استقلال الحق الأكاديمي عن الالتزام المالي: نحو مقاربة قضائية جديدة في فلسطين

كتب الباحث القانوني: علاء أبو هلال: جاء في حكم محكمة استئناف القدس بصفتها المدنية رقم (728/2026)، الصادر بتاريخ 24/6/2026، ما مؤداه:
"إن قيام الجهة المدعى عليها بالامتناع عن تسليم الشهادة الجامعية للمدعي بسبب عدم تسديد الرسوم يعتبر تصرفاً مدنياً، وكان عليها اللجوء إلى القضاء النظامي للمطالبة بالرسوم، إذ إن الشهادة الجامعية ليست محلاً للدين، وهي غير قابلة للرهن أو الحبس، وعليه فإن الاختصاص ينعقد للمحاكم النظامية وليس للمحاكم الإدارية."
لذلك...
تقرر المحكمه وعملاً بأحكام الماده 223 من قانون اصول المحاكمات المدنيه والتجاريه قبول الاستئناف موضوعا والغاء الحكم المستأنف وإلزام الجهه المدعى عليها بتسليم المدعى الشهاده الجامعية والذي يحمل الرقم الجامعي 21220044 على ان يتم تصديقها من..... والكليه المنتسب اليها المدعي وفق انظمه استصدار الشهادات الجامعية من قبل وزاره التعليم العالي ووزاره التربيه والتعليم وتضمين الجهه المدعى عليها الرسوم المصاريف.
مقدمة: تحولات الفكر القانوني
شاع في الأوساط الجامعية الدولية، وفي القضايا التي كانت تُصنف قديماً كـ "نوادر قانونية"، أن يُرفع النزاع من الطالب إلى ساحات المحاكم؛ فبينما كانت التساؤلات سابقاً تدور حول مسؤولية الجامعة عن مخرجات التعليم وتأهيل الخريجين، انتقل الجدل اليوم إلى حيز أكثر ملامسة للواقع المعاش، وهو: "هل تملك المؤسسة التعليمية سلطة اتخاذ الشهادة الجامعية أداةً للضغط المالي؟".
إن الرد القضائي الفلسطيني الحاسم مؤخراً -المتمثل في عدم مشروعية احتجاز الشهادات- لا يمثل مجرد قرار إجرائي، بل هو إعلان عن نهاية حقبة كانت فيها الجامعات تُمارس دور "الدائن والمنفذ" في آن واحد، ليؤكد أن الحقوق لا تُستوفى إلا عبر المسالك التي رسمها المشرع، لا عبر تدابير إدارية مبتدعة.
أولاً: الطبيعة القانونية للشهادة الجامعية بين "الوثيقة" و"الرهن"
تخطئ المؤسسات التعليمية حين تكيف الشهادة الجامعية على أنها "محل للرهن" أو "ضمانة عينية" لدين الرسوم الدراسية. من الناحية القانونية، تُعد الشهادة الجامعية إقراراً توثيقياً بواقعة علمية مكتملة الأركان، وهي الحق الذي يكتسبه الطالب بمجرد استيفائه للمتطلبات الأكاديمية والمساقات المطلوبة.
وبالتالي، فإن قيام الجامعة بوضع يدها على هذه الوثيقة هو تصرف خارج عن نطاق اختصاصها الإداري؛ فالشهادة ليست ملكاً للجامعة كي تحبسها، بل هي ملكية خاصة للطالب تُقر فيها الجامعة بأن هذا الفرد قد بلغ درجة علمية محددة. إن تحويل هذه الوثيقة إلى "رهينة" مالية هو خلط بين طبيعتين قانونيتين مختلفتين: (المركز الأكاديمي) الذي يرتب حقوقاً شخصية، و(المركز المالي) الذي يخضع لقواعد الالتزام المدني العام.
ثانياً: بطلان "الوسيلة" رغم مشروعية "الغاية"
يقر الجميع، ومنهم القضاء، بمشروعية حق الجامعة في تحصيل رسومها؛ فالمؤسسات التعليمية ليست مؤسسات خيرية، والرسوم هي الوقود الذي يضمن استمرار جودة التعليم. إلا أن هذا الحكم القضائي يرسخ قاعدة ذهبية في فن القانون: "أن الغاية المشروعة لا تبرر الوسيلة غير المشروعة".
إن استخدام الشهادة كوسيلة ضغط أو ابتزاز لتحصيل الدين يمثل خروجاً عن سيادة القانون. فالمشرع الفلسطيني حدد بوضوح وسائل التنفيذ الجبري على الديون (كالحجز على الراتب، أو الأموال المنقولة، أو العقارات). فإذا كان المشرع قد رسم طريقاً واضحاً لتحصيل الحقوق، فلا يجوز للمؤسسات التعليمية استحداث "طرق تنفيذية خاصة" تعطل الحقوق الدستورية للأفراد أو تقيد حرياتهم في العمل والتعلم.
ثالثاً: الجدوى الاقتصادية وعقم حبس المدين
تجاوز الفكر القضائي الحديث فكرة "إكراه المدين" بأساليب تعيق حياته العملية، إلى البحث عن أساليب أكثر فاعلية. إن حبس الشهادة الجامعية ليس مجرد إجراء تعسفي، بل هو إجراء "خاسر اقتصادياً" للطرفين:
1. بالنسبة للطالب: يُحرم من الأداة القانونية الوحيدة (الشهادة) التي تسمح له بدخول سوق العمل أو الحصول على منح دراسية، مما يعني عملياً تجميد قدرته على الكسب، وبالتالي تعطيل قدرته على سداد دينه للجامعة.
2. بالنسبة للجامعة: بدلاً من تحويل الطالب إلى عنصر منتج في المجتمع يمتلك القدرة على الوفاء بالتزاماته، قامت الجامعة من خلال هذا الإجراء بوضعه في "عنق زجاجة"، مما يطيل أمد النزاع ويحول الدين إلى ديون معدومة التحصيل.
إن تمكين الطالب من الحصول على شهادته يرفع من احتمالية نجاحه في الحصول على فرصة عمل، وهذا التمكين هو السبيل الأكثر منطقية لضمان تدفق السيولة المالية للمؤسسة التعليمية. فالطالب الخريج بيده شهادته هو مدين "ملاءته المالية أفضل"، بينما الخريج المحروم من شهادته هو مدين "معطل عن الإنتاج".
رابعاً: الأبعاد الدستورية للقرار
لا يمكن فصل هذا الحكم عن فلسفة القانون الأساسي الفلسطيني الذي كفل الحق في التعليم والحق في العمل. إن ممارسات احتجاز الشهادات تشكل تعدياً غير مباشر على هذه الحقوق الأساسية. فعندما تغلق الجامعة الطريق أمام خريجها لممارسة حقه في العمل عبر حجب وثيقته الرسمية، فإنها تتدخل في المجال العام وتفرض قيوداً لم يقرها القانون، وهو ما يعد "تجاوزاً في السلطة" وانحرافاً عن الوظيفة التربوية التي أُنشئت من أجلها.
خاتمة: نحو ثقافة قانونية مؤسسية
إن هذا القرار القضائي يعد علامة فارقة في تعزيز ثقافة سيادة القانون، حيث لا يُسمح لأي طرف بأن يكون "خصماً وحكماً ومنفذاً" في وقت واحد. الجامعات مدعوة اليوم إلى إعادة صياغة لوائحها الداخلية بما يتوافق مع هذا المبدأ، والاعتماد على القضاء النظامي وسيلةً وحيدة لاستيفاء الحقوق المالية.
إن الشهادة الجامعية هي ثمرة سنوات من الجهد والاجتهاد، وليست ورقة تجارية قابلة للتداول أو الحجز. وبذلك، فإن الحكم يعيد للشهادة هيبتها الأكاديمية وللقضاء دوره في ضبط التوازن بين حقوق المؤسسات وكرامة الخريجين، مؤسساً لعلاقة قائمة على الالتزام بالقانون لا على الترهيب بالوثائق.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


