حكاية الميرمية

كتب: ناريمان عواد
في ساعات الفجر الأولى، تخرج الحاجة أم إبراهيم من منزلها في قرية سنجل، شمال رام الله، حاملةً معها ما استطاعت أن تجمعه من نبات الميرمية، ذلك النبات الذي لا يكاد يخلو منه بيت فلسطيني، لما يحمله من قيمة غذائية وطبية، ولما ارتبط به من ذاكرة الأرض ورائحتها.
لا تبدأ رحلتها من باب منزلها فحسب، بل من حصارٍ يطوق قريتها. فالأسلاك الشائكة التي أقامتها سلطات الاحتلال حول سنجل، والطرق المغلقة والإجراءات العسكرية التي فُرضت بذريعة حماية المستوطنين المارين بمحاذاة القرية، جعلت الوصول إلى مدينة رام الله رحلةً شاقة تستنزف الوقت والجهد والكرامة. تضطر الحاجة إلى الالتفاف حول مدينة روابي، والتنقل عبر وسائل النقل العام تحت حرارة الصيف اللاهبة، في رحلة كان يفترض ألا تستغرق سوى دقائق، لكنها تحولت إلى معاناة يومية.
قبل شروق الشمس، تصعد أم إبراهيم إلى جبال قريتها، بمرافقة جاراتها لقطف الميرمية من أرضها. تجمع أغصانها بعناية، وكأنها تجمع ما تبقى من خيوط الحياة، ثم تحملها متجهة إلى السوق. لكن حتى هذا الرزق البسيط لا ينجو من بطش المستوطنين، الذين يعترضون طريقها ويصادرون ما بين يديها من محصول الأرض. ومع ذلك، لا تستسلم. تعود في اليوم التالي لتكرر المحاولة، مؤمنة بأن التشبث بالأرض شكل من أشكال المقاومة.
الحاجة أم إبراهيم امرأة طاعنة في السن، لا تملك سوى إرادتها. أما ابنها الوحيد، فقد دفعه الفقر وانعدام فرص العمل إلى محاولة الوصول إلى داخل إسرائيل بحثًا عن لقمة العيش لأطفاله السبعة، لكنه انتهى خلف القضبان، وبقيت الأم تحمل وحدها عبء الأسرة، باحثة عن رزق يسد الجوع ويحفظ ما تبقى من كرامة العائلة.
تجوب أم إبراهيم شوارع رام الله ودكاكينها، تعرض بضاعتها بابتسامة لا تخفي وجعها. تمتلك فصاحة اللسان، وحضورًا يفرض الاحترام، وإصرارًا على أن تبيع الميرمية التي تحمل معها رائحة جبال سنجل، ورواية شعب يتمسك بالحياة رغم كل ما يواجهه.
غير أن قصة أم إبراهيم ليست قصة فردية، بل هي حكاية سنجل، وحكاية عشرات القرى الفلسطينية التي تعيش يوميًا تحت وطأة اعتداءات المستوطنين. فالمركبات تُهاجم، والمنازل تُرشق بالحجارة، والمزارعون يُمنعون من الوصول إلى أراضيهم، والمحاصيل الزراعية تُصادر، وآبار المياه تُستهدف، والمواشي
تُسرق أو تُمنع من الرعي، في محاولة مستمرة لخنق الوجود الفلسطيني ودفعه إلى الرحيل.
لكن الميرمية التي تحملها أم إبراهيم ليست مجرد نبتة عطرية، بل رمز للأرض التي تنبت الحياة رغم القيد، ورمز لامرأة فلسطينية أدركت أن الصمود لا يكون بالشعارات وحدها، بل بخطواتها اليومية، وهي تعبر الحواجز والأسلاك، وتحمل بين يديها ما تبقى من خير الأرض.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


