هل بقي وطن حتى ننتخب؟

كتب اسماعيل جمعه الريماوي: في كل مرة يعود فيها الحديث عن الانتخابات الفلسطينية، يطرحها البعض باعتبارها المخرج من الأزمة السياسية، والطريق لاستعادة الشرعية وتجديد النظام السياسي، لكن وسط هذا الجدل، يفرض سؤال نفسه بقوة، وربما هو السؤال الأكثر إيلامًا: هل بقي وطن حتى ننتخب؟
كيف يمكن الحديث عن صناديق الاقتراع فيما غزة تحولت إلى مدينة منكوبة، دُمِّرت أحياؤها، وسُوِّيت جامعاتها ومدارسها ومستشفياتها بالأرض، واستُهدف الإنسان الفلسطيني في حياته وبيته ومستقبله؟ كيف يمكن الحديث عن تداول السلطة بينما يعيش مئات الآلاف في الخيام، ويواجه ملايين الفلسطينيين آثار حرب تركت جراحًا لن تندمل لعقود؟
وفي الضفة الغربية، لا يبدو المشهد أقل خطورة، وإن اختلفت أدواته، فالاستيطان يتمدد بوتيرة غير مسبوقة، والأراضي تُصادر يومًا بعد يوم، والطرق تُغلق، والحواجز العسكرية تقطع أوصال المدن والقرى، واعتداءات المستوطنين أصبحت واقعًا يوميًا يهدد حياة الفلسطينيين وممتلكاتهم، وفي الوقت ذاته، تتعمق الأزمات الداخلية بفعل الانقسام السياسي، والفساد، وتغوّل السلطة، وتراجع المشاركة الشعبية، وقوانين انتخابية يرى كثيرون أنها لا توفر بيئة سياسية عادلة وشاملة.
أما القدس، قلب القضية الفلسطينية، فتواجه مشروعًا متواصلًا يستهدف تغيير هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، عبر التوسع الاستيطاني، وتهجير السكان، والتضييق على المقدسيين، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، في ظل عجز دولي عن وقف هذه السياسات أو إلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي.
إن الانتخابات في أي دولة يفترض أن تكون وسيلة لاختيار من يدير دولة ذات سيادة، أو على الأقل شعبًا يملك الحد الأدنى من حريته، أما في الحالة الفلسطينية، فإن الاحتلال ما زال يتحكم بالحدود، والمعابر، والموارد، وحركة الأفراد، ويقتحم المدن متى شاء، ويعتقل من يشاء ، ويقيد حتى إمكانية إجراء الانتخابات في القدس ، لذلك فإن اختزال الأزمة الفلسطينية في غياب الانتخابات وحدها يتجاهل جوهر المشكلة، وهو استمرار الاحتلال وتآكل المشروع الوطني.
ولا يمكن تجاهل أن الانقسام الفلسطيني، الذي امتد سنوات طويلة، أضعف الموقف الوطني، وفتح المجال أمام الاحتلال لفرض وقائع جديدة على الأرض، ومع استمرار التفرد بالقرار، وتراجع دور المؤسسات، وتآكل الثقة الشعبية، أصبحت الانتخابات تُطرح أحيانًا كحل تقني لأزمة هي في حقيقتها أزمة وطنية شاملة تتعلق بالرؤية، والبرنامج، ووحدة الصف، وآليات إدارة الصراع.
إن الديمقراطية لا تبدأ بصندوق الاقتراع فقط، بل تبدأ باحترام القانون، واستقلال القضاء، وضمان الحريات العامة، وتكافؤ الفرص بين القوى السياسية، ووجود مؤسسات قوية قادرة على حماية إرادة الناس، أما إذا غابت هذه الأسس، فإن الانتخابات قد تتحول إلى إجراء شكلي لا يعالج جذور الأزمة.
اليوم، يبدو الفلسطيني أمام تحديات وجودية غير مسبوقة، فغزة تناضل من أجل البقاء بعد حرب مدمرة، والضفة الغربية تواجه أخطر موجة استيطان منذ عقود، والقدس تتعرض لسياسات تهدف إلى تغيير هويتها، واللاجئون ما زالوا ينتظرون العدالة .
لهذا، فإن الأولوية لا ينبغي أن تكون مجرد تحديد موعد للانتخابات، بل إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس الوحدة والشراكة والديمقراطية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية، ووضع استراتيجية قادرة على حماية الأرض والإنسان والحقوق الوطنية.
فالانتخابات ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما وسيلة لخدمة الوطن، أما إذا كان الوطن نفسه يتآكل تحت الاحتلال والاستيطان والانقسام والأزمات الداخلية، فإن السؤال سيظل يلاحق الجميع:
هل بقي وطن حتى ننتخب؟ أم أننا أصبحنا نختلف على إدارة ما تبقى، بينما تضيع الأرض قطعةً بعد أخرى، ويُترك الشعب الفلسطيني يواجه وحده أخطر مراحل قضيته منذ عقود؟
إن استعادة الشرعية تبدأ أولًا باستعادة المشروع الوطني، واستعادة الوحدة، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق كل الحسابات الفصائلية والشخصية، فحين يكون الوطن في دائرة الاستهداف الوجودي، تصبح حماية الوطن شرطًا لكل عملية سياسية، لا مجرد بندٍ يسبق موعد الانتخابات .
ويبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق كل صاحب قرار: هل نريد انتخابات لإدارة الانقسام، أم نريد مشروعًا وطنيًا ينقذ فلسطين قبل أن يصبح الحديث عن الانتخابات حديثًا عن وطن لم يعد كما عرفناه؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


