"استهداف الأونروا ومشروع "مجلس السلام" جزء من مخطط لتفكيك المنظومة الدولية"
الكاتب والمحلل السياسي نزار نزال لوطن: الاتحاد الأوروبي تحول الى ظاهرة صوتية بينما تُستهدف الأونروا وتُقوّض الشرعية الدولية
الهجوم على الأونروا: قرار سياسي لا أمني
قال الكاتب والمحلل السياسي نزار نزال إن اقتحام مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس المحتلة وهدم بعض مكاتبها في حي الشيخ جراح ليس إجراءً أمنياً، بل قرار سياسي منظم يهدف إلى إنهاء دور الوكالة وإزاحتها من المشهد.
وأوضح نزال، خلال مشاركته في برنامج شد حيلك يا وطن عبر شبكة وطن الإعلامية، أن فكرة استهداف الأونروا ليست جديدة، بل تعود إلى تصريحات ومواقف رسمية إسرائيلية وأمريكية منذ عام 2017، حين أعلن كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في مؤتمر صحفي مشترك ضرورة إزاحة الوكالة بالكامل.
الأونروا: مؤسسة سياسية قبل أن تكون إنسانية
وأكد نزال أن الأونروا ليست مجرد مؤسسة إغاثية، بل كيان سياسي وقانوني نشأ بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949 رداً على تهجير الفلسطينيين، وارتبط وجودها مباشرة بحق العودة وفق القرار 194.
وأضاف:
“الأونروا تتنفس سياسة، وليست قضية كسرة خبز أو خيمة أو كوب ماء، بل هي العمود الفقري للقضية الفلسطينية، ومرتبطة عضوياً بحق العودة، ولذلك تسعى إسرائيل إلى شطبها سياسياً لا إنسانياً.”
استهداف الوكالة جزء من مشروع محو آثار النكبة
ورأى نزال أن الهجوم على الأونروا يندرج ضمن سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى محو آثار نكبة عام 1948، سواء عبر استهداف الوكالة أو تفكيك المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية.
وأشار إلى ما يجري في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، معتبراً أن إسرائيل تتجه إلى احتلال المخيمات وإخلائها من سكانها، في إطار مشروع تصفية قضية اللاجئين وإلغاء رمزيتها السياسية والقانونية.
الاتهامات ضد موظفي الأونروا: ذريعة سياسية
وحول الاتهامات الإسرائيلية لبعض موظفي الأونروا بالمشاركة في أحداث السابع من أكتوبر عام 2023، شدد نزال على أن التحقيقات لم تثبت صحة هذه الادعاءات، معتبراً أنها جاءت كذريعة سياسية لتبرير الهجوم على الوكالة وتقويض دورها.
أوروبا: أصوات بلا أفعال
وفي تقييمه لموقف الاتحاد الأوروبي، الذي وصف الهجوم على الأونروا بأنه “خطير”، قال نزال إن أوروبا باتت “ظاهرة صوتية” تكتفي بالبيانات دون ترجمتها إلى ضغط حقيقي على الاحتلال.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يمتلك القدرة السياسية لتنفيذ ما يعلنه، رغم موجة الاعترافات الأوروبية بالحق الفلسطيني، مشيراً إلى أن هذه الاعترافات لم تُرفق بإجراءات عملية، ما شجع إسرائيل على تصعيد هجماتها ضد الفلسطينيين والأونروا.
وأضاف أن الدعم الأوروبي للوكالة بات يقتصر على الجانب المالي، وهو دعم يتقلص باستمرار، كما يظهر في قرارات تقليص رواتب موظفي الأونروا وتقليل ساعات العمل بسبب العجز المالي.
أزمات أوروبا الداخلية تضعف حضورها الدولي
وأشار نزال إلى أن أوروبا تواجه ضغوطاً داخلية كبيرة، من الحرب الروسية – الأوكرانية، إلى قضايا الطاقة والمستقبل الاقتصادي، ما يدفعها للتركيز على مصالحها الداخلية بدلاً من الانخراط الفاعل في القضايا الخارجية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
مجلس السلام: مشروع لإلغاء الأمم المتحدة
وحول الحديث المتصاعد عن استبدال الأطر الأممية بما يسمى “مجلس السلام”، أكد نزال أن المشروع لا يستهدف غزة وحدها، بل يشكل محاولة شاملة لإلغاء المنظومة الدولية القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
وأوضح أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ تسلمه الحكم، لم تكن مجرد شعارات، بل عكست توجهاً حقيقياً لإعادة هندسة النظام الدولي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأضاف:
“هذا المجلس ليس من أجل غزة فقط، بل هو مشروع عالمي لتغيير المنظومة الدولية، تماماً كما انتهت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية.”
منظومة دولية لم تعد تلبي طموحات واشنطن وتل أبيب
وبيّن نزال أن الولايات المتحدة ترى أن المؤسسات الدولية الحالية، من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة والمحاكم الدولية، لم تعد تخدم مصالحها، بل أصبحت تصدر قرارات تؤثر سلباً عليها وعلى إسرائيل، وكذلك على دول أخرى مثل روسيا.
وأشار إلى أن ترحيب روسيا بالمجلس يعكس استفادتها المحتملة من إسقاط المنظومة الدولية الحالية، التي صدرت عنها قرارات ضدها أيضاً، سواء في الملف الأوكراني أو غيره.
تحالفات جديدة وأذرع متعددة للمجلس
وكشف نزال أن “مجلس السلام” يتكون من أذرع متعددة، تتصدره شخصيات أمريكية نافذة، إضافة إلى ذراع عربي – إسلامي يضم دولاً مثل تركيا وقطر، وذراع مدني يرتبط بلجان تكنوقراط، خصوصاً فيما يتعلق بقطاع غزة.
واعتبر أن هذه البنية تؤكد نية المجلس الحلول محل الأمم المتحدة، وإلغاء كل القرارات السابقة الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة والمحاكم الدولية، لا سيما تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
من السلام مقابل الأرض إلى السلام بالقوة
وأكد نزال أن العالم يشهد تحولاً جذرياً في مفهوم السلام، من “السلام مقابل الأرض” إلى “السلام مقابل السلام”، وصولاً اليوم إلى “السلام بالقوة”، حيث تفرض الدول الكبرى حلولها بالقوة العسكرية والسياسية.
وقال إن هذا التحول يضعف الدول المتوسطة والصغيرة، ويقضي على الشعوب الضعيفة والمقهورة، ويفتح الباب أمام نهب الموارد وتفكيك الدول تحت غطاء مشاريع سياسية جديدة.
نحو مرحلة حروب متعددة وتغيرات كبرى
واختتم نزال حديثه بالتحذير من أن العالم مقبل على مرحلة مليئة بالحروب والتغيرات الجذرية، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل على مستوى الكرة الأرضية بأكملها.
وقال: "نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ النظام الدولي، وما يجري ليس تفصيلاً عابراً، بل تغيير شامل سيطال كل القضايا الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية".


