فريد مرة يكتب لوطن: الانتخابات الفلسطينية… حين يصبح السؤال: هل ستُجرى أم كيف نستعد لما بعدها؟

28.07.2026 06:58 PM

في السياسة، تأتي لحظة يصبح فيها الجدل حول الأسئلة القديمة مضيعة للوقت، لأن الوقائع تكون قد تجاوزتها. وهذا ما ينطبق اليوم على النقاش الفلسطيني بشأن المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها. فالمؤشرات المتراكمة تدل على أن غالبية القوى السياسية، بما فيها تلك التي لم تعلن موقفها النهائي، تتجه نحو المشاركة، الأمر الذي يجعل سؤال المقاطعة أقل أهمية مما كان عليه في السابق.

لكن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقًا بالمشاركة، بل بمصير العملية الانتخابية نفسها: هل ستُجرى الانتخابات فعلًا، أم أن البلاد تتجه نحو سيناريو التأجيل أو الإلغاء؟

التعامل مع هذا السؤال يقتضي قدرًا من الواقعية السياسية. فلا يجوز بناء الاستراتيجية على افتراض واحد، بل على احتمالين متوازيين: الأول أن الانتخابات ستجري في موعدها، والثاني أن هناك إمكانية حقيقية لتعطيلها إذا تغيرت حسابات القوى القادرة على التأثير في القرار.

ومن هنا، فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن تقع فيه القوى الوطنية والديمقراطية المعارضة لنهج السلطة هو أن تدخل هذه المرحلة وهي مشتتة. فالانتخابات ليست مجرد سباق على المقاعد، وإنما لحظة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي الفلسطيني، وربما لإعادة تعريف مفهوم الشرعية ذاته.

إن الحاجة اليوم ليست إلى قائمة انتخابية عابرة، بل إلى كتلة سياسية وطنية موحده ببرنامج اجتماعي ديمقراطي تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة، وتستند إلى برنامج واضح، وإطار تنظيمي قادر على حماية وحدتها خلال الانتخابات، ومتابعة عملها بعدها، وممارسة الرقابة والمحاسبة، والدفاع عن مشروعها السياسي. فالقوائم تنتهي بانتهاء الاقتراع، أما الكتل السياسية الحقيقية فتبدأ مهمتها بعد إعلان النتائج.

بل إن أهمية هذا الإطار الوطني تتجاوز الانتخابات نفسها. فإذا أُجريت الانتخابات، سيكون قادرًا على تحويل الأصوات إلى مشروع سياسي متماسك. وإذا تعطلت، فإنه سيكون مؤهلًا لتمثيل تيار واسع يطالب بتجديد الشرعية عبر الوسائل الديمقراطية، ويمنع تحويل الإلغاء إلى مجرد حدث عابر ينتهي بانتهاء الأزمة.

أما المؤشرات التي تجعل احتمال الإلغاء قائمًا، فلا ينبغي تجاهلها، حتى وإن لم تكن حاسمة.

أول هذه المؤشرات أن أي عملية انتخابية، حين تخرج نتائجها المتوقعة عن الحسابات التي رُسمت لها، تصبح عرضة لإعادة النظر فيها. فإذا تبين أن المشهد يتجه نحو بروز كتلة سياسية وازنة قادرة على التأثير في القرار الوطني بصورة لا تنسجم مع مصالح القوى المتحكمة، فإن احتمال تعطيل العملية يصبح واردًا.

والمؤشر الثاني يتمثل في الإصرار على موعد انتخابي محدد، رغم وجود مقترحات بتأجيله إلى فترة قد تكون فيها البيئة الإقليمية والدولية أكثر وضوحًا، بعد استحقاقات سياسية مؤثرة في المنطقة والعالم. قد تكون لهذا الإصرار تفسيرات متعددة، ولا يمكن الجزم بسبب بعينه، إلا أن توقيته يفتح باب الأسئلة حول الحسابات السياسية التي تقف خلفه.

أما المؤشر الثالث، فهو استمرار حالة الضبابية السياسية. فالمواقف الفلسطينية ليست منسجمة بالكامل، وبعض التصريحات الصادرة عن شخصيات قيادية تعكس تباينًا في الأولويات بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية. وفي المقابل، لا تبدو الأطراف الدولية الأكثر تأثيرًا قد منحت العملية الانتخابية دعمًا سياسيًا واضحًا أو ضمانات فعلية لاستمرارها، بينما يبقى الموقف الأوروبي الأكثر حماسًا، وإن كان هذا الحماس قد يرتبط أيضًا باعتبارات تخص سياساته الداخلية ورؤيته للديمقراطية.

غير أن القراءة السياسية الرشيدة لا تكتفي برصد المخاطر، بل تبحث عن كيفية تحويلها إلى فرص.

فالرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على موعد الانتخابات وحده، وإنما على بناء حالة وطنية منظمة تستطيع استثمار أي سيناريو. فإذا جرت الانتخابات، تدخلها موحدة وقادرة على المنافسة. وإذا أُلغيت، تتحول إلى عنوان سياسي يحافظ على زخم المطالبة بالإصلاح وتجديد الشرعية، بدل أن تتبدد الجهود في ردود فعل متفرقة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القوى الوطنية اليوم ليس إلغاء الانتخابات، وإنما أن تصل إلى ذلك الاحتمال وهي مفككة، بلا إطار جامع، وبلا مشروع سياسي قادر على استثمار اللحظة.

فالسياسة لا تُقاس فقط بما يحدث، وإنما بمدى الاستعداد لما قد يحدث. والكتلة الوطنية الجامعة لم تعد خيارًا انتخابيًا فحسب، بل أصبحت ضرورة سياسية، سواء فتحت صناديق الاقتراع أبوابها، أم بقيت مغلقة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير