القدس تحت الحصار الاستيطاني الكامل… تنفيد "E1" يبدأ وأدوات الضغط الدولية غائبة
وطن للأنباء: حذّر الخبير في قضايا الجدار والاستيطان جمال جمعة من خطورة التصعيد الاستيطاني الإسرائيلي المتسارع في مدينة القدس ومحيطها، وعلى رأسه مشروع المنطقة المعروفة إسرائيلياً باسم “E1”، مؤكداً أن ما يجري يشكّل تهديداً استراتيجياً غير مسبوق لمستقبل الوجود الفلسطيني، ويهدف إلى عزل القدس الشرقية بشكل كامل عن محيطها الفلسطيني، وتقطيع أوصال الضفة الغربية إلى كنتونات منفصلة.
مشروع قديم – خطر متجدد
وأوضح جمعة، في حديثه لبرنامج شد حيلك يا وطن عبر شبكة وطن الإعلامية، أن مشروع “E1” ليس جديداً، إذ تعود جذوره إلى عام 1999، إلا أن خطورته حالت دون تنفيذه في السابق بفعل ضغوط دولية، قبل أن يُعاد إحياؤه اليوم بزخم غير مسبوق، مع إقرار العطاءات والبدء الفعلي بالبناء مؤخرا، حيث طرحت حكومة الاحتلال عطاءات لإقامة 3400 وحدة استيطانية جديدة في المنطقة.
وبيّن أن المنطقة المستهدفة تشهد منذ سنوات تجهيزات بنيوية تمهيدية، من شق طرق، وبناء مركز لشرطة الاحتلال، إلى جانب مخططات أوسع لإقامة مناطق سياحية، ما يؤكد أن المشروع يجري تنفيذه ضمن رؤية شاملة تهدف إلى فرض وقائع نهائية على الأرض.
عزل القدس وفصل شمال الضفة عن جنوبها
وأشار جمعة إلى أن تنفيذ مشروع “E1” سيؤدي عملياً إلى إغلاق المساحة الممتدة من مستوطنة معاليه أدوميم حتى ما بعد منطقة الخان الأحمر، وهو ما يعني فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها بشكل كامل، وإنهاء أي إمكانية للتواصل الجغرافي الفلسطيني.
وأضاف أن المشروع يشكّل حلقة مركزية في مخطط تهويد القدس، عبر إحاطتها بحزام استيطاني كثيف يعزلها عن محيطها الطبيعي، ويحوّل القدس الشرقية إلى مدينة محاصرة، فيما تُفتّت التجمعات الفلسطينية داخلها من خلال شبكة من الطرق الاستيطانية ونظام فصل عنصري متكامل.
الاسم والدلالة الجغرافية
وحول موقع وأهمية المنطقة، أوضح جمعة أن تسمية “E1” تعني “الشرق واحد”، في دلالة على السعي الإسرائيلي لدمج القدس الشرقية بالغربية عبر الاستيطان، وإلغاء أي فصل جغرافي أو سياسي بينهما.
وبيّن أن المخطط يبدأ من مشارف بلدة عناتا، ويمتد عبر المنطقة الجبلية المحاذية لطريق القدس–أريحا، حيث شُقّت طرق فصل عنصري، وأُغلقت طرق تاريخية كان الفلسطينيون يستخدمونها منذ آلاف السنين، من بينها الطريق التاريخي الذي يربط القدس بأريحا، والذي يعود تاريخه إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام.
الخان الأحمر… هل يعود الترحيل إلى الواجهة؟
وتوقّع جمعة أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً خطيراً في منطقة الخان الأحمر، نظراً لقربها المباشر من مشروع “E1”، محذّراً من احتمال تنفيذ عمليات ترحيل جماعي للتجمعات البدوية التي تتعرض حالياً لضغوط واعتداءات متواصلة من قبل المستوطنين وقوات الاحتلال.
وأكد أن استهداف الخان الأحمر يأتي ضمن سياسة منهجية لتفريغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين، وفتح المجال أمام التوسع الاستيطاني المتواصل.
تراجع الرفض الدولي… وانهيار القانون الدولي
وعن الموقف الدولي، اعتبر جمعة أن خفوت الرفض الدولي بعد طرح العطاءات الرسمية للمشروع يعكس انهيار منظومة القانون الدولي، مؤكداً أن التجربة الفلسطينية، إلى جانب ما يجري في مناطق أخرى من العالم، أثبتت أن القانون الدولي يفتقر إلى آليات التنفيذ الفعلية.
وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي، رغم امتلاكه أدوات ضغط اقتصادية وتجارية كبيرة على إسرائيل، يفتقر إلى الإرادة السياسية، ويبقى رهينة للموقف الأمريكي، الذي يحتكر أدوات التأثير الحقيقية.
سلفيت نموذج آخر لسياسة إعادة هندسة الجغرافيا
وفي تعليقه على استيلاء الاحتلال على نحو 700 دونم من أراضي محافظتي قلقيلية وسلفيت، أوضح جمعة أن سلفيت ليست حالة استثنائية، بل جزء من محور استيطاني استراتيجي يمتد من شمال الضفة الغربية حتى غور الأردن، ويهدف إلى فصل المحافظات عن بعضها البعض.
وأضاف أن الاحتلال يعمل حالياً على إنشاء محور استيطاني جديد بين جنين ونابلس وطولكرم، في مناطق كانت الأقل استيطاناً، في محاولة لاستكمال منظومة الفصل العنصري، وحصر الفلسطينيين في أقل من 38% من مساحة الضفة الغربية.
الموقف الفلسطيني…
وأكد جمعة أن التحدي الأكبر يكمن في غياب موقف فلسطيني حازم وموحد يرقى إلى مستوى الخطر.
ودعا إلى اتخاذ قرارات فلسطينية على مستوى التهديد، تبدأ بإعادة النظر في الالتزامات والاتفاقيات القائمة، وعلى رأسها اتفاقيات أوسلو، التي تجاوزتها إسرائيل عملياً منذ سنوات.
وختم جمعة بالتأكيد على أن اللجوء إلى الأدوات القانونية والدولية لا يمكن أن يحقق نتائج ملموسة دون حراك شعبي وجماهيري واسع، وقرار سياسي فلسطيني موحد يفرض نفسه على المجتمع الدولي.
وقال إن ما يجري اليوم لا يهدد القدس وحدها، بل يفتح الباب أمام مرحلة من الصراعات والدمار الواسع، في ظل انتقال العالم إلى ما وصفه بـ”شريعة الغاب”، إذا لم تُواجه السياسات الاستعمارية الإسرائيلية بجدية وحزم.


