يونس العموري يكتب لوطن: حركة فتح عشية الانتخابات التشريعية... في مواجهة نفسها

يسبق كل انتخابات حديث عن القوائم والتحالفات، لكن ما يجري داخل حركة فتح عشية الانتخابات التشريعية المقبلة يتجاوز بكثير حدود المنافسة الانتخابية أو إعادة ترتيب الأسماء داخل قائمة رسمية أو أكثر. فالمشهد الذي يتشكل أمام الفلسطينيين لا يعكس مجرد حراك تنظيمي مألوف، بل يكشف عن أزمة سياسية عميقة تضرب واحدة من أعرق حركات التحرر الوطني في التاريخ المعاصر. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بعدد القوائم التي يمكن أن تنبثق من داخل فتح، ولا بحجم الأصوات التي قد تحصل عليها كل قائمة، وإنما بالسؤال الأكثر خطورة: ماذا جرى لفتح حتى أصبحت الانتخابات مناسبة لقياس حجم الانقسام داخلها أكثر من كونها محطة لتجديد مشروعها الوطني .. ؟؟
لقد كانت حركة فتح، منذ انطلاقتها، أكبر من كونها تنظيما سياسيا بالمعنى الحزبي التقليدي. فقد ولدت باعتبارها مشروعا وطنيا جامعا، استطاع أن يستوعب تيارات فكرية وسياسية متعددة تحت سقف هدف واحد هو تحرير فلسطين واستعادة القرار الوطني المستقل. ولهذا لم تكن قوة فتح نابعة من وحدة فكرية صارمة، وإنما من قدرتها الاستثنائية على إدارة التعدد داخلها، وتحويل الاختلاف إلى مصدر قوة لا إلى عامل انقسام. هذه الميزة هي التي جعلت الحركة قادرة على قيادة الشعب الفلسطيني لعقود، وعلى إنتاج المؤسسات الوطنية، وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ثم لاحقا قيادة السلطة الفلسطينية بكل ما حملته من تعقيدات..
غير أن السنوات الأخيرة أظهرت أن النموذج الذي حكم فتح لعقود بدأ يفقد قدرته على الاستمرار. فالتحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية، وانتقال الحركة من موقع الثورة إلى موقع السلطة، ثم تراجع المشروع السياسي بفعل الانسداد الداخلي والضغوط الخارجية، كلها عوامل أعادت تشكيل البنية الداخلية للحركة بصورة تدريجية. ومع مرور الوقت لم تعد فتح تواجه فقط تحديات الاحتلال، بل أصبحت تواجه تحديا أكثر تعقيدا يتمثل في تعريف ذاتها من جديد. هل ما زالت حركة تحرر وطني تقود مشروعا للتحرير؟ أم أصبحت حزبا حاكما يدير سلطة محدودة الصلاحيات؟ أم أنها تحولت إلى إطار واسع يجمع مراكز قوى متنافسة أكثر مما يجمعها مشروع سياسي موحد ..؟
هذه الأسئلة بقيت مؤجلة سنوات طويلة، وكانت القيادة التنظيمية تنجح في تأجيل الإجابة عنها كلما برزت أزمة جديدة. لكن الانتخابات، بطبيعتها، لا تسمح بتأجيل الأسئلة الكبرى، لأنها تفرض على الجميع تحديد مواقعهم بصورة واضحة. ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس ولادة خلافات جديدة، بل خروج الخلافات القديمة إلى العلن بعد أن فقدت المؤسسات التنظيمية قدرتها على احتوائها.
إن أخطر ما يكشفه المشهد الحالي ليس تعدد القوائم المحتملة، وإنما تراجع فكرة المرجعية الواحدة داخل حركة فتح. ففي الماضي كانت الخلافات، مهما بلغت حدتها، تنتهي داخل المؤسسة التنظيمية، لأن الجميع كان يعترف بوجود مرجعية قادرة على الحسم. أما اليوم فإن المشكلة تبدو أعمق، لأن جزءا مهما من أبناء الحركة لم يعد يرى أن الخلاف يمكن حله داخل الأطر التنظيمية التقليدية، ولذلك أصبح اللجوء إلى تشكيل أطر انتخابية مستقلة أو موازية تعبيرا عن فقدان الثقة بآليات العمل الداخلي، وليس مجرد رغبة في المنافسة.
