يونس العموري يكتب لوطن: ما زلنا نتعاطى مع فلسطين بعقل 6 أكتوبر

05.08.2026 10:48 AM

 بدأت فكرة هذا المقال من نقاش سريع مع رفيقة وصديقة حول الظرف الفلسطيني الراهن. لم يكن النقاش طويلا، ولم نكن نحاول بناء نظرية سياسية جديدة، لكن جملة قالتها في سياق الحديث بقيت عالقة في ذهني. قالت لي بالحرف .. ( مشكلتنا اننا ما زلنا نتعاطى بالشأن الفلسطيني الداخلي بعقلية 6 أكتوبر ) ... بدت العبارة في لحظتها بسيطة، لكنها سرعان ما تحولت عندي الى سؤال يتجاوز النقاش نفسه: ..ماذا يعني ان نعيش كل ما بعد 7 أكتوبر، بكل ما حمله من تحولات وكوارث ودماء وانكشافات، ثم نصر على ادارة شؤوننا الداخلية بالذهنية التي كانت تحكمنا في اليوم السابق له ..؟؟

ربما هنا تكمن واحدة من ازماتنا الكبرى. نحن لم نتعامل مع 7 أكتوبر بوصفه فاصلا بين زمنين، بل تعاملنا معه في كثير من الاحيان بوصفه حدثا كبيرا داخل الزمن القديم. والحال ان ما جرى بعده لم يكن مجرد حرب اخرى تضاف الى سجل الحروب الفلسطينية، بل زلزالا سياسيا واستراتيجيا واجتماعيا واعلاميا واخلاقيا اعاد ترتيب كثير من الاسئلة التي اعتقدنا طويلا انها محسومة...  تغيرت صورة اسرائيل في العالم، وانكشفت طبيعة الاحتلال على نحو لم يعد من السهل اخفاؤه، وتبدلت قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وخرجت فلسطين من بعض القوالب التي حاصرتها لعقود، وتغير الاقليم، وتغيرت حسابات القوى الدولية، والاهم من ذلك كله ان الفلسطيني نفسه تغير.
لكن المشكلة ان السياسة الفلسطينية، او جزءا كبيرا منها، لم تتغير بالسرعة التي تغير بها الواقع. .. ما زال كثير من نقاشنا الداخلي يجري بعقلية ما قبل 7 أكتوبر. ما زلنا نتعامل مع السلطة وكأنها مجرد طرف في معادلة فلسطينية داخلية قابلة للترميم، ومع الفصائل وكأنها كيانات ثابتة لا تحتاج الى اعادة تعريف ادوارها، ومع منظمة التحرير وكأن الزمن لم يترك عليها كل هذه الطبقات من الجمود، ومع الانقسام وكأنه مجرد خلاف بين طرفين يمكن حله ببيان جديد او لقاء جديد. بل ان جزءا من خطابنا الشعبي والسياسي ما زال يتصرف وكأن المسألة الفلسطينية يمكن ان تعود الى  ( ما كانت عليه )  قبل الحرب. وهذا بالضبط هو الوهم الذي ينبغي كسره...  فالعودة الى ما قبل 7 أكتوبر ليست خيارا سياسيا، حتى لو اراد البعض ذلك. تلك المرحلة انتهت، سواء اعترفنا بذلك ام لم نعترف...
ولعل السلطة الفلسطينية هي الطرف الاكثر احتياجا الى مواجهة هذه الحقيقة. فالمشكلة لم تعد في خطأ هنا او قصور هناك، ولا في ضعف الاداء السياسي في لحظة معينة، بل في ان الذهنية التي تحكم عمل السلطة تبدو في كثير من الاحيان عاجزة عن استيعاب ان البيئة التي انتجتها لم تعد قائمة. ما زالت السلطة تتصرف، في جانب كبير من ادائها، بعقلية ادارة سلطة تحت الاحتلال، لا بعقلية قيادة وطن يواجه لحظة تاريخية استثنائية. ما زالت اسيرة منطق التنسيق والترتيبات والاجراءات والرهانات السياسية القديمة، بينما يجري على الارض تفكيك ما تبقى من وهم المرحلة الانتقالية التي قامت عليها...

