الكاتب مروان طوباسي عبر شد حيلك يا وطن: مشروع التهجير في غزة لم يتوقف… بل أُعيد تصميمه بأدوات أكثر نعومة وخطورة
- طوباسي يحذر من "وصاية مجلس السلام" الأمريكي ويؤكد: غزة تُدار نحو إفراغها سكانيًا عبر الحصار والإفقار لا عبر الدبابات
- النموذج الجاري تطبيقه في غزة قد يُنقل إلى الضفة الغربية
وطن للأنباء: حذّر الكاتب والسفير السابق مروان إميل طوباسي من أن الحديث عن "وقف التهجير" في قطاع غزة مضلل وخطير، مؤكدًا أن ما يجري هو "تهجير مؤجل" يُدار بأدوات اقتصادية وخدمية وسياسية، بدلًا من الدبابات والطائرات، وذلك ضمن مشروع أمريكي–إسرائيلي أشمل لإعادة هندسة القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية تحرر وطني إلى قضية "إدارة سكان تحت الاحتلال".
جاء ذلك خلال استضافته في برنامج “شد حيلك يا وطن” عبر شبكة وطن الإعلامية، حيث قدّم قراءة سياسية معمقة لخطة ترامب، وما يسمى بـ"مجلس السلام"، ولجنة التكنوقراطية لإدارة غزة، محذرًا من أن هذه المسارات تمثل أخطر مرحلة في تاريخ القضية الفلسطينية منذ النكبة.
من التهجير القسري إلى “التهجير الناعم”: الأدوات تغيّرت والهدف واحد
قال طوباسي إن المشروع الصهيوني لم يتخلّ يومًا عن فكرة التهجير، لكنه انتقل اليوم من التهجير القسري المباشر إلى ما وصفه بـ”التهجير الناعم”، الذي يُدار عبر خنق الحياة اليومية، وحرمان الناس من الخدمات الأساسية، وغياب الأفق الاقتصادي والتعليمي.
وأضاف:
“حين تُدمر البيوت، وتُشل البنية التحتية، وتُمنع فرص العمل، ويُغلق الأفق أمام الأجيال القادمة، فإن الناس تُجبر على الرحيل دون أن تُطرد مباشرة. هذا تهجير بصيغة جديدة، لكنه لا يقل خطورة عن النكبة.”
وأشار إلى أن تقارير الأمم المتحدة تتحدث عن أن إزالة الركام في غزة قد تستغرق سبع سنوات، متسائلًا: “كيف سيعيش الناس خلال هذه السنوات؟ بلا مساكن؟ بلا تعليم؟ بلا دخل؟ هذه ليست إعادة إعمار، بل إدارة أزمة تهدف إلى تفريغ القطاع من سكانه تدريجيًا.”
معبر رفح تحت السيطرة الإسرائيلية: عودة مشروطة وخروج مُيسّر
وحذّر طوباسي من أن فتح معبر رفح، كما يجري الترويج له، لا يعني استعادة السيادة الفلسطينية عليه، بل إعادة تشغيله ضمن منظومة رقابة إسرائيلية صارمة، تشمل البصمات البيومترية والموافقات الأمنية المسبقة.
وأوضح أن آلاف الفلسطينيين المسجلين للعودة من مصر لن يتمكنوا من العودة دون موافقة إسرائيلية، في حين ستُسهّل إجراءات الخروج، ما يخلق واقعًا ديمغرافيًا جديدًا يخدم هدف الإفراغ السكاني.
“مجلس السلام”: بديل للأمم المتحدة وهيمنة أمريكية مطلقة
واعتبر طوباسي أن ما يسمى بـ”مجلس السلام” لا يشكل مبادرة دبلوماسية عادية، بل محاولة لإنشاء جسم سياسي بديل للأمم المتحدة، تُتركز فيه كل السلطات بيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق ما تسرب من لائحته التنفيذية.
وقال:
“هذا المجلس لا يعالج قضية غزة فقط، بل يندرج ضمن مشروع الهيمنة الأمريكية الجديدة على النظام الدولي، وإعادة تشكيل مراكز القرار العالمي بما يخدم مصالح واشنطن والشركات العابرة للقارات.”
وأضاف أن تغييب الفلسطينيين عن هذا المجلس، وحصر دورهم في لجنة إدارية بلا صلاحيات، يمثل إلغاءً للتمثيل السياسي الشرعي للشعب الفلسطيني، واختزال القضية في بعدها الإنساني فقط.
غزة تحت الوصاية: إدارة بلا سيادة ومستقبل بلا قرار
وأكد طوباسي أن لجنة التكنوقراطية التي شُكّلت لإدارة قطاع غزة لا تملك أي صلاحيات سياسية أو تنفيذية حقيقية، بل تعمل كحلقة وسيطة بين مجلس السلام والإدارة التنفيذية الدولية برئاسة نيكولاي ملادينوف.
وقال:
“نحن أمام وصاية دولية جديدة، لكنها ليست وصاية تهدف إلى بناء دولة فلسطينية، بل وصاية تهدف إلى إدارة الأزمة السكانية بما يخدم المشروع الإسرائيلي–الأمريكي.”
وأضاف أن هذه الوصاية قد تمتد لاحقًا إلى الضفة الغربية، إذا لم يُواجه المشروع سياسيًا بإرادة وطنية موحدة.
من غزة إلى الضفة: نموذج قابل للاستنساخ
وحذّر طوباسي من أن النموذج الجاري تطبيقه في غزة قد يُنقل إلى الضفة الغربية، عبر تحويل السلطة الفلسطينية إلى جهاز لإدارة السكان بدلًا من قيادة مشروع تحرر وطني.
وأشار إلى أن ما يجري في قلنديا، وكفر عقب، والرام، وجنين، ونابلس، وبيت لحم، يندرج ضمن سياسة “الهندسة الديمغرافية” المغلفة بشعارات إنسانية وأمنية.
وأضاف:
“الاحتلال يسعى لتحويل القضية الفلسطينية من قضية حقوق وطنية غير قابلة للتصرف إلى قضية مساعدات إنسانية وخدمات بلدية.”
سوء تقدير سياسي فلسطيني وترحيب مكلف
وانتقد طوباسي الترحيب الفلسطيني بخطة ترامب ومجلس السلام ولجنة التكنوقراط، واعتبر ذلك سوء تقدير سياسي خطير، نابع من الرغبة في إنقاذ غزة إنسانيًا، لكنه يؤدي عمليًا إلى تمرير مشروع تصفية سياسية.
وقال:
“نحن نحول الهزائم إلى انتصارات، وهذا يعيق بناء وعي وطني حقيقي. لدينا اعتراف دولي واسع بدولة فلسطين، ولدينا شرعية قانونية، لكننا نُفرط بها مقابل وعود سرابية.”
إعادة الإعمار المشروطة: سلاح سياسي جديد
وأشار طوباسي إلى أن إسرائيل تفرض شروطًا متصاعدة على إعادة الإعمار، تبدأ بتسليم السلاح، ولا تنتهي عند خطوط انسحاب جديدة، معتبرًا أن هذه الشروط تهدف إلى تأخير الإعمار أو تفريغه من مضمونه بالكامل.
وأضاف:
“لا يوجد حديث حقيقي عن إنهاء الاحتلال أو انسحاب كامل من غزة. ما يجري هو تدوير الاحتلال بأدوات جديدة.”
معسكر الأصدقاء: فرصة ضائعة يجب استعادتها
وأكد طوباسي أن الملايين الذين خرجوا في شوارع العالم دعمًا لفلسطين خلال العدوان على غزة يمثلون قوة سياسية هائلة لم يتم استثمارها بالشكل المطلوب.
وأشار إلى وجود تحولات مهمة داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، وتصاعد تيارات يهودية معادية للصهيونية، وأحزاب تقدمية في أوروبا والعالم، داعيًا إلى إعادة بناء تحالفات دولية حقيقية خارج الإطار الأمريكي.
البديل الفلسطيني: تمثيل شرعي وإصلاح ديمقراطي ومقاومة سياسية
وختم طوباسي بالتأكيد على أن مواجهة هذا المشروع تتطلب:
• إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، عبر إصلاحات ديمقراطية حقيقية وانتخابات مجلس وطني.
• التمسك بحق تقرير المصير والحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف.
• تبني استراتيجية مقاومة سياسية شاملة، لا تقتصر على السلاح، بل تشمل الوعي والثقافة والدبلوماسية والتحالفات الدولية.
• تمكين الشعب الفلسطيني من الصمود والبقاء في أرضه، في مواجهة الاستيطان والضم والتهجير.
وقال في ختام حديثه:
“لا سلام دون عدالة، ولا عدالة دون إنهاء الاحتلال، وكل ما يُطرح خارج هذا الإطار هو إدارة للأزمة لا حل لها.”