ومن هنا فإن الحديث عن توحيد القوائم، أو تقليص عددها، لا يمس جوهر الأزمة، بل يلامس سطحها فقط. فالخلاف لا يتعلق بشكل القائمة، وإنما بطبيعة الحركة نفسها. إذ لا يمكن إعادة إنتاج الوحدة التنظيمية عبر تفاهمات انتخابية مؤقتة إذا كانت أسباب الانقسام لا تزال قائمة. إن الاتفاق على قائمة واحدة قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يلغيه، لأن الانقسام الحقيقي أصبح مرتبطا بالرؤية، وبآليات اتخاذ القرار، وبطبيعة العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبمفهوم الشراكة داخل الحركة...
ولعل أكثر ما يدعو إلى القلق أن النقاش الدائر داخل فتح لا يتركز حول البرنامج الوطني الذي ستتقدم به إلى الشعب الفلسطيني، ولا حول رؤيتها لمستقبل المشروع الوطني في ظل التحولات الإقليمية والدولية، وإنما يتمحور حول من يمثل فتح أكثر من الآخر، ومن يمتلك الحق في التحدث باسمها، ومن يملك الشرعية التنظيمية والتاريخية. وهذا التحول في طبيعة النقاش يكشف أن الأزمة انتقلت من مستوى التنافس السياسي إلى مستوى التنافس على هوية الحركة نفسها...
لقد عاشت فتح، منذ تأسيسها، على فكرة أنها البيت الوطني الواسع الذي يتسع للجميع. أما اليوم فإن هذا البيت يبدو وكأنه يعيد رسم جدرانه من الداخل، بحيث أصبح كل تيار يسعى إلى بناء غرفة خاصة به، وربما باب مستقل أيضا. وهذه ليست أزمة تنظيمية عابرة، وإنما مؤشر على أن الحركة فقدت تدريجيا قدرتها على إنتاج المجال المشترك الذي كان يجمع أبناءها على اختلاف مواقعهم ..
ولا يمكن فصل ذلك عن التحولات التي أصابت النظام السياسي الفلسطيني كله. ففتح لم تكن يوما مجرد فصيل من بين فصائل، بل كانت العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني. ولذلك فإن أي اهتزاز داخلها ينعكس مباشرة على منظمة التحرير، وعلى السلطة الفلسطينية، وعلى مجمل التوازنات الوطنية. ولهذا فإن الأزمة لم تعد تخص أبناء الحركة وحدهم، بل أصبحت قضية تمس مستقبل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله.
واللافت أن كثيرا من محاولات معالجة الأزمة لا تزال تنطلق من منطق انتخابي بحت، وكأن المشكلة تكمن في احتمال ضياع بعض الأصوات أو تراجع عدد المقاعد. لكن الحقيقة أن المقاعد ليست سوى النتيجة الأخيرة لمسار طويل من التآكل التنظيمي والسياسي. أما المرض الحقيقي فيكمن في غياب المراجعة الفكرية والتنظيمية التي تعيد تعريف وظيفة فتح في هذه المرحلة، وتجيب عن سؤال بالغ الحساسية .. ما الذي تريده فتح من نفسها قبل أن تسأل الفلسطينيين ماذا يريدون منها ..؟؟
إن التنظيمات الكبرى لا تنهار عندما تختلف قياداتها، وإنما عندما تعجز عن إنتاج قيادة جديدة تحظى بثقة الجميع، وعندما تتحول المؤسسات إلى أطر شكلية، بينما ينتقل القرار الفعلي إلى مراكز نفوذ متفرقة لا يجمعها إطار جامع. وهذا ما يجعل الأزمة الراهنة أكثر تعقيدا من مجرد خلاف انتخابي، لأنها تمس جوهر فكرة القيادة داخل فتح، وتمس في الوقت نفسه قدرتها على إعادة إنتاج نفسها كحركة وطنية قائدة، لا كتحالف هش بين تيارات تنتظر كل استحقاق لتعلن اختلافاتها من جديد...
إذا كانت الانتخابات المقبلة تمثل اختبارا لحركة فتح، فإن الاختبار لا يتعلق بقدرتها على الفوز بعدد أكبر من المقاعد، وإنما بقدرتها على إقناع الفلسطينيين بأنها ما زالت تمتلك مشروعا سياسيا متماسكا، وأنها قادرة على إدارة نفسها قبل أن تطلب تفويضا لإدارة الشأن العام. فالشرعية في التجارب السياسية الحديثة لا تستمد من التاريخ وحده، مهما كان مجيدا، وإنما من القدرة المستمرة على تجديد الذات، وإنتاج الأفكار، واستيعاب المتغيرات. أما عندما يتحول التاريخ إلى الملاذ الوحيد، فإن التنظيم يبدأ تدريجيا بالعيش على رصيده القديم، بينما يتآكل حضوره في الواقع.
لقد منحت التجربة الوطنية الفلسطينية حركة فتح مكانة استثنائية لم تحظ بها أي حركة فلسطينية أخرى، ليس لأنها كانت الأكبر عددا، وإنما لأنها كانت الإطار الذي صاغ الهوية السياسية الفلسطينية المعاصرة، وأعاد القضية إلى الوعي العربي والدولي، وأنتج المؤسسة الوطنية بكل مستوياتها. غير أن هذه المكانة نفسها تفرض عليها اليوم مسؤولية مضاعفة، لأن أزمة فتح لم تعد أزمة تنظيم يبحث عن تماسكه، بل أزمة قيادة تاريخية ينعكس ضعفها على مجمل الحالة الفلسطينية. وإذا كان الاحتلال هو المستفيد الأول من كل انقسام فلسطيني، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الانقسام داخل فتح إلى حالة دائمة، لا إلى خلاف عابر. فالحركات الوطنية التي تدخل مرحلة التشظي لا تخسر فقط قدرتها على المنافسة الانتخابية، وإنما تفقد تدريجيا قدرتها على المبادرة السياسية. وعندما تتعدد مراكز القرار داخل الحركة الواحدة، يصبح من الصعب إنتاج موقف وطني موحد، ويصبح القرار محكوما بالتوازنات الداخلية أكثر من ارتباطه بالمصلحة الوطنية العليا.
ولعل ما ينبغي التوقف عنده هو أن الأزمة الحالية ليست وليدة أشهر أو سنوات قليلة، بل هي حصيلة تراكم طويل بدأ منذ انتقال فتح من حركة تحرر إلى حركة تقود سلطة وطنية محدودة الصلاحيات. ففي تلك اللحظة التاريخية تبدلت الأولويات، وتغيرت طبيعة الصراع داخل الحركة. لم يعد التنافس يدور حول وسائل إدارة الكفاح الوطني فقط، بل امتد إلى إدارة المؤسسات، وتوزيع النفوذ، والتأثير في القرار، ومع مرور الزمن أصبحت السلطة تنتج معادلاتها الخاصة، وأصبح التنظيم يتكيف معها بدلا من أن يقودها... ومنذ ذلك الحين بدأت تتسع المسافة بين فتح بوصفها فكرة وطنية، وفتح بوصفها مؤسسة تنظيمية. فالفكرة بقيت حاضرة في الوجدان الفلسطيني، بما تمثله من تاريخ وتضحيات ورمزية، بينما أخذت المؤسسة تعاني من الشيخوخة التنظيمية، ومن تراجع الحياة الداخلية، ومن غياب آليات المراجعة والمحاسبة والتجديد. وهنا يكمن جوهر الأزمة، لأن التنظيم الذي يتوقف عن تجديد نفسه يصبح أسير تاريخه، بينما تستمر الحياة السياسية في إنتاج وقائع جديدة لا تنتظر أحدا... ولذلك فإن الحديث عن تشكيل قائمة موحدة، أو احتواء الخلافات قبيل الانتخابات، لن يكون كافيا لمعالجة أزمة بهذا الحجم. فالوحدة ليست ورقة توقع، ولا صورة جماعية تلتقط أمام وسائل الإعلام، بل هي نتيجة طبيعية لوجود رؤية مشتركة، ومؤسسات فاعلة، وعدالة تنظيمية يشعر الجميع بأنها تحكم العلاقة بين القيادة والقاعدة. أما إذا غابت هذه العناصر، فإن أي وحدة ستبقى مؤقتة، وستتفكك عند أول اختبار سياسي جديد.
