من خيمة تعليمية في غزة إلى فحص سمع إلزامي لحديثي الولادة… "فكر فلسطين" تصنع الأمل وسط الحرب والحصار
رام الله – وطن للأنباء: في واقع فلسطيني مثقل بالحروب والحصار والأزمات المتراكمة، يبرز التعليم لا كحق فقط، بل كأداة صمود ومقاومة طويلة الأمد. ومن هذا المنطلق، اختارت جمعية "فكر فلسطين – Think Palestine" أن تراهن على الإنسان، وتحديداً الطفل، باعتباره الاستثمار الحقيقي في مستقبل الوطن.
وفي برنامج "شد حيلك يا وطن"، استضافت شبكة وطن الإعلامية رئيس مجلس إدارة الجمعية الأستاذ طارق العاروري، للحديث عن نشأة المبادرة، مسارات عملها، والتحديات التي تواجهها في ظل الظروف القاسية، خاصة في قطاع غزة.
من فكرة بسيطة إلى أثر وطني واسع
يقول العاروري إن "فكر فلسطين" انطلقت عام 2010 من مجموعة النخب تجمعهم رؤية واحدة: خدمة الوطن دون مقابل وبأفضل طريقة ممكنة، عبر استثمار علاقاتهم وخبراتهم وثقة المجتمع بهم.
وأوضح أن الجمعية لا تعمل كجهة توزيع تبرعات، بل تعتمد على مشاريع مستدامة تُسلم لاحقاً للجهات الرسمية المختصة، مؤكداً:
"آمنا أن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الوطن، ولذلك اخترنا أن نشتغل بفكر فلسطين ومن أجل فلسطين."
مساران أساسيان: التعليم والصحة
تركز الجمعية حالياً على مسارين رئيسيين، تم تطويرهما خلال السنوات الثلاث الأخيرة في ظل العدوان والحصار الإسرائيلي:
1. مدرسة فكر فلسطين في قطاع غزة.
2. مشروع فحص السمع الإلزامي لحديثي الولادة على مستوى الوطن.
مدرسة في الخيام… 350 طالباً يتحدّون الحرب
بدأت فكرة المدرسة من إدراك فجوة كبيرة في العمل الإغاثي، حيث قال العاروري:
"الناس تساعد بالطعام والشراب والخيام، لكن هناك فئة لم يرها أحد… الأطفال."
انطلقت المدرسة بخيمة صغيرة تضم 50 طالباً فقط، يحصلون على تعليم أساسي ووجبة يومية ونشاطات ترفيهية أسبوعية. ومع نجاح التجربة وتوسع الشراكات، ارتفع العدد اليوم إلى 350 طالباً حتى الصف الرابع الأساسي، وأصبحت المدرسة مسجلة رسمياً لدى وزارة التربية والتعليم كما أوضح العاروري.
وأكد العروري أن المدرسة كانت في البداية داخل مبنى، إلا أن استهداف الاحتلال للمدارس في غزة أجبرهم على العودة للخيام، دون أن يتوقف التعليم.
شراكات وطنية لدعم الطفل..
ووفقا للعاروري، تلقى المدرسة دعماً من مؤسسات وطنية وبنوك، أبرزها: بنك الأردن، بنك القدس، البنك الوطني، بنك فلسطين، إلى جانب أفراد وشركات من القطاع الخاص، اجتمعوا حول هدف واحد: حماية حق الطفل الفلسطيني في التعليم.
تحديات التعليم تحت النار
وأشار الى أن المدرسة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها:
* ارتفاع الأسعار بسبب الاعتماد الكامل على السوق المحلي.
* صعوبة إيجاد معلمين متطوعين أو توفير حوافز رمزية لهم.
* مسؤولية حماية الأطفال في بيئة غير مستقرة.
* الحاجة المستمرة للدعم النفسي والترفيهي.
ومع ذلك، يؤكد العروري أن ابتسامة الطفل واستقرار الأهل يعوّضان كل هذا العناء، قائلا:
"عندما ترى الطفل يمشط شعره قبل الذهاب للمدرسة، وتراه يعود سعيداً، تنسى كل التعب."
