الانتخابات الإسرائيلية... من يقدّم للفلسطينيين مزيدًا من الموت؟

كتب اسماعيل جمعه الريماوي: مع إقرار الكنيست حل نفسه والدعوة إلى انتخابات مبكرة في أواخر شهر أكتوبر المقبل، تدخل إسرائيل جولة سياسية جديدة، لكنها ليست منافسة بين مشروعين مختلفين أو رؤيتين متناقضتين لمستقبل المنطقة، بل سباق محموم بين الأحزاب لإثبات من هو الأكثر تشددًا في التعامل مع الفلسطينيين.
لقد فقدت الحدود الفاصلة بين اليمين واليسار الإسرائيلي، على الأقل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، كثيرًا من معناها، فلكل مجمع على قتل الإنسان الفلسطيني، اما الاختلافات التي قد تظهر في القضايا الاقتصادية أو الاجتماعية فتكاد تختفي عندما يتعلق الأمر بالحرب على غزة، أو توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، أو فرض الوقائع بالقوة، أو رفض الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي هذه الملفات، يصبح الإجماع هو السمة الغالبة، بينما يقتصر الخلاف على الوسائل لا على الأهداف.
في هذا المناخ السياسي، يتحول الدم الفلسطيني إلى ورقة انتخابية، ويصبح حجم الدمار والقدرة على استخدام القوة العسكرية جزءًا من خطاب الأحزاب الساعية إلى كسب أصوات الناخبين، فكل حزب يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الأكثر حزمًا، والأكثر قدرة على تحقيق ما يسميه "الأمن"، ولو كان الثمن المزيد من القتل والدمار والتهجير.
ولم يعد الخطاب السياسي الإسرائيلي يكتفي بتبرير العمليات العسكرية، بل بات يتنافس على تبني مواقف أكثر تطرفًا، الأمر الذي ساهم في نقل أفكار كانت تعد هامشية إلى قلب المشهد السياسي، وهكذا أصبحت سياسات الاستيطان، والعقوبات الجماعية، ورفض أي تسوية سياسية، مواقف تجد تأييدًا واسعًا داخل الطيف الحزبي او في رأي الشارع الإسرائيلي نفسه.
إن أخطر ما تكشفه هذه الانتخابات ليس فقط طبيعة التنافس بين الأحزاب، بل طبيعة المسار الذي تسير فيه السياسة الإسرائيلية، حيث يغيب الحديث عن السلام، وتحل محله لغة القوة العسكرية وفرض الوقائع بالقوة، وكلما اقترب موعد الانتخابات، ازداد توظيف معاناة الفلسطينيين في الحملات الانتخابية، وكأن حقوقهم وحياتهم أصبحت مجرد مادة للمزايدات السياسية.
وإذا كانت الانتخابات في الدول الديمقراطية تُقاس عادة بقدرة الأحزاب على تحسين حياة مواطنيها، فإن الانتخابات الإسرائيلية تبدو، في جانب كبير من خطابها تجاه الفلسطينيين، ساحة للتنافس على تشديد السياسات العسكرية والأمنية، وهو ما ينعكس مباشرة على واقع الفلسطينيين ومستقبل المنطقة، ويجعل أي أفق يتحدث عن سلاما عادل أكثر بعدًا من أي وقت مضى.
وفي النهاية، لن تكون الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مجرد منافسة على تشكيل حكومة جديدة، بل استفتاءً على المسار الذي اختارته المؤسسة السياسية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وعندما تتحول القوة العسكرية إلى معيار للنجاح الانتخابي، ويصبح القتل والدمار والتوسع الاستيطاني أدوات لحصد الأصوات، فإن الخاسر لا يكون الفلسطيني وحده، بل كل فرصة لتحقيق سلام قائم على العدالة والحقوق، فالدول التي تجعل الحرب وسيلة دائمة لإدارة السياسة قد تحقق مكاسب انتخابية مؤقتة، لكنها تزرع في المقابل صراعًا أطول، وكلفة إنسانية وسياسية لا تقف عند حدود فلسطين، بل تمتد لتطال استقرار المنطقة بأسرها، فاي شعب يريد ان يكون شريكا في المنطقة وان يفرض نفسه بالقوة وبسفك الدماء فكيف سيكون مقبولا بين شعوب المنطقة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