ومن المؤشرات التي تستحق التأمل أن الخلاف داخل فتح لم يعد يدور بين جيل قديم وجيل جديد فقط، ولا بين تيار وآخر، وإنما أصبح يمتد إلى طريقة فهم الحركة لدورها في المرحلة المقبلة. فهناك من يرى أن الأولوية يجب أن تكون للحفاظ على بنية السلطة واستقرارها، وهناك من يعتقد أن فتح مطالبة بالعودة إلى خطابها الوطني الأول، فيما يذهب آخرون إلى البحث عن صيغ جديدة تعيد تعريف الحركة بما يتلاءم مع المتغيرات السياسية. وهذا التباين ليس تفصيلا عابرا، لأنه يعكس غياب رؤية موحدة للمستقبل، وهو ما يجعل كل استحقاق انتخابي مناسبة لإعادة فتح الأسئلة نفسها دون الوصول إلى إجابات حاسمة...
وفي تقديري، فإن أخطر ما قد تواجهه فتح ليس خسارة جزء من أصواتها، وإنما خسارة صورتها كإطار جامع. فالقوة الحقيقية للحركة عبر تاريخها لم تكن في عدد أعضائها، ولا في حجم نفوذها داخل المؤسسات، بل في قدرتها على إقناع الفلسطينيين بأنها تمثل المظلة الوطنية الأوسع. وإذا تراجعت هذه القناعة، فإن استعادتها ستكون أصعب بكثير من استعادة أي مقعد انتخابي.
ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تفرض على فتح مراجعة شاملة لا تقتصر على نتائج الانتخابات، بل تمتد إلى بنيتها الفكرية والتنظيمية والسياسية. مراجعة تعيد الاعتبار للمؤسسة قبل الفرد، وللبرنامج قبل الأشخاص، وللحوار الداخلي قبل الاصطفافات المؤقتة. فالتاريخ يعلمنا أن الحركات الوطنية لا تسقط عندما تواجه خصومها، وإنما عندما تعجز عن مراجعة نفسها في الوقت المناسب.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح .. إلى أين تتجه فتح إذا استمر هذا المسار؟ من الصعب الجزم بالإجابة، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن الحركة تقف أمام واحد من أهم المنعطفات منذ تأسيسها. فإذا نجحت في تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة البناء، فقد تخرج أكثر تماسكا وقدرة على مواكبة التحولات. أما إذا استمرت في إدارة الخلاف بمنطق التسويات المرحلية، فإن الانقسامات ستتكرر بأشكال مختلفة، وقد تتحول مع الوقت إلى واقع تنظيمي دائم، تتعدد فيه المرجعيات داخل الحركة الواحدة، ويصبح الاسم التاريخي إطارا رمزيا أكثر منه إطارا تنظيميا موحدا.
وفي النهاية، لا يبدو أن الانتخابات المقبلة ستكون مجرد محطة سياسية عابرة في تاريخ حركة فتح، بل قد تكون لحظة فاصلة تعيد رسم مستقبلها لسنوات طويلة. فالقضية لم تعد قضية قائمة رسمية في مواجهة قوائم أخرى، ولا صراعا على مواقع داخل المجلس التشريعي، وإنما معركة أعمق تتعلق بمصير الحركة نفسها. إن فتح اليوم لا تواجه اختبارا انتخابيا فحسب، بل تواجه اختبارا وجوديا يتعلق بقدرتها على البقاء حركة وطنية جامعة، أو التحول تدريجيا إلى مجموعة من التيارات التي يوحدها الماضي أكثر مما يجمعها المستقبل. وفي ذلك يكمن التحدي الأكبر، لأن الشعوب قد تمنح ثقتها مرة أخرى، لكنها لا تمنحها لمن يعجز عن مصارحة نفسه أولا، ولا لمن يكتفي بإدارة أزماته بدلا من معالجتها من جذورها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


