حين يبكي الكبرياء.. شوارع الخليل في مصيدة "الخاوات"

كتب عيسى العملة: الخليل لا تشيخ، لكنها تتألم بصمت كبرياءٍ حزين، هذه المدينة الراسخة كجبالها، الصابرة كأشجار زيتونها، تعيش اليوم تفاصيل غصةٍ لا تأتي من وراء الحدود، بل تنبت كالعشب الضار بين الشقوق، إنه وجع الفوضى التي تتسلل إلى شوارعها، مستغلةً تلك العتمة المفروضة قسراً على مناطق لا تصلها عين رحال الامن بشكل كامل بفعل تصنيفات الاحتلال، لتتحول تلك الثغرات إلى مسرحٍ لـعابثين يظنون أن القوة مال يشترى وسلاح يشْهر، وأن أرزاق الناس وممتلكاتهم ساحة مباحة للاعتداء والابتزاز.
في الموروث الذي تربت عليه الأجيال، كانت "العباءة العشائرية" شراع أمان، وكان "رجل الإصلاح" قاضياً بلا منصة، لا ينام وفي عنقه مظلمة، يزن الحق بميزان السماء قبل الأرض، أما اليوم، فقد انفسح المجال ودخل السُّدَّة من لا يدرك كنه هذا العرف ولا فقهه، وتزاحمت الطوابير وارتفعت الأصوات، ومن المفارقات التي تدمي القلوب، أن ترى وجوهاً تحاول اليوم تصدر المشهد وصناعة تاريخ جديد، متدثرةً بثياب الوطنية والصلاح، بينما يهمس ماضيها الحقيقي بأسرار أخرى، ليكون هذا الحضور المشبوه بمثابة أداة غير مباشرة تصب في مصلحة من يريد تفتيت هذا المجتمع وإنهاك صموده من الداخل.
إن الخلل الحقيقي لا يكمن فقط في ارتكاب الخطأ، بل في تلك الثقافة الدخيلة التي جعلت البعض يرى في المنظومة العشائرية ملجأً لتبرير التجاوزات، حيث يراد لفنجان قهوة" يشرب على عجالة أن يطوي صفحات حرق البيوت، وترهيب الآمنين، وضياع الحقوق.
إن العرف النبيل بريء من حلول تُصاغ على حساب الطرف الأضعف استرضاءً للأقوى؛ فالأصل في العشائرية أن يظهر الحق أولاً بكل جلاء ووضوح، ليصبح صاحب الحق بعد ذلك "مدللاً"، يملك وحده رفعة العفو أو التمسك بالقانون، لا أن يساق إلى مساومة قسرية تُشترى فيها الذمم تحت مسمى "كفيان الشر".
نداء إلى سدنة القانون وأصحاب القرار
أمام هذا المشهد المتداخل، حيث تاهت الحروف بين الحق والباطل، تصبح المسؤولية التاريخية ملقاة على عاتق جهات الاختصاص، إنها دعوة صادقة يمليها الحرص على السلم الأهلي: أن يُعاد النظر في كل صكوك و"بطاقات" التمثيل العشائري المعطاة؛ فالألقاب لا تمنح بالمحسوبية أو المعارف، بل تنتزع بنظافة اليد، وبالمكانة التي يصنعها التقوى والتاريخ الحقيقي.
لقد حان الوقت لغربلة هذه الصفوف بيد من حديد وفكر حصيف، وسحب الشرعية من كل دخيل اتخذ من عباءة الإصلاح تجارةً أو وسيلة لابتزاز الناس وجني الأموال، أو جعل من نفسه بديلاً عن سلطة القانون بأساليب الترهيب، إن تنقية هذا الملف هي ضرورة وطنية لحماية المجتمع من أدوات الهدم، ولإعادة الهيبة لرجال العشائر الحقيقيين، أصحاب الأيادي البيضاء الذين يتقون الله في عباده.
إن صلاح المجتمع يبدأ من داخل البيت، من التربية التي لا تترك الأبناء لمهب الشارع، فمن لم يرب ابنه على قيم الحرمات، ربته الأزمات وجلب لوالديه الندم.
إن الخليل وجميع محافظاتنا تستحق أن تظل واحة للأمن والأمان، وحين يستيقظ الضمير الجماعي، وتتكامل حكمة العشيرة الحقيقية مع صرامة القانون، ستتساقط كل الأقنعة الدخيلة، وستنجلي هذه الغمامة ليبقى وجه الوطن ناصعاً، عصياً على الانكسار والفتن.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