من الخيمة إلى مدرسة تركيبية حديثة
تدرس الجمعية حالياً المرحلة الجديدة من المشروع، وهي بناء مدرسة بنظام تركيب سريع (Lego School)، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، بحيث يتم إنشاء مبانٍ تعليمية مرنة وسريعة الاستجابة لحالات الطوارئ.
الدعم النفسي جزء أساسي من المنهاج
لا يقتصر التعليم في المدرسة على المواد الأكاديمية فقط، بل يشمل حصصاً أسبوعية للترفيه والدعم النفسي، والعمل على تنمية روح التطوع لدى الأطفال، ليكونوا فاعلين في مجتمعهم رغم الظروف القاسية.
فحص السمع لحديثي الولادة… مشروع ينقذ المستقبل
المسار الثاني الذي تعمل عليه الجمعية وفقا للعاروري هو إقرار فحص السمع الإلزامي لحديثي الولادة على مستوى الوطن، بالشراكة مع وزارة الصحة.
وتابع: جاءت الفكرة من طبيبة أطفال ضمن أعضاء الجمعية، لاحظت أن كثيراً من حالات ضعف السمع تُكتشف بعد عام أو عامين من الولادة، ما يؤدي إلى تأخر النطق، وتأثيرات سلبية على النمو العقلي والتعليمي، وارتفاع الكلفة على الأهل والدولة لاحقاً.
18 جهاز فحص… خطوة أولى نحو الإلزام
وأكد أن الجمعية قامت بتمويل شراء 18 جهاز فحص سمع (14 في الضفة الغربية و4 في غزة)، بكلفة إجمالية تقارب 200 ألف دولار، بدعم من:
* صندوق الاستثمار الفلسطيني
* أبناء رام الله
* بنك القدس
* بنك الأردن
* بنك فلسطين
* شركاء آخرين من القطاع الخاص
ومن المتوقع وصول الأجهزة خلال شهر، يليها تدريب الطواقم الطبية تمهيداً لبدء التنفيذ على أرض الواقع.
الهدف: تحويل الفحص إلى إجراء إلزامي
أوضح العاروري أن وزارة الصحة تملك بالفعل عدداً من الأجهزة، لكنها تُستخدم بشكل غير إلزامي وفي مراكز التطعيم فقط، بينما تسعى الجمعية إلى تحويل الفحص إلى إجراء إجباري أساسي عند الولادة، أسوة بالتطعيمات والفحوصات الروتينية الأخرى.
كل شيكل يصل للميدان..
أكد العاروري أن الجمعية لا تقتطع أي نسبة من التبرعات أو التمويل، حيث تذهب جميع المبالغ مباشرة إلى المشاريع، مشيراً إلى أنهم لا يملكون مقرات لتجنب أي تكاليف تشغيلية.
اجتماعات مفتوحة… والمجتمع شريك في القرار
تعقد الجمعية اجتماعات أسبوعية مفتوحة في أماكن عامة برام الله، وترحب بانضمام أي فلسطيني يرغب في المشاركة أو تقديم أفكار جديدة، ضمن نهج تشاركي يهدف إلى تطوير مشاريع مستدامة تخدم المجتمع.
رسالة للمؤسسات الوطنية: الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأذكى
وجّه العاروري رسالة شكر للمؤسسات الداعمة، مؤكداً أن ما يميز الشراكات الحالية هو التنافس في السوق مقابل التعاون في خدمة الوطن، قائلاً:
"شركات وبنوك تتنافس اقتصادياً، لكنها تجلس معاً تحت مظلة واحدة لخدمة الطفل الفلسطيني."
رسالة للأطفال والأهالي: نحن معكم وسنستمر
وختم العاروري برسالة مباشرة للأطفال وأهاليهم:
"نحن معكم، موجودون وسنستمر في العمل من أجلكم. ما نقوم به قد يكون بسيطاً أمام حجم الحاجة، لكنه نواة تكبر، ونأمل أن تتكرر هذه التجارب في كل حي ومدينة."


