فراس ياغي يكتب لوطن: خيارات مُعقّدة، صفرية ولا منطقية

07/11/2026

المنطق العلمي والسياسي واضح كالشمس؛ فهزيمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات النصفية، وهزيمة نتنياهو في انتخابات دولة الاحتلال، تؤكدان فشل سياساتهما، وتفرضان ضرورة مراجعتها وتغيير مساراتها. لكن ما يحكم الرجلين، ترامب أولاً ونتنياهو ثانياً، هو منطق اللامنطق.

كلاهما يتعامل مع السياسة بمنطق القوة، ويعتمد على أدوات الإخضاع والضغط والتهديد، تحت شعار «السلام بالقوة». إنها أوهام القوة الصلبة التي تتغذى على الاعتقاد بإمكانية إخضاع الدول والمنظمات والأفراد بمزيد من القوة، حتى عندما تثبت الوقائع عكس ذلك، ومع ذلك تبقى هذه الاوهام تُعشش في رؤوسهما.

ولفهم وسبر غور ما قد يُقدم عليه الرجلان، لا بد من دراسة الخيارات المطروحة أمام كل منهما:

أولاً: خيارات الرئيس ترامب الثلاثة.. أحلاها مُرّ

*الخيار الأول: اتفاق سيئ، تكون الغلبة فيه لإيران.*

*الخيار الثاني: حرب استنزاف طويلة، قوامها الحصار الاقتصادي والنَبذ المالي، بهدف إنهاك إيران ودفعها إلى تقديم تنازلات.*

*الخيار الثالث: توجيه ضربة عسكرية واسعة النطاق، مع محاولة حصرها زمنياً وعملياتياً، وقد تشمل استخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد جبل «بيكاكس» (الفأس)، ثم الانتقال إلى إعلان النصر.*

هذه هي الخيارات المطروحة أمام ترامب. وفي ظل خسارته السياسية في الانتخابات النصفية، قد يبدو الخيار الثالث الأكثر إغراءً من منظور حساباته الشخصية؛ فهو يتيح له استعادة زمام المبادرة، وإظهار نفسه بمظهر القائد المنتصر، وترميم صورته السياسية عبر استعراض القوة وتحقيق نصر سريع يعلنه بنفسه.

ثانياً: خيارات نتنياهو.. صفرية ولا تقبل أنصاف الحلول

أما نتنياهو، فتبدو خياراته أكثر تعقيداً، لأنها ترتبط بمستقبله السياسي وبقدرته على البقاء في السلطة، ويمكن اختصارها في مسارين رئيسيين:

أولاً ــ الضغط على ترامب لتوجيه ضربة عسكرية واسعة لإيران.

يسعى نتنياهو إلى دفع ترامب نحو هذا الخيار، وهو يدرك أن الضربة لن تبقى بالضرورة محدودة، خصوصاً أن إسرائيل ستكون شريكاً فاعلاً فيها، بل إن نتنياهو قد يعمل على توسيع نطاقها، سواء من خلال طبيعة الأهداف التي ستُقصف، أو عبر استهداف دول أخرى واتهام إيران بالمسؤولية، أو من خلال توسيع رقعة المواجهة لتشمل جبهات متعددة، وفي مقدمتها لبنان وغزة والضفة الغربية.

ولا يمكن استبعاد استغلال هذه اللحظة لفرض وقائع ميدانية وسياسية غير مسبوقة، بما فيها خطوات تهجيرية واسعة.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة حديث نتنياهو قبل الانتخابات عن كيفية تجاوز العقوبات التي قد تُفرض على دولة الاحتلال، باعتباره إعداداً مسبقاً للمجتمع الإسرائيلي لاحتمالات التصعيد وتداعياته.

كما يتيح توسيع المواجهة لنتنياهو محاولة فرض أجندته على الداخل الإسرائيلي، والدفع نحو تشكيل حكومة حرب برئاسته، تضم أطرافاً من المعارضة الصهيونية، تحت عنوان مواجهة التهديدات الأمنية، مستفيداً من أن الأمن يبقى أولوية متقدمة في اهتمامات الرأي العام الإسرائيلي.

ثانياً ــ افتعال أزمة داخلية لتعطيل انتقال السلطة.

يقوم هذا المسار على خلق أزمة سياسية وشعبية تحول دون انعقاد الهيئة العامة للكنيست أو تعرقل إجراءات تشكيل الحكومة الجديدة، حتى لو تطلب الأمر اللجوء إلى منع انعقادها بالقوة الجسدية.

وقد تتخذ هذه الأزمة عناوين متعددة، من بينها الطعن في نزاهة الانتخابات والتشكيك في نتائجها، ورفض شرعية أي حكومة تحظى بمشاركة القوائم العربية أو بدعمها البرلماني.

والغاية من ذلك كسب الوقت، وانتظار فرصة مناسبة للتصعيد العسكري من جهة، وفرض معادلة سياسية تقوم على حلول وسط تُبقي نتنياهو رئيساً للوزراء من جهة أخرى، وصولاً إلى جولة انتخابية جديدة في يونيو/حزيران المقبل.

ثالثاً: إيران.. نقطة الالتقاء بين أزمتي ترامب ونتنياهو

أرى أن كلاً من ترامب ونتنياهو يواجه أزمة سياسية عميقة، وأن الخيارات المطروحة أمامهما قد تدفعهما إلى الإقدام على خطوات غير مألوفة، عنوانها تصعيد عسكري نوعي وواسع، مع محاولة تحقيق نتائج سريعة وفق التصور الأمريكي، لكن المواجهة قد تتحول عملياً إلى حرب طويلة، لأن نتنياهو يريد توسيعها وإطالة أمدها، ولأن إيران تملك بدورها أدوات التأثير في مسار المواجهة وتحديد توقيت نهايتها، وليس واشنطن وتل أبيب وحدهما.

إن الرجلين أمام خيارات معقدة وصعبة وصفرية، تتمحور حول إيران، لكن جوهرها يتجاوز الحسابات العسكرية والاستراتيجية، ليرتبط أيضاً بمستقبلهما السياسي وطببعة شخصية كلٌ منهما التي تعيش الوهم لا الواقع أولا، وعجزهما عن التعامل مع الهزيمة باعتبارها واقعاً سياسياً ينبغي الإقرار به ثانيا، إضافة إلى أنهما لا يُمكن تَقبّل أن يُكلل تاريخهما ببصمات عار لا بصمات إنتصار.

فكلاهما يواجه استحقاقاً لا يريد الوصول إليه:

الاعتراف بالفشل أولاً، والتكيف مع موازين القوى الجديدة ثانياً، وتحمل المسؤولية السياسية عن النتائج ثالثاً.

وأمام هذا المنطق الذي يحكم خياراتهما، والخشية من المصير السياسي الذي ينتظرهما، تبدو عقلية «إما أنا أو الطوفان» حاضرة بقوة في حساباتهما.

وهنا تحضر إلى الذاكرة شعارات النظام السوري السابق: «الأسد أو لا أحد»، و«الأسد أو نحرق البلد».

ويبدو أن الخطر اليوم يتجاوز حدود إسرائيل وإيران، إذ إن إصرار ترامب ونتنياهو على فرض معادلاتهما بالقوة قد يدفع المنطقة بأسرها إلى حافة الانفجار، ويجعل دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، من بين أكثر الأطراف عرضة لتداعيات حرب قد لا يملك أي منهما القدرة على التحكم بنهايتها.