المشكلة ليست ان السلطة اخطأت في قراءة حدث او اخفقت في موقف. المشكلة ان جزءا من بنيتها السياسية والذهنية ما زال يتعامل مع المتغيرات الكبرى باعتبارها ازمات طارئة يمكن تجاوزها، لا باعتبارها مؤشرات على انهيار مرحلة كاملة. تتحدث عن الاستقرار في وقت يجري فيه اعادة تشكيل الضفة سياسيا وجغرافيا وامنيا. تتحدث عن استعادة ما كان قائما قبل الحرب، بينما الاحتلال نفسه لا يريد استعادة ما كان قائما، بل يريد بناء واقع جديد. تراهن على اعادة تشغيل مسارات سياسية فقدت الكثير من قدرتها على التأثير، بينما يعاد رسم الارض بالقوة. وكأن المطلوب من الفلسطيني ان يعود الى مقعده القديم، بينما جرى سحب الطاولة كلها من امامه...  وهنا تصبح المسألة اكثر خطورة .. السلطة لا تواجه فقط تحدي الاحتلال، بل تواجه ايضا امتحان شرعيتها ووظيفتها وجدوى استمرارها بالشكل الذي اعتدناه. وليس المطلوب اسقاطها لمجرد الاسقاط، ولا تحويل نقدها الى شعار شعبوي، وانما اخضاعها لمراجعة وطنية جذرية .. ماذا تمثل؟ وما وظيفتها؟ وما حدود دورها؟ وما علاقتها بالمشروع الوطني؟ وكيف يمكن ان تتحول من ادارة للواقع الذي يفرضه الاحتلال الى اداة في مواجهة هذا الواقع؟ ان استمرار السلطة بالذهنية ذاتها بعد كل ما جرى ليس ثباتا، بل قد يتحول الى شكل من اشكال العجز السياسي...
اما المقاومة، فالمسألة مختلفة. لا ينبغي ان يكون السؤال عنها من زاوية من يرفع رايتها تنظيميا، حماس او غيرها، بل من زاوية اوسع تتعلق بالمقاومة باعتبارها منهجا في مقارعة الاحتلال ورفض الخضوع له. فالاحتلال لا يترك للفلسطيني ترف اختيار ما اذا كان يريد مقاومته ام لا، كما ان المقاومة ليست ملكا تنظيميا خاصا بفصيل. قد تختلف القوى الفلسطينية في وسائلها وبرامجها وتقديراتها، لكن حقيقة الاحتلال تظل هي العامل الذي يفرض على الشعب البحث عن اشكال مقاومته والدفاع عن وجوده وحقوقه... ومن هذا المنطلق، فان المطلوب من قوى المقاومة ليس ان تتراجع عن خيارها، ولا ان تتماهى مع بنية السلطة، ولا ان تتخلى عن استقلاليتها السياسية والتنظيمية، بل ان تجري تقييما عميقا ومسؤولا للمرحلة الجديدة. المراجعة هنا ليست ادانة، وليست تنازلا، وليست انكارا للتضحيات. انها جزء من مسؤولية اي قوة تاريخية تجد نفسها في قلب تحول كبير. كيف تتحول المقاومة الى قوة وطنية قادرة على انتاج افق سياسي؟ كيف تستوعب تعدد المجتمع الفلسطيني؟ كيف تفتح المجال لشراكة وطنية حقيقية؟ وكيف تتحول التضحيات والانجازات الميدانية الى قدرة على اعادة بناء المشروع الوطني بدل ان تبقى مجرد مادة للصمود والاحتفال السياسي؟ .. هذه الاسئلة لا تنتقص من المقاومة، بل تفترض انها اكبر من ان تختزل في رد فعل عسكري او سياسي مؤقت... 
لكن، اذا كانت السلطة مطالبة بمراجعة عقلها، والمقاومة مطالبة بتقييم تجربتها، فان الشعب الفلسطيني نفسه ليس خارج دائرة المراجعة. وربما هنا تكمن المساحة الاكثر حساسية والاقل راحة...  لقد فرض ما جرى بعد 7 أكتوبر على الفلسطيني ان يغادر المنطقة الرمادية. لم يعد من السهل ان يعيش الانسان تحت الاحتلال ويتعامل معه باعتباره مجرد ظرف سياسي يمكن التكيف معه الى ما لا نهاية. ما جرى في غزة، وما يجري في الضفة، يكشفان طبيعة منظومة الاحتلال بوجهها الاكثر قسوة. الاحتلال ليس مجرد وجود عسكري مؤقت، وليس مجرد نقاط تفتيش وحواجز واجراءات امنية. نحن امام منظومة استعمارية تسعى الى السيطرة على الارض والانسان والموارد والحركة والقرار، وتستخدم القوة والعنف والاقتلاع والاستيطان كادوات مستمرة...  ولهذا فان فكرة  ( رغد العيش في ظل الاحتلال )  تحتاج الى مراجعة جذرية. قد يستطيع الانسان ان يبحث عن مساحة حياة، وان يعمل، وان يبني بيتا، وان يعيش تفاصيل يومه، وهذا حق طبيعي لا ينبغي مصادرته، لكن لا ينبغي ان تتحول هذه القدرة المحدودة على ترتيب الحياة اليومية الى وهم سياسي اسمه امكانية التعايش المستقر مع الاحتلال. الاحتلال يمكن ان يسمح لك بهامش من الحياة حين تخدم شروطه، لكنه لا يمنحك السيادة على حياتك. ويمكن ان يترك لك مساحة من الهدوء، لكنه يستطيع في اللحظة التي يقرر فيها ان يعيد رسم المعادلة ان يهدم ما بنيته كله...
هذه الحقيقة ينبغي ان تكون حاضرة في الوعي الفلسطيني، وخصوصا في الضفة الغربية، حيث نشأت خلال سنوات طويلة طبقات من التكيف مع الاحتلال جعلت بعض الفلسطينيين يتعاملون مع وجوده كأنه خلفية ثابتة للحياة اليومية، لا كحالة استعمارية ينبغي التخلص منها. وما بعد 7 أكتوبر يفترض ان يكون قد اسقط هذا الوهم. فالاحتلال الذي تستطيع ان تراه في غزة بكل هذا الوضوح هو الاحتلال ذاته الذي يعيش الفلسطيني في الضفة تحت شروطه، حتى لو اختلفت الاشكال والادوات والدرجات...  وهنا يصبح الفرز ضرورة تاريخية. ليس الفرز بمعنى التخوين او المطاردة او تحويل المجتمع الى معسكرات، بل بمعنى ان يصبح الموقف من الاحتلال اكثر وضوحا. ما بعد 7 أكتوبر فرض على الجميع، شئنا ام ابينا، نوعا من الفرز الوطني والسياسي ..  هل نحن مع استمرار الوضع الذي ينتج الاحتلال، ام مع مقاومة هذا الوضع؟ هل نرى المقاومة باعتبارها منهجا وطنيا في مقارعة الاحتلال، ام نريد اختزالها في فصيل بعينه حتى يسهل علينا رفضها؟ هل نريد تحرير الارض، ام نريد فقط تحسين شروط الحياة تحت سلطة المحتل؟  وهذا لا يعني ان كل فلسطيني مطالب بأن ينتمي الى فصيل، ولا ان كل شخص مطالب بأن يتبنى الوسائل ذاتها. المقاومة مفهوم اوسع من التنظيم، والاختلاف حول الوسائل مشروع. لكن المنطقة الرمادية بين الاحتلال ومقاومته تصبح اكثر صعوبة في لحظة كهذه. لا يمكن ان نريد التخلص من الاحتلال، وفي الوقت نفسه نتصرف وكأن المطلوب فقط هو ادارة العلاقة معه وتحسين شروط العيش تحته.
والمفارقة ان جزءا من الخطاب السياسي الفلسطيني، وخصوصا في اوساط بعض قوى اليسار، ما زال عالقا في هذه المنطقة. يسار فلسطيني يفترض ان يكون الاكثر حساسية تجاه مفاهيم الاستعمار والهيمنة والتحرر الوطني، لكنه يبدو احيانا مترددا في التعامل مع المقاومة باعتبارها ظاهرة وطنية تتجاوز عناوينها التنظيمية. يتحول بعض الخطاب اليساري الى مراقب من مسافة آمنة، يضع المقاومة والاحتلال في جملة واحدة، او ينشغل بتفكيك المقاومة اكثر مما ينشغل بتفكيك بنية الاحتلال. وهذه ليست مسألة لغوية، بل ازمة سياسية وفكرية...  ليس المطلوب من اليسار ان يتخلى عن نقده او عن استقلاله او عن رؤيته الاجتماعية والسياسية. بل المطلوب منه ان يستعيد موقعه الطبيعي في قلب معركة التحرر الوطني. ان يميز بين نقد المقاومة وبين مساواتها بالاحتلال، وبين رفض الهيمنة الفصائلية وبين رفض فكرة المقاومة نفسها. وان يدرك ان الاستقلال عن حماس او فتح لا يعني الاستقلال عن المعركة الوطنية ضد الاحتلال...
لقد تغيرت المعادلة. وما جرى بعد 7 أكتوبر جعل من الصعب الاستمرار في ادارة السياسة الفلسطينية وفق اصطفافات ما قبل الحرب. السلطة لا تستطيع ان تبقى سلطة بالذهنية نفسها. الفصائل لا تستطيع ان تستمر كأن المجتمع لم يتغير. المقاومة لا تستطيع ان تدخل المرحلة الجديدة من دون تقييم استراتيجي عميق. واليسار لا يستطيع ان يظل عالقا في موقع المراقب الذي يخشى ان يقترب من المقاومة حتى لا يخسر مسافة التمايز التنظيمي. والشعب نفسه لا يستطيع ان يواصل العيش في وهم ان الاحتلال يمكن ان يتحول الى واقع طبيعي يمكن التعايش معه الى الابد...
