النووي السعودي.. بين ازدواجية المعايير وشرط التطبيع مع إسرائيل

كتب اسماعيل الريماوي: لم يعد الحديث عن البرنامج النووي السعودي يقتصر على إنتاج الطاقة أو تنويع مصادرها، بل بات يقف عند نقطة تقاطع معقدة تجمع بين الأمن القومي والاقتصاد والسياسة الدولية والتوازنات الإقليمية، فالمشروع النووي للمملكة لم يعد ملفاً تقنياً تحكمه حسابات الطاقة وحدها، بل تحول إلى ورقة استراتيجية تتداخل فيها مصالح واشنطن وطموحات الرياض ومخاوف إسرائيل وحسابات إيران، إلى جانب المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
ويبدو أن التحول الأميركي تجاه التعاون النووي مع السعودية جاء نتيجة إعادة تقييم استراتيجية أوسع، خلصت إلى أن ترك المجال مفتوحاً أمام بكين أو موسكو أو قوى دولية أخرى للدخول بقوة إلى البرنامج النووي السعودي، قد يعني خسارة أميركية لا تقتصر على عقود اقتصادية بمليارات الدولارات، بل تمتد إلى النفوذ السياسي والتكنولوجي والأمني لعقود مقبلة، فالبرنامج النووي لا يقوم على بناء مفاعلات فحسب، بل يخلق شبكة طويلة الأمد من العلاقات التقنية والاقتصادية والأمنية، تشمل التدريب ونقل التكنولوجيا وتوريد الوقود والصيانة والرقابة والتعاون العلمي، ومن يشارك في تأسيس هذه البنية يصبح شريكاً دائماً في أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في الدولة.
ومن هنا، لم تعد واشنطن تنظر إلى الملف السعودي من زاوية منع الانتشار النووي وحدها، بل باتت توازنه مع ضرورة الحفاظ على موقعها داخل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، فالسعودية التي تسعى إلى تنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على النفط، ترى في الطاقة النووية جزءاً من رؤيتها المستقبلية، بينما ترى الولايات المتحدة أن استبعادها من هذا المشروع قد يدفع الرياض إلى توسيع شراكاتها مع الصين وروسيا، بما يهدد النفوذ الأميركي التقليدي في الخليج.
لكن هذا التحول يفتح الباب أمام سؤال أكثر حساسية: هل تعيد واشنطن صياغة قواعد منع الانتشار النووي وفق مصالحها وتحالفاتها، أم أنها ما زالت تتمسك بالمعايير ذاتها التي تفرضها على خصومها؟
لكن لطالما رفعت الولايات المتحدة شعار منع انتشار الأسلحة النووية، وفرضت قيوداً صارمة على الدول التي تسعى إلى تطوير قدرات تخصيب اليورانيوم أو امتلاك دورة وقود نووي مستقلة، وقد تعرضت دول عدة لعقوبات وضغوط سياسية واقتصادية بحجة أن امتلاك هذه القدرات قد يفتح المجال مستقبلاً أمام الانتقال من الاستخدام المدني إلى القدرة العسكرية، لكن التعامل مع البرنامج النووي السعودي يثير تساؤلات حول مدى ثبات هذه المعايير، فإذا كانت واشنطن مستعدة لمنح الرياض تعاوناً نووياً واسعاً أو ترتيبات خاصة، فإن ذلك قد يعزز الانطباع بأن القواعد لا تُطبق على الجميع بالقدر نفسه، وأن طبيعة العلاقة السياسية مع الولايات المتحدة قد تصبح عاملاً أكثر تأثيراً من المبادئ التي تقوم عليها منظومة منع الانتشار.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح؛ فالتكنولوجيا النووية ذاتها التي تُقدَّم في حالة على أنها تهديد محتمل للأمن الدولي، قد تُقدَّم في حالة أخرى بوصفها مشروعاً سلمياً وشراكة استراتيجية، تبعاً لموقع الدولة داخل شبكة التحالفات الأميركية، وإذا كان امتلاك قدرات التخصيب يمثل خطراً عندما يتعلق بدولة خصم، فلماذا يصبح مقبولاً أو قابلاً للتفاوض عندما يتعلق بحليف استراتيجي؟ وهل تُقاس المخاطر النووية بطبيعة التكنولوجيا، أم بطبيعة العلاقة السياسية مع واشنطن؟
وقد تستغل إيران هذه المفارقة لتأكيد خطابها القائم على ازدواجية المعايير، خصوصاً أنها تعرضت لعقوبات وحرب وضغوط دولية واسعة بسبب برنامجها النووي، رغم تأكيدها أن أهدافه سلمية، وقد ترى طهران أن منح السعودية امتيازات نووية أوسع يمثل دليلاً جديداً على أن النظام الدولي لا تحكمه معايير موحدة، بل توازنات سياسية وتحالفات إقليمية، ومن المرجح أن تستخدم إيران الملف السعودي لتبرير استمرار تطوير قدراتها النووية أو للمطالبة بحقوق مماثلة في التخصيب، معتبرة أن ما يُسمح به لحليف أميركي لا يمكن منعه عن دولة أخرى موقعة على معاهدة عدم الانتشار النووي.
كما قد يدفع أي اتفاق نووي خاص بالسعودية دولاً أخرى في المنطقة إلى المطالبة بترتيبات مماثلة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام سباق جديد للحصول على قدرات نووية متقدمة، حتى لو بقيت جميعها تحت عنوان الاستخدامات السلمية، فالدول لا تنظر إلى الاتفاقات النووية باعتبارها مشاريع طاقة فقط، بل تقرأ فيها أيضاً موازين القوة والضمانات الأمنية والقدرة على امتلاك خيارات استراتيجية مستقبلية.
ولا يمكن فصل الملف النووي السعودي عن المسار السياسي الأوسع الذي سعت واشنطن إلى بنائه في المنطقة، والقائم على توسيع مشروع التطبيع بين السعودية وإسرائيل، فقد طُرح التعاون النووي في مراحل مختلفة ضمن حزمة أوسع تشمل ضمانات أمنية أميركية، وتعاوناً عسكرياً وتكنولوجياً، واتفاقاً سياسياً قد يفتح الطريق أمام تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب، وهنا يتحول البرنامج النووي من مشروع اقتصادي وسيادي إلى جزء من صفقة سياسية إقليمية، تُستخدم فيها التكنولوجيا النووية كأداة لإعادة ترتيب التحالفات وتعزيز النفوذ الأميركي وربط السعودية بشبكة أمنية إقليمية تضم إسرائيل.
لكن ربط التعاون النووي بالتطبيع يثير أسئلة سياسية وأخلاقية كبيرة، فهل يصبح حق دولة في تطوير الطاقة النووية السلمية مرتبطاً بإقامة علاقات مع إسرائيل؟ وهل يمكن تحويل مشروع استراتيجي يتعلق بالطاقة والتنمية والسيادة الوطنية إلى ورقة ضغط في ملف سياسي لا يزال مرتبطاً بالقضية الفلسطينية والاحتلال والاستيطان والحرب على غزة؟
إن وضع التطبيع ضمن شروط أو مكونات الصفقة قد يعزز الانطباع بأن واشنطن لا تتعامل مع الملف النووي باعتباره قضية تقنية أو اقتصادية، بل باعتباره وسيلة لدفع مشروع سياسي أوسع يهدف إلى دمج إسرائيل في المنطقة وتوسيع شبكة التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة، وبذلك يصبح البرنامج النووي جزءاً من هندسة سياسية وأمنية جديدة للشرق الأوسط، وليس مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء أو تلبية احتياجات التنمية.
وفي المقابل، تجد السعودية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي تسعى إلى الحصول على برنامج نووي مدني متقدم وضمانات أمنية أميركية وتكنولوجيا حديثة، لكنها تدرك أن أي خطوة نحو التطبيع ستبقى مرتبطة بمستقبل القضية الفلسطينية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان والعمليات العسكرية في الضفة الغربية، ورفض الحكومة الإسرائيلية تقديم التزامات سياسية واضحة بشأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولهذا فإن ربط النووي بالتطبيع قد لا يسرّع الاتفاق، بل قد يزيد تعقيده، لأن كلفة التطبيع السياسية والشعبية أصبحت أكبر في ظل المشهد الفلسطيني الراهن.
أما إسرائيل، التي تنظر بقلق إلى انتشار القدرات النووية المتقدمة في المنطقة، فتجد نفسها أمام تناقض واضح، فهي تريد تعزيز العلاقات مع السعودية ودمجها في منظومة إقليمية مشتركة لمواجهة إيران، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن يمنح البرنامج النووي السعودي المملكة قدرات استراتيجية قد تغير موازين القوة مستقبلاً، ولهذا قد تسعى تل أبيب إلى فرض قيود صارمة على أي برنامج سعودي، خصوصاً فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي، مع المطالبة برقابة دولية وضمانات تمنع تحويل القدرات المدنية إلى خيارات عسكرية.
لكن هذا الموقف يعيد طرح سؤال آخر: كيف يمكن لإسرائيل أن تطالب بمنع دول المنطقة من امتلاك قدرات نووية متقدمة، في وقت ترفض فيه الانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار النووي، وتبقي منشآتها وقدراتها النووية خارج الرقابة الدولية المباشرة؟ إن هذه المفارقة تمثل أحد أبرز أوجه الخلل في النظام النووي الإقليمي، فبينما تواجه دول المنطقة ضغوطاً ومطالبات بالشفافية والرقابة، تبقى إسرائيل خارج منظومة معاهدة عدم الانتشار، وسط استمرار سياسة الغموض بشأن قدراتها النووية.
وفي خلفية كل ذلك، تبرز المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، فبكين لا تنظر إلى السعودية باعتبارها سوقاً للطاقة فقط، بل بوصفها شريكاً رئيسياً في مشروعها الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط، كما تسعى روسيا إلى توسيع حضورها في قطاع الطاقة النووية، الذي يمثل أداة نفوذ طويلة المدى تتجاوز العلاقات التجارية التقليدية، ولهذا فإن دخول الولايات المتحدة بقوة إلى البرنامج النووي السعودي قد يكون محاولة لمنع خصومها من تحويل التعاون النووي إلى بوابة نفوذ استراتيجي داخل الخليج، فالمعركة ليست على بناء مفاعل واحد، بل على تحديد من سيصوغ البنية التكنولوجية والأمنية للمنطقة خلال العقود المقبلة.
إن النووي السعودي يطرح أسئلة تتجاوز حدود المملكة، لأنه يرتبط بمستقبل النظام الإقليمي كله، فهل سيبقى مشروعاً مدنياً يخدم التنمية وتنويع مصادر الطاقة؟ أم سيتحول إلى بداية مرحلة جديدة من التنافس النووي؟ وهل تستطيع واشنطن الجمع بين الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي والتمسك بقواعد منع الانتشار، أم أن المنافسة مع الصين وروسيا ستدفعها إلى إعادة تفسير تلك القواعد وفق مصالحها؟
فالبرنامج النووي السعودي ليس مجرد مشروع للطاقة، ولا مجرد صفقة اقتصادية بين الرياض وواشنطن، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي في التعامل مع قضايا الانتشار النووي، فإذا أصبحت القواعد النووية مرنة مع الحلفاء ومتشددة مع الخصوم، وإذا تحول التعاون النووي إلى مكافأة سياسية مرتبطة بالتطبيع مع إسرائيل، فإن الحديث عن معايير دولية موحدة سيفقد كثيراً من معناه.
وقد تجد المنطقة نفسها أمام مرحلة جديدة لا تُحدد فيها الحقوق النووية وفق مبادئ القانون الدولي أو احتياجات التنمية، بل وفق موقع كل دولة داخل خريطة التحالفات الأميركية، وفي هذه المعادلة، قد لا يكون السؤال الأهم: هل ستحصل السعودية على برنامج نووي مدني؟ بل: هل سيُستخدم هذا البرنامج لتطوير الطاقة وتحقيق التنمية، أم سيصبح جزءاً من صفقة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، تُمنح فيها التكنولوجيا مقابل الاصطفاف السياسي، ويُربط فيها الحق النووي بالتطبيع، بينما تبقى إسرائيل خارج قواعد الرقابة والمساءلة؟
عندها لن يكون النووي السعودي مجرد مشروع للمستقبل، بل نقطة تحول قد تكشف حدود العدالة في نظام منع الانتشار، وتعيد رسم موازين القوة والتحالفات في المنطقة لعقود قادمة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


