في سكون الليل

18.07.2026 05:51 PM

كتبت: ناريمان عواد


في ليلة صيفية ساحرة، جلست العائلة في حديقة المنزل. كان الجو رائعًا؛ أصوات الكائنات من حولنا تنبض بالحياة، والسكون يملأ المكان، بينما كانت الأسرة تنتظر انطلاق إحدى المباريات المهمة في مونديال كأس العالم.

التفتت ابنتي إليّ قائلة: "أمي، اقترب موعد المباراة، ولا يوجد لدينا أي  أو مكسرات أو فواكه. أرجوكِ اذهبي لإحضارها قبل أن تبدأ المباراة."

ابتسمت لها بحب وقلت: "حاضر يا ابنتي."

غرقت في التفكير: هل أقود السيارة إلى البقالة  القريبة ، أم أستغل الفرصة لممارسة رياضة المشي التي أعشقها؟ وبعد لحظات من التفكير، قررت أن أمشي إلى البقالة ، رغم أن الوقت كان متأخرًا، فقد كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا، لكن الحي كان لا يزال ينبض بالحياة.

حملت حقيبتي، وارتديت حذائي الرياضي، وانطلقت في رحلتي القصيرة. كانت نسمات الهواء العليلة تحمل عبق القرنفل والياسمين، بينما كانت أغنية لأم كلثوم تنبعث من أحد البيوت المجاورة، فتزيد الليل سحرًا وجمالًا. رفعت بصري إلى السماء، فإذا بالقمر يسكب نوره الفضي على الطرقات، فتبدو الأشجار والورود التي تصطف على جانبي الشارع وكأنها لوحات مرسومة بعناية.

وبينما كنت أسير مطمئنة، فوجئت بكائن ضخم يقف أمامي، تلمع عيناه في الظلام. في البداية لم أتبين ماهيته، فاقتربت بحذر، وإذا بي أمام خنزير بري ضخم يقف في الجهة المقابلة من الشارع.

تسمرت في مكاني. راودني السؤال: هل أواصل طريقي أم أعود إلى المنزل؟ وبينما كنت غارقة في هذا التردد، سمعت مجموعة من الفتية من أعلى التلة يصرخون: "خالتي... انتبهي! هناك خنزير في الحي!"

توقفت للحظة، ثم حسمت أمري. قلت في نفسي: لن أسمح للخوف بأن يهزمني. رفعت صوتي في وجهه وزجرته بقوة، فتراجع خطوات إلى الخلف. كررت ذلك مرة ثانية، فابتعد أكثر، ثم صرخت فيه للمرة الثالثة، فانطلق راكضًا نحو أسفل الوادي واختفى.

عندما واصلت طريقي، أدركت أن ما حدث لم يكن مجرد مواجهة مع خنزير بري، بل كان صورة مكثفة لواقع يعيشه الفلسطيني كل يوم. ففي وطن يفترض أن يكون مصدرًا للأمن والطمأنينة، تتحول أبسط تفاصيل الحياة، كالمشي في الحي أو الخروج لشراء حاجيات الأسرة، إلى رحلة قد تنتهي بالخوف أو الخطر.

إن إطلاق الخنازير البرية في محيط القرى والبلدات الفلسطينية ليس حدثًا عابرًا، بل هو أحد أشكال الاعتداء الممنهج الذي يستهدف الإنسان والأرض معًا. فهي تروع الأطفال والنساء وكبار السن، وتتلف المحاصيل الزراعية، وتلحق أضرارًا بالممتلكات، وتزرع الخوف في نفوس المواطنين، في محاولة لحرمانهم من الشعور بالأمان ودفعهم إلى هجر أرضهم.

في تلك الليلة لم يكن الخنزير وحده هو ما استوقفني، بل الفكرة التي تقف خلف وجوده. أدركت أن الفلسطيني لا يواجه فقط جنود الاحتلال وحواجزه ومستوطنيه، بل يواجه منظومة كاملة من وسائل الترهيب التي تحاول أن تنتزع منه إحساسه بالأمان، حتى في تفاصيل حياته اليومية.

إن ما تتعرض له القرى والبلدات الفلسطينية من اعتداءات المستوطنين، بما في ذلك إطلاق الخنازير البرية لترويع السكان وإلحاق الضرر بممتلكاتهم ومحاصيلهم، يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ويعكس سياسة ممنهجة تستهدف المدنيين الفلسطينيين وتسعى إلى تهجيرهم قسرًا من أرضهم.

وأمام هذه الجرائم المتواصلة، فإن المجتمع الدولي لم يعد يملك ترف الصمت أو الاكتفاء ببيانات الإدانة. لقد آن الأوان لأن يتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وأن يتخذ خطوات عملية لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، .

إن حماية المدنيين الفلسطينيين ليست خيارًا سياسيًا، بل هي التزام قانوني وأخلاقي تفرضه اتفاقيات جنيف والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. فكل يوم يتأخر فيه المجتمع الدولي عن القيام بواجباته يعني مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من الخوف، ومزيدًا من الاعتداء على الإرض والانسان

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير