غزة بعد الإبادة: سيناريوهات إسرائيلية واختبارات السيادة الفلسطينية
وطن للأنباء: في ظل تصاعد التساؤلات حول مستقبل قطاع غزة وسيناريوهات المرحلة المقبلة، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أشرف عكّة أن فتح معبر رفح بعد أكثر من عام ونصف من الإغلاق الكامل يشكّل محطة سياسية وإقليمية مفصلية، تحمل في طياتها أبعاداً إنسانية وسيادية وأمنية متشابكة، وتعكس تحولات أوسع في المشهدين الإقليمي والدولي.
جاء ذلك خلال مشاركته في برنامج "شدّ حيلك يا وطن" عبر شبكة وطن الإعلامية، حيث ناقش طبيعة الترتيبات الجارية لمستقبل غزة، وحدود الدور الإسرائيلي والأمريكي، ومخاطر تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي الفلسطيني.
فتح معبر رفح: إنجاز إنساني واختبار سياسي
قال عكّة إن إعادة فتح معبر رفح تمثل إنجازاً إقليمياً ودولياً يغيّر – ولو جزئياً – ما سعت إليه حكومة الاحتلال، رغم القيود والاشتراطات الإسرائيلية المرافقة لهذه الخطوة. وأوضح أن المعبر يشكّل بوابة اختبار لمرحلة جديدة، ليس فقط على الصعيد الإنساني، بل أيضاً على مستوى إدارة غزة ومستقبلها السياسي.
وأشار إلى أن هوية الجهة التي تدير المعبر ستكون عاملاً حاسماً في تحديد من يحكم غزة فعلياً، مؤكداً أن إسرائيل ما زالت تحاول فرض هيمنتها الأمنية من خلال آليات رقابة غير مباشرة، مثل التدقيق في أسماء المسافرين والتحكم في بوابات خارج المعبر.
السيناريوهات الإسرائيلية: بين الحرب وإدارة الأزمة
تناول عكّة ما نشرته صحيفة "معاريف" العبرية حول ثلاثة سيناريوهات أمام إسرائيل في غزة: العودة إلى الحرب الشاملة، أو القبول بخطة إعادة إعمار أمريكية مع التعايش مع واقع قائم، أو تكريس حالة وسيطة عبر مفاوضات طويلة تؤدي إلى استنزاف مستمر، على غرار نموذج جنوب لبنان.
وأكد أن السيناريو الثالث هو المفضل إسرائيلياً، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الظروف الإقليمية والدولية الحالية تجعل من تكرار نموذج جنوب لبنان أمراً غير مرجح، خاصة في ظل الحديث عن تشكيل قوة استقرار دولية قد تفرض واقعاً ميدانياً جديداً.
قوة الاستقرار الدولية وترتيبات المرحلة الانتقالية
أوضح عكّة أن الحديث عن قوة استقرار دولية بات عاملاً حاسماً في إعادة رسم المشهد في غزة، مشيراً إلى أن هناك ضغطاً مصرياً باتجاه إشراك الأمم المتحدة ومنح هذه القوة صلاحيات واضحة، بما يمنع إسرائيل من فرض نموذج استنزاف دائم في القطاع.
وأضاف أن المرحلة الانتقالية لن تكون طويلة، مرجحاً ألا تتجاوز ستة أشهر، في ظل استعجال أمريكي لترتيبات غزة.
لجنة إدارة غزة: حل انتقالي أم تكريس للانفصال؟
وحول لجنة إدارة غزة أو "لجنة التكنوقراط"، اعتبر عكّة أن هذه اللجنة جاءت نتيجة تعثر التوافق الفلسطيني الداخلي، وهي تحمل طابعاً انتقالياً يهدف إلى إدارة الشأن المدني والأمني تمهيداً لعودة الشرعية الفلسطينية.
وتابع: الأطراف الفلسطينية وافقت على هذه اللجنة، مبررة ذلك بتغليب البعد الإنساني على الخلافات السياسية، لكنه حذر في الوقت ذاته من مخاطر أن تتحول هذه اللجنة إلى أداة لتكريس الانفصال بين غزة والضفة الغربية إذا لم تُربط بمسار وطني جامع واضح.
وأشار إلى أن استمرار غياب الانتخابات وتجديد النظام السياسي يضعف القدرة على مواجهة التحديات المصيرية التي تمر بها القضية الفلسطينية، خاصة في ظل ما وصفه بـ"الهشاشة الوطنية" التي كشفتها الحرب.
غزة بين الإنقاذ الإنساني والمشروع الوطني
وشدد عكّة على أن غزة تموضعت إقليمياً اليوم كقضية إنسانية عاجلة، تتفاوض بشأنها أطراف إقليمية كتركيا وقطر ومصر، في حين غاب التمثيل الفلسطيني الموحد عن هذا المسار، محذراً من أن هذا الواقع قد يعمق الفصل بين البعدين الإنساني والوطني للقضية.
العلاقات الأمريكية الإسرائيلية: تحالف ثابت أم تناقضات متصاعدة؟
وحول طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، رأى عكّة أنها علاقة استراتيجية عميقة، لكنها تمر بتباينات تكتيكية مرتبطة بإدارة ملف غزة. وأشار إلى أن الولايات المتحدة تمنح إسرائيل هامش مناورة، لكنها في الوقت ذاته تدفع باتجاه ترتيبات إقليمية أوسع تتطلب ضبط السلوك الإسرائيلي.
وأضاف أن المصالح الأمريكية في غزة تتجاوز البعد الأمني إلى أبعاد اقتصادية واستراتيجية، معتبرًا أن القطاع يُطرح كنموذج لإدارة متعددة الأطراف بعيداً عن الصراع المباشر.
سلاح حماس ومستقبل الفصائل
وفيما يتعلق بملف سلاح حماس، قال عكّة إن هذا الملف شبه محسوم باتجاه تجميد أو دمج أو إعادة هيكلة، ضمن ترتيبات أمنية أوسع تهدف إلى توحيد المؤسسات الأمنية الفلسطينية وتهيئة الأوضاع أمام أي إدارة مدنية قادمة.
وأكد أن حماس ستبقى فاعلاً سياسياً محلياً في المرحلة المقبلة، وأن دورها سيكون محورياً في تهيئة الاستقرار الداخلي، لكنه شدد على ضرورة أن يتم ذلك ضمن إطار وطني جامع لا يكرس الانقسام.
دعوة إلى مؤتمر وطني وإعادة بناء المشروع الوطني
وختم عكّة حديثه بالدعوة إلى عقد مؤتمر وطني شامل يضم النخب والمفكرين والكوادر الفلسطينية من مختلف الساحات، بهدف اشتقاق معادلة وطنية جديدة تستجيب للتحولات الجارية، وتعيد بناء المشروع الوطني على أسس ديمقراطية، تبدأ بإجراء انتخابات عامة وتجديد النظام السياسي.
وأكد أن الأولوية في المرحلة الراهنة هي معادلة "كيف نبقى؟ كيف نصمد؟ كيف نحمي وجودنا؟"، مشدداً على أن حماية غزة وإنقاذها يجب أن تكون جزءاً من حماية فلسطين كلها، لا مدخلاً لتكريس الانقسام أو التفريط بالحقوق الوطنية.


