شخص هزيمة، قد يراه غيره بداية جديدة. لذلك، لا توجد طريقة واحدة للابتعاد، كما لا توجد طريقة واحدة للألم أو التعافي. فالإنسان كائن فريد، تتداخل في تكوينه ذاكرته وخبراته وخساراته وآماله وما تعلمه عن نفسه والعالم. ومن هنا، لا يقاس الابتعاد بالمسافة التي يقطعها الإنسان عن الآخرين، بل بالمسافة التي يحتاجها لإعادة ترتيب عالمه الداخلي. فهناك من يبتعد بالصمت، وآخر بالكتابة، وثالث بالعمل، ورابع بالعزلة، وخامس يواصل حياته بين الناس بينما يعيش في داخله رحلة ابتعاد عميقة. واختلاف أشكال الابتعاد ليس دليلًا على اختلاف حجم الصدمة، بل على فرادة التجربة الإنسانية؛ فكل روح تبحث عن طريقتها الخاصة في حماية نفسها، وفهم جراحها، واستعادة توازنها، حتى تبلغ درجة من الوعي تمكنها من العودة إلى الحياة دون أن تفقد ذاتها.

ووفق تصور عالم النفس كارل غوستاف يونغ، لا يكون الابتعاد مجرد انسحاب من العالم، بل بداية رحلة نحو الذات. فالإنسان لا ينضج لأنه عاش تجارب كثيرة فحسب، بل لأنه منح نفسه فرصة للتأمل فيما عاشه. وعندما يبتعد عن ضجيج الخارج، يبدأ في اكتشاف صوته الداخلي، ويواجه الجوانب التي طالما أخفاها خلف أدواره الاجتماعية. لذلك، فإن الابتعاد، في معناه الجسدي والروحي العميق، ليس رفضًا للحياة، وإنما محاولة لاستعادة الذات الحقيقية، والعودة إلى العالم بوعي أكثر نضجًا واتزانًا(3).

وبهذا المعنى، لا يرى الفلسطيني الخيمة مجرد قماش وحبال، بل رمزًا سياسيًا لمأساة اقتلاعه وألم الإبادة. كما أن أدوات المعرفة ليست مجرد وسائل لنقل المعلومات، بل تسهم في تشكيل الطريقة التي يفهم بها الفلسطيني واقعه والعالم من حوله. لذلك، لا ينبغي أن يقتصر التعليم الحقيقي على شرح الواقع كما هو، بل يجب أن يدفع الإنسان إلى التفكير فيما يمكن أن يكون عليه الواقع. ومن هنا، تبدو الحقيقة التي يعيشها الفلسطيني حقيقة ديناميكية ومتغيرة، على المستويين الفردي والجمعي، والشعوري واللاشعوري.

لكن، هل يمكن تحرير وعي الفلسطيني، بمعنى أن يستعيد حقه في أن يرى بعينيه؟ يرى عالم النفس المناهض للاستعمار فرانز فانون أن ذلك ممكن؛ فالاستعمار، بحسب فانون، لا يسيطر على الأرض فقط، بل يعمل أيضًا على إعادة تشكيل وعي الإنسان المستعمَر، ويزرع فيه شعورًا بالنقص، ويخلق ذاتًا مكسورة. وإذا تأملنا واقعنا، سنجد أن كثيرًا من المآسي التي نعيشها تحت الاحتلال تنطبق عليها هذه الرؤية. لذلك، فإن التحرر، في نظر فانون، ليس مجرد إصلاح تدريجي، بل قطيعة نفسية واجتماعية مع النظام الاستعماري(4).

ومن هذا المنطلق، لا يمكن أن يكون التحرر النفسي هدفًا فرديًا فحسب، بل مشروعًا جماعيًا للانتقال من حالة الابتعاد إلى الفعل. إنه مشروع يتطلب تحرير الثقافة والخيال الاجتماعي من هيمنة الاستعمار وسائر أشكال الهيمنة الاجتماعية. فالذات الحرة هي القادرة على الصمود والرفض والمقاومة، لا مجرد التكيف مع الواقع، بل الإسهام في تغيير الشروط الاجتماعية والسياسية التي تولد التعاسة. لذلك، لا ينبغي النظر إلى الألم باعتباره تجربة شخصية فقط، بل باعتباره نتاجًا لبنية قمعية تستدعي مواجهة جماعية. فالنازح في خيمته لا يعاني الاكتئاب أو القلق بسبب ضعف شخصي، بل نتيجة اقتلاع استعماري وحرمان من أبسط الحقوق. وبهذا المعنى، قد يتحول الابتعاد إلى قوة سياسية وجماعية، وتصبح النجاة الفردية جزءًا من ذاكرة احتجاجية جماعية في مواجهة الظلم، لا مجرد تجربة شخصية معزولة.


1. https://repository.up.ac.za/server/api/core/bitstreams/9b1be133-0a04-412c-a0a7-a3aba69b11c4/content

 2. https://www.scirp.org/pdf/psych2025165_26904706.pdf

3.https://scholarship.claremont.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1249&context=pomona_theses

 4. https://omran.dohainstitute.org/ar/issue015/Pages/AhmedJassim.pdf

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير