مروة فرح تكتب لوطن: خريطة العالم؛ الجغرافيا في ميزان عدالة التنمية

10.09.2026 06:18 PM

هل نشأنا على خريطةٍ ترسم العالم كما هو، أم على عالمٍ رسمته لنا الخريطة؟ ومن الذي قرر أن يكون الشمال في الأعلى، وأن تبدو بعض أجزاء العالم أكبر مما هي عليه، فيما تتوارى أخرى عند أطراف الصورة؟

في 4 سبتمبر/ أيلول 2026م، أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا السؤال إلى الواجهة، باعتماد قرار يدعو إلى تعزيز التمثيل الخرائطي المنصف للعالم، وتشجيع استخدام إسقاط "الأرض المتساوية" (Equal Earth)، بأغلبية (164) دولة مقابل دولة واحدة دولة واحدة وهي الولايات المتحدة الأمريكية، مع امتناع (6) دول عن التصويت وهي: إستونيا، وجورجيا، وليتوانيا، ومولدوفا، وصربيا، وأوكرانيا، وهكذا تحوّلت قضية تبدو للوهلة الأولى شأنًا تقنيًا بحتًا إلى مبادرة قارية حظيت بتأييد أممي واسع، وأصبحت جزءًا من نقاش أرحب حول إرث الكارتوغرافيا الاستعمارية، وصورة أفريقيا في المخيال العالمي، ومن يملك حق تمثيل العالم كما هو، فقد بدأت المبادرة مؤسسيًا في فبراير/ شباط 2026م، خلال الدورة العادية التاسعة والثلاثين لجمعية رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، حين تبنّى الاتحاد قرارًا بشأن "تصحيح خريطة أفريقيا على الكرة الأرضية"، وكلّف دولة "توغو" بحمل المبادرة إلى الأمم المتحدة، وربط الاتحاد الخطوة بإرث عام 2025م المعنون بـ "العدالة للأفارقة وللمنحدرين من أصول أفريقية من خلال التعويضات"، وبمسار "أجندة أفريقيا 2063م"؛ بل ذهب القرار الأفريقي إلى تصحيح التمثيلات الخرائطية غير المتناسبة التي أسهمت في تقديم أفريقيا بصورةٍ تقلّل من مساحتها ومكانتها النسبية، في خطوة يمكن قراءتها بوصفها فعلًا من أفعال العدالة المعرفية والتعويض الرمزي، واستعادةً لتمثيل أفريقيا في المخيال العالمي على نحوٍ أكثر اتساقًا مع واقعها الجغرافي ومكانتها الحقيقية.

فلماذا تعترض الولايات المتحدة الأمريكية؟! هنا، تتجاوز القصة حدود الإسقاطات الخرائطية إلى صراع على المعنى نفسه، فقد صوّتت الولايات المتحدة وحدها ضد القرار، واعتبرت ممثلتها في الأمم المتحدة المبادرة جزءًا من "مشروع آيديولوجي أكبر وأكثر جذرية"، وربطت صراحةً بين هذا المسار وبين قضايا التعويضات والعدالة المعرفية، منتقدةً انشغال الجمعية العامة بما رأته امتدادًا لأجندة آيديولوجية لا أولوية دولية ملحّة، ومن هذه الزاوية، لا تبدو حساسية القرار نابعة من خط مرسوم على الورق بقدر ما تتصل بما قد يفتحه هذا الخط من نقاشات أوسع حول الذاكرة الاستعمارية، ومن يملك حق تعريف صور العالم ومعايير تمثيله، صحيح أن القرار أممي غير ملزم ولا يملك قوة "الفيتو"؛ لكن رمزيته قد تتجاوز التصويت نفسه، إذا انتقلت الدعوة إلى التمثيل الخرائطي الأكثر إنصافًا من الوثيقة الدولية إلى المناهج الدراسية والناشرين والمنصات الرقمية والواجهات التي يرى الناس العالم من خلالها كل يوم.

وعند النظر إلى هذا السِّجال خارج الأطروحات التقليدية، يتَّضح أن الخريطة لم تكن يومًا مُجرَّد خطوط صامتة؛ فهي، إلى جانب وظيفتها العلمية، تشارك في تشكيل الطريقة التي نرى بها العالم ونرتب بها أمكنته في وعينا، ويكفي أن نتذكر خريطة "الشريف الإدريسي" التي جعلت الجنوب في الأعلى، لندرك أن حتى "فوق" و"تحت" في الخريطة ليستا حقيقتين كونيتين؛ بل اختيارًا تشكَّل تاريخيًا وثقافيًا، والأمر ذاته ينطبق على غرينتش، الذي أصبح مرجعًا عالميًا للزمان والمكان في سياق دولي كانت فيه بريطانيا قوة بحرية وعلمية كبرى؛ بما يكشف أن المعايير التي تبدو محايدة قد تتشكل أيضًا داخل موازين القوة وانتشار المعرفة، ومن هنا، لا تبدو الخريطة بريئة تمامًا، ولا استعمارية بالضرورة؛ وإنما قد تحمل آثار السياق الذي نشأت فيه والطريقة التي استُخدمت بها، وحتى المواقف الدولية من إعادة رسم العالم لا تخلو من تداخل العلم بالسياسة والمصلحة بالنفوذ، وهو ما يجعل "معركة الخرائط" أبعد من مُجرَّد خلاف على خطوط وألوان، فالسؤال الحقيقي ليس أي خريطة "أصح" فحسب؛ إنما من يملك حق رسم الصورة التي يتعلّم العالم من خلالها أن يرى نفسه؟

ولعلَّ السؤال الأكثر إثارة هنا: ما علاقة خريطة العالم بالتنمية؟ قد تبدو الصلة، للوهلة الأولى، واهية؛ فالخريطة لا تبني مدرسة، ولا تشيّد مستشفى، ولا تخفض الفقر، ولن تزدهر دولة لمُجرَّد أن قارتها ظهرت على الشاشة بحجم أقرب إلى حقيقتها، إلا أن التنمية، في جوهرها، ليست نموًا اقتصاديًا أو تراكمًا في الموارد فحسب؛ إنها مشروع للعدالة، وتوسيع للفرص، وصون للكرامة، وتمكين للناس والمجتمعات من المشاركة في صناعة مستقبلهم، ومن ثم فإن سؤال العدالة يسبق توزيع الموارد إلى سؤال أعمق: كيف نرى العالم الذي نريد أن نجعل تنميته أكثر عدلًا؟ فالصورة ليست تفصيلًا بريئًا حين تتكرر؛ وما تستقر عليه العين قد يترسخ في الوعي، لا سيما أن البشر لا يمتلكون الدرجة نفسها من المعرفة العلمية والثقافية ولا الوقت أو القدرة للعودة في كل مرة إلى الأطالس والبيانات للتحقق مما يرونه؛ فالصورة تختصر، والانطباع البصري قد يسبق كثيرًا القراءة التفصيلية، لذا، فإن حق الدولة في أن تظهر على خريطة العالم بصورة أقرب إلى حقيقتها ليس مطالبة بامتياز بصري أو مساحة إضافية؛ بل حق في التمثيل والاعتراف، وألّا تُختزل صورتها قبل أن يُنظر في إمكاناتها وحاجاتها ومكانتها.

من هنا، يتجاوز السؤال حدود الخريطة إلى بنية التنمية نفسها؛ فالنظام الدولي الذي تشكَّلت داخله قواعد التنمية لم يكن وليد بيئة متكافئة في القوة أو القدرة على صياغة المعايير، وهو ما دفع الدول النامية، بعد الاستقلال، إلى المطالبة بإعادة بناء قواعد أكثر إنصافًا، من النظام الاقتصادي الدولي الجديد إلى إقرار الحق في التنمية، الذي ينظر إلى التنمية بوصفها عملية شاملة تقوم على المشاركة الفعلية، وتكافؤ الفرص، والسيادة على الموارد، والحق في الإفادة من ثمار التنمية، لذا، لا تتعلَّق العدالة التنموية بمن يملك الموارد فحسب؛ إنما بمن يملك أيضًا القدرة على تعريف واقعه، وتمثيل احتياجاته، والتأثير في القواعد التي يُقاس بها تقدمه وتأخره؛ وهو ما تعترف به "أجندة 2030" صراحةً حين تدعو إلى تعزيز تمثيل البلدان النامية وصوتها في مؤسسات صنع القرار الاقتصادي والمالي الدولي، ومن هذه الزاوية، لا تصبح إعادة النظر في صورة أفريقيا على الخريطة طريقًا إلى التنمية بذاتها؛ بل تصبح مطالبةً بأن يكون للمكان حق في أن يُرى كما هو، وأن يُعرِّف نفسه كما هو، وأن يدخل سردية التنمية بوصفه شريكًا في صياغتها لا مُجرَّد متلقٍ لنتائجها.
وهنا تتسع الفكرة إلى مفهوم التنمية الشاملة والمستدامة؛ فجوهر "عدم ترك أحد خلف الركب" لا يقتصر على إيصال ثمار التنمية إلى الأكثر فقرًا؛ إنما يفترض أيضًا عدالةً في التمثيل والمشاركة والقدرة على التأثير في القواعد التي تُدار بها التنمية نفسها، وهو ما يجعل "تصحيح الخريطة" رمزًا لفكرة أوسع: أن العدالة تبدأ قبل توزيع الموارد، من حق كل مكان وشعب في أن يُرى ويُعرَّف بقدر أكبر من الإنصاف، وأن يكون حاضرًا في صناعة الصورة التي يُبنى عليها الحكم على احتياجاته وإمكاناته ومستقبله، وربما ليس غريبًا أن تنهض أفريقيا بهذه الفكرة؛ فالقارة التي جعلت دعم حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير والاستقلال جزءًا من مواقفها الجماعية، تتحرك هنا بالمنطق نفسه في الدفاع عن حق الشعوب في ألا تُختزل أو تُهمَّش، سياسيًا أو معرفيًا أو تنمويًا، إلا أن المفارقة تتجاوز الخريطة إلى بنية النظام الدولي ذاته: فكيف يُطلب من الدول النامية أن "تلحق بالركب" وتحقق أهدافًا تنموية طموحة داخل قواعد ومعايير تشكل كثير منها في ظلّ موازين قوة لم تكن تلك الدول طرفًا متكافئًا في صياغتها، بينما تظلّ أدوات التأثير في القرار الدولي مركزة في أيدي قلة؟! لذا، فإن عدالة التنمية لا تعني زيادة نصيب الدول النامية من ثمار النظام القائم فحسب؛ بل تعني أيضًا إعادة النظر فيمن يضع قواعده، ومن يملك القرار، ومن يملك حق تعريف الطريق إلى التنمية ومقاييسها.

ختامًا، لا ينبغي أن تبقى التنمية الشاملة والمستدامة أسيرةَ تعريفٍ ضيق يختزلها في معدلات النمو، وترتيب الدول، وتكدّس المؤشرات؛ فهذه أدواتٌ لا غنى عنها لقياس التقدم، لكنها لا تملك وحدها حق تعريفه، فالتنمية، في معناها الأرحب؛ هي عدالةٌ في الموارد والفرص، وعدالةٌ في التمثيل والاعتراف، وعدالةٌ في القدرة على المشاركة في صياغة المستقبل وتحديد معنى التقدم نفسه، وإذا كانت الخريطة قد كشفت لنا أن العالم يمكن أن يُرسم بطرائق مختلفة، وأن اختيار طريقة الرسم ليس منفصلًا دائمًا عن الغاية والسِّياق وموازين القوة، فإن التنمية جديرة بالدرس نفسه: لا ينبغي أن يكون مستقبل البشرية مقاسًا بمسطرة واحدة، ولا منظورًا من مركزٍ واحد؛ فكما أن لكل مكان حقه في أن يظهر على الخريطة بما يقترب من حقيقته، لكل مجتمع حقه في أن يظهر في مشروع التنمية لا بوصفه "فجوةً" تنتظر من يسدّها، أو رقمًا يحتاج إلى تحسين، وإنما بوصفه ذاتًا كاملة الأهلية، تملك حق تعريف حاجاتها، واختيار أولوياتها، وصياغة تصورها للرفاه والتقدم، والمشاركة في رسم المستقبل الذي تريده، ولعلَّ أعمق ما تكشفه "معركة الخريطة"- بما تحمله من مشروعية في الدفاع عن حق التمثيل المنصف- أن العدالة لا تكتمل بمُجرَّد منح الجميع نصيبًا من الموارد والفرص؛ بل تقتضي أيضًا حقًا متكافئًا في التمثيل والظهور والاعتراف؛ فالعدالة لا تتعلَّق بكيفية اقتسام العالم وموارده فحسب؛ إنما تمتد إلى كيفية رؤيته وتمثيله أيضًا، بحيث لا يُختزل مكانٌ في صورةٍ تنتقص من حجمه أو مكانته، ولا مجتمعٌ في رقمٍ يختزل حاجاته، وإنما يمتلك أهله حق وصف واقعهم، وتعريف أولوياتهم، والمشاركة في صياغة الصورة التي يظهرون بها أمام العالم؛ ومن هنا، فإن العدالة التنموية لا تعني أن يحصل الجميع على الشيء نفسه، وإنما أن يمتلك الجميع حقًا متكافئًا في أن يكونوا جزءًا من تعريف ما ينبغي أن يكون عليه المستقبل.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير