الكمبرادور ... حين تتحول المصالح الخاصة إلى عبء على القضية الوطنية

كتب اسماعيل الريماوي: لم يعد مصطلح الكمبرادور مجرد مفهوم اقتصادي يُدرّس في كتب الاقتصاد السياسي، بل أصبح أداة لفهم طبيعة النخب التي تنشأ في ظل الاحتلال أو التبعية، حيث ترتبط مصالحها ببقاء الواقع القائم أكثر من ارتباطها بتحقيق التحرر الوطني، فالكمبرادور، في أصله، هو البرجوازية المحلية التي تعمل وسيطًا للرأسمال الأجنبي، فتجني أرباحها من الوكالة والاستيراد والاحتكار، بينما يتراجع الإنتاج الوطني وتتآكل قدرة المجتمع على بناء اقتصاد مستقل.
وفي الحالة الفلسطينية، يكتسب هذا المفهوم أبعادًا أكثر تعقيدًا، فالاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بالسيطرة العسكرية على الأرض، بل عمل على بناء منظومة اقتصادية تجعل الاقتصاد الفلسطيني تابعًا له في معظم مفاصله، من المعابر والتجارة إلى الموارد والطاقة وحركة البضائع، وفي مثل هذا الواقع، برزت فئات اقتصادية وسياسية ارتبطت مصالحها باستمرار هذه المنظومة، وأصبحت تستفيد من إدارتها أكثر مما تستفيد من تغييرها.
إن المشكلة لا تكمن في رجال الأعمال أو القطاع الخاص بحد ذاته، فوجود اقتصاد وطني قوي ضرورة لأي مشروع تحرري، وإنما تكمن في تحول بعض المصالح الاقتصادية إلى مصالح مرتبطة باستمرار التبعية، بحيث يصبح الاحتلال، بالنسبة إلى بعض المستفيدين، مصدرًا للأرباح لا عائقًا يجب إنهاؤه ، وعندما تتشابك المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي، يصبح الدفاع عن الوضع القائم أكثر حضورًا من السعي إلى تغييره.
لقد أدت سنوات طويلة من القيود الاقتصادية إلى إضعاف الإنتاج الزراعي والصناعي الفلسطيني، وزيادة الاعتماد على السوق الإسرائيلية، بينما توسعت أنشطة الوساطة والاستيراد والخدمات على حساب الاقتصاد المنتج ، ومع هذا التحول، أصبح قسم من النخبة الاقتصادية يحقق مكاسبه من إدارة العلاقة الاقتصادية القائمة، لا من بناء اقتصاد قادر على الصمود والاستقلال.
ولا يقتصر أثر هذه الظاهرة على الاقتصاد، بل يمتد إلى الحياة السياسية والاجتماعية، حيث تتراجع الأولويات الوطنية أمام الحسابات الخاصة، ويصبح الحفاظ على الامتيازات أهم من مواجهة سياسات الاستيطان والتهجير ومصادرة الأراضي، وفي مثل هذا المناخ، تتسع الفجوة بين المواطن الذي يدفع ثمن الاحتلال يوميًا، وبين من يستطيع التكيف مع الواقع القائم والاستفادة منه.
وفي الوقت الذي تتعرض فيه الضفة الغربية لتوسع استيطاني غير مسبوق، وتتعرض غزة لدمار هائل وحصار مستمر، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن بناء مشروع وطني قادر على مواجهة هذه التحديات إذا بقي الاقتصاد أسير التبعية، وإذا بقيت بعض النخب ترى في استمرار هذا الواقع ضمانًا لمصالحها.
إن التحرر الوطني لا يكتمل بالخطابات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى اقتصاد وطني منتج، وإلى مؤسسات شفافة، وإلى نخب تعتبر أن مصلحتها الحقيقية مرتبطة بحرية شعبها، لا باستمرار تبعيته، فكل مشروع تحرري يحتاج إلى قاعدة اقتصادية مستقلة، وإلا بقي القرار الوطني مرتهنًا لمن يملك مفاتيح المال والتجارة والمعابر.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الاحتلال لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل يستفيد أيضًا من وجود بنى اقتصادية واجتماعية تجعل المجتمع أكثر اعتمادًا عليه وأقل قدرة على الانفكاك عنه، ومن هنا فإن مواجهة الاحتلال لا تعني فقط مقاومة سياساته على الأرض، بل تعني أيضًا بناء اقتصاد وطني يقلل من التبعية، ويعزز الإنتاج، ويحمي القرار الوطني من تأثير المصالح الضيقة.
إن القضية الفلسطينية اليوم تواجه تحديات تتجاوز الاحتلال المباشر؛ فهي تواجه أيضًا آثار التبعية الاقتصادية، وتضارب المصالح، وغياب رؤية تنموية مستقلة، ولذلك فإن أي مشروع وطني جاد لا بد أن يضع في أولوياته تحرير الإنسان والاقتصاد والقرار السياسي معًا، لأن الحرية لا تتحقق ما دام الاقتصاد تابعًا، ولا يمكن بناء دولة مستقلة بإرادة اقتصادية مرهونة للآخرين.
في المحصلة فإن أخطر ما يواجهنا اليوم ليس الاحتلال وحده، بل نشوء طبقة من الكمبرادور السياسي والاقتصادي التي وجدت في استمرار الواقع القائم فرصةً لحماية مصالحها وتوسيع نفوذها، فحين يتحول الفساد إلى منظومة، وتصبح الامتيازات الشخصية مقدمة على المصلحة الوطنية، تتآكل مقومات الصمود من الداخل، ويجد الاحتلال بيئةً أكثر ملاءمة لترسيخ سياساته الاستيطانية والتهجيرية، إن معركة التحرر لا تُخاض فقط في مواجهة الاحتلال، بل أيضًا في مواجهة كل أشكال الفساد والتبعية التي تُفرغ المشروع الوطني من مضمونه، فلا يمكن لشعب يسعى إلى الحرية أن يبني مستقبله على اقتصاد مرتهن، أو على مؤسسات تُدار بمنطق المحسوبية والاحتكار، أو على نخب ترى في استمرار الأزمة ضمانًا لمصالحها، فالوطن ليس في حاجة إلى كمبرادور يقتات على معاناة شعبه، بل إلى قيادة وطنية واقتصاد مقاوم وإرادة صادقة تجعل من التحرر والاستقلال هدفًا لا مساومة عليه، لأن الأوطان لا تتحرر بمن يربح من بقائها أسيرة، وإنما بمن يدفع ثمن حريتها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