نحن امام مرحلة فرز حقيقية، لكن الفرز الوطني لا يعني الانقسام الاهلي. بالعكس، ربما تكون مهمتنا ان نحول الفرز من اداة لتقسيم الفلسطينيين الى اداة لاعادة تعريف اولوياتهم. ان نختلف في البرامج، لكن نتفق على ان الاحتلال هو المشكلة المركزية. ان نختلف على شكل المقاومة ووسائلها، لكن لا نختلف على حق الشعب في مقاومة الاحتلال. ان نختلف على شكل السلطة، لكن لا نقبل ان تتحول السلطة الى بديل عن المشروع الوطني. ان نختلف على ادارة المرحلة، لكن لا نقبل ان تصبح ادارة الحياة اليومية بديلا عن التحرر.

لقد استهلكنا كثيرا من الكلمات..  مصالحة، وحدة، شراكة، شرعية، تمثيل. لكننا لم نذهب الى جوهر المسألة. المطلوب اليوم ليس مجرد مصالحة بين قيادات، بل اعادة تأسيس للحياة السياسية الفلسطينية. المطلوب ان يصبح المواطن جزءا من القرار، وان يعاد بناء منظمة التحرير على اساس الواقع الفلسطيني الجديد، وان تستوعب البنية السياسية الاجيال التي ولدت من قلب هذه التجربة، وان تتحول الوحدة الوطنية من اتفاق بين الفصائل الى عقد وطني جديد...
ربما كان السؤال الحقيقي الذي ينبغي ان نطرحه اليوم ليس ماذا سنفعل بعد 7 أكتوبر، بل من نريد ان نكون بعد 7 أكتوبر؟ اي شعب نريد ان نكون؟ واي نظام سياسي نريد؟ واي علاقة نريدها بين السلطة والمقاومة والفصائل والمجتمع؟ وهل نريد ان نخرج من هذه المرحلة بمزيد من الانقسام، ام بمشروع وطني جديد قادر على استيعاب التعدد وتحويله الى قوة؟

لا احد يملك الاجابة وحده. لكن المؤكد ان العودة الى عقل 6 أكتوبر لم تعد ممكنة، حتى لو حاولنا ذلك. لقد تغيرت فلسطين، وتغير الاحتلال، وتغير العالم، وتغير الفلسطيني نفسه. وما لم تتغير طريقة تفكيرنا، سنكون قد عبرنا الى زمن جديد بعقول تنتمي الى زمن انتهى... والمشكلة ليست اننا اختلفنا بعد 7 أكتوبر، فالاختلاف طبيعي، بل اننا ما زلنا نختلف بعقل 6 أكتوبر. المشكلة ليست ان لنا سلطة ومقاومة وفصائل واتجاهات سياسية مختلفة، بل اننا ما زلنا نتعامل مع هذه التعددية بالادوات ذاتها التي قادت الى الانقسام والجمود والعجز. المشكلة ليست ان الشعب يريد ان يعيش، فهذا حقه، بل ان يتحول حقه في الحياة الى وهم بامكانية الحياة المستقرة تحت احتلال لا يمكن ان يقبل للفلسطيني بحرية كاملة ولا بسيادة حقيقية...
ربما حان الوقت كي نعترف بان المرحلة التي بدأت بعد 7 أكتوبر لا تطلب منا بيانات جديدة، ولا اجتماعات جديدة، ولا شعارات جديدة، بل تطلب تغييرا في العقل نفسه. عقل يرى الاحتلال كما هو، ويرى المقاومة كمنهج وطني قبل ان يراها كعنوان تنظيمي، ويرى السلطة كاداة قابلة للمراجعة لا كقدر سياسي، ويرى الفصائل باعتبارها وسائل لخدمة القضية لا القضية نفسها، ويرى الشعب باعتباره صاحب المشروع لا مجرد جمهور ينتظر ما تقرره النخب...
لقد انتهى 6 أكتوبر، شئنا ام ابينا. وما لم نفهم ذلك، سنظل نحاول ادارة المستقبل بادوات الماضي، بينما يقوم الاحتلال بادارة المستقبل بادواته هو...  وهنا ربما تكمن اخطر المفارقات .. ان يكون الاحتلال قد فهم ان العالم الذي دخلناه بعد 7 أكتوبر ليس هو العالم الذي كان قبله، بينما لا يزال بعضنا يتصرف وكأن شيئا جوهريا لم يتغير...  لقد تغير كل شيء تقريبا ..  الا العقل الذي يفترض ان يقودنا الى الخروج من هذا الزمن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير