الاتصال الملكي

07/11/2026

كتبت: مروة فرح

رنَّ الهاتف مُنذ زمنٍ طويل، ولم يرفع أحدٌ السماعة؛ لا لأن الرنين لم يبلغ الآذان؛ بل لأن السماعة كانت مشغولة؛ كان صاحب الأمر جالسًا عليها، وهذا ما تهمس به لوحة "الاتصال الملكي" لمن يُحسن الإنصات إلى الصمت، فلا كسرَ في الأبواب، ولا أثرَ لدمٍ على بلاطٍ عاجيٍّ تفرشه سجادةٌ ذهبيةُ الحواشي، ولا شظيّةَ زجاجٍ تشهد على عراك؛ الجدران لم يمسّها شقّ، والمصباحان الذهبيان يؤديان واجب الإضاءة بإخلاصِ موظفٍ لم يُسأل يومًا عمّا يُضيء، وبمقاييس المحاكم كلها: "لا جريمة هنا"، إلا أنّ أنظَف المسارح أخطرها؛ فالظلم الذي يُحكِم تدبيره لا يترك دمًا؛ يترك ترتيبًا، ومن هذا الترتيب تنبثق مُساءلةٌ لسلطةٍ أقامت للإنصات عرشًا ثم عجزت عن سماع المُستغيثين عند أعتابه، فالمسافة شاسعة بين امتلاك وسيلة الإصغاء وممارستها.

في قلب هذا المشهد كرسيٌّ بنفسجيٌّ يتجسّد على هيئة سماعة هاتف، مرصّعٌ بالأحجار ومطرَّزٌ بزخارف ذهبية، ظهره بيضاويٌّ كأذن السماعة، ومقعده مستديرٌ كفمها؛ أداةٌ خُلقت لتُدني البعيدَ من الأذن فاتخذها صاحبها مقعدًا، ومن جلس على السماعة فقد استراح من رفعها؛ إذ ما حاجة المُقيم على أداة الإصغاء إلى أن يُصغي؟ وللبنفسجي في هذه المفارقة حكاية؛ فقد كان يُستخلص من أصداف البحر بعناءٍ بالغ حتى صار أغلى الألوان، وقُصِر على الملوك والنبلاء بقوانين تنظّم الملبس وتحفظ الفوارق، فاتفقت البشرية مُبكرًا على أن أثمن الألوان لمن يُطلب منه أقلُّ القدر من الإنصات، ويأتي الذهب ليتمّ اللغة، فيزيد المقام بريقًا، ويزيد الصَّممَ عن المظلومين فخامةً، حتى يغدو الصممُ تصميمًا، وليس العرش هنا عرش الملوك وحدهم؛ فكل مقامٍ جلس صاحبه فوق من يَستحقون أن يُنصت إليهم هو "عرش"، من قصر الرئاسة إلى مدير المؤسسة إلى مدير المكتب إلى صدر البيت.

من خاصرة الكرسي ينسلّ سلكُ هاتفٍ ذهبيٌّ، ملتفًّا على نفسه، زاحفًا على البلاط والسجاد، مغادرًا الإطار من جهته اليسرى نحو من لا نراهم؛ خطٌّ سليمٌ لا انقطاع فيه ولا عطل، وهنا تتعقّد القضية: لا أحد يستطيع القول بأنهم لم يتصلوا، ولا أحد يستطيع القول بأن أحدًا ردّ، إتصالٌ مفتوح في شكله، أصمُّ في أثره، وذهبٌ يلمع حيث كان ينبغي أن يكون جواب، إذ لا قيمة لخطٍّ مفتوح ما لم يكن وراءه إصغاء، وخلف العرش نافذةٌ مقوّسةٌ مقسَّمةٌ بعوارض يُطِلّ زجاجها على حديقةٍ خلابة، تنحني أزهارها الوردية والبيضاء والبنفسجية على ممرٍّ حجريٍّ نظيف يمضي نحو الأفق؛ وهي حجة الغياب الجاهزة لكل صاحب سلطة، فإذا سُئل عن المظلومين أشار إلى الزهر قائلًا: انظروا، كل شيء يُزهر، غافلًا و/ أو مُتغافلًا أن الحديقة لا تُرى إلا من الداخل، وأن الزجاج الذي يحفظ المنظر هو نفسه الذي يحجب الصراخ؛ فهو عزلة الامتياز حين يصنع أصحاب القرار لأنفسهم عالمًا مخمليًا مصقولًا بعيدًا عن واقع المقهورين، ثم يسمّون عزلهم استقرارًا.

على الجدار الأيسر، خلف الكرسي تمامًا، حيث لا يلتفت العرش، تتصاعد من أسفله ظلالٌ بشريةٌ باهتة، تتداخل فيها الأجساد والأيدي المرفوعة في هيئة استغاثة، كأنها خارجةٌ من عتمةٍ لا تبلغها الإضاءة الذهبية؛ سُجّلوا بلا ملامح، لأن الملامح تُحفظ لمن يُعترف بهم، أما هؤلاء فيكفي من حضورهم أن يُذكروا ظلالًا؛ هم لا يمثّلون أفرادًا بأعيانهم؛ بل يختزلون وجع كل من حُجب صوته عن موضع القرار، في دولةٍ أو مؤسسةٍ أو أسرة، وقد انتظروا على الخط طويلًا، يطمئنهم صوتٌ مُسجّلٌ لطيف بأن مكالمتهم مهمَّة بالنسبة لذوي الشأن، حتى صاروا جزءًا من الجدار، وهذا في عُرف الإدارة أنجع الحلول وأرخصها: "أن تُدمج الشكوى في الديكور"، وفي مقابلهم يملأ العرش المشهد بحضوره الطاغي، فيما لا يجد أصحاب المُعاناة سوى مساحةٍ باهتة على الحائط، وكأن من يملكون القرار يتّسعون بقدر ما يضيق الآخرون.

على المكتب شهودٌ أربعة، كلٌّ منها أبلغ من خطاب؛ أولها ميزانٌ ذهبيٌّ على هيئة كائنٍ صغير يحمل الكفّتين مائلتين، يبدو كأنه يرقص، أسمّيته- إن جاز لي التعبير- بـ "قرد العدالة"؛ فالقرد بارعٌ في المُحاكاة، يرفع الكفّتين بهيبةٍ تامة ويحفظ الطقوس كلها، لكنه لا يميل إلى الإنصاف ميلة واحدة، ولو تقدّم إلى وظيفةٍ لحملت سيرته: ثلاثة عقودٍ في حفظ التوازن، دون أن يُسأل يومًا عن ميلان كفتيه الظاهر للعيان، عدالةٌ تُتقن رقصة التوازن وتُخفق في الوقوف عليه، وإلى جواره قناعٌ بنفسجيٌّ مذهّب، كأنما انبثق من زخارف العرش نفسه: وجهٌ للنزاهة في المؤتمرات، وآخر للرحمة في الكوارث، وغيره للحزم أمام الميكروفون... وغيرها ممّا يستجدّ وفق ما تقتضيه الحاجة، أما الوجه المُستتر تحتها فلا يُعرض إلا عند الضرورة، وهو الوجه الذي لا يردّ، ويستقرّ القناع على كتابين متراكبين: أعلاهما حمل اسم (LAW)؛ مقلوبٌ رأسًا على عقب؛ فالقانون لم يُلغَ؛ بل قُلب؛ فالمُلغى يُسأل عنه، أما المقلوب فيبقى مهيبًا على المكتب، ومن شاء أن يقرأه فليقدّم طلبًا خطيًّا بإعادته إلى وضعه الطبيعي؛ وسيُحال إلى الجهة المختصة، وهي الجهة التي قلبته؛ إذ لا يسري من القوانين إلا ما فُصِّل على مقاسها، وأسفلهما حمل اسم (HUMANITY)؛ وقد تشقّقت حروفه بالبنفسجي، وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: فاللون الذي زيّن العرش علامةَ امتياز هو نفسه ما صدّع كلمة الإنسانية، وكأن السلطة إذا انفصلت عن أمانتها لم تكتفِ بالتعالي على الإنسان؛ إنما نفذت إلى جوهره فمسّت كرامته وصدّعت قيمه، فهو الكتاب الوحيد في الغرفة الذي أُتلف بالزينة.

لقد استُدعي إلى هذه الجلسة شاهدٌ خبير لا مصلحة له؛ "ابن خلدون"، صاحب الفصل الذي عنوانه: "في أن الظلم مؤذن بخراب العمران"، وشهادته أن الظلم لا يقف عند من وقع عليه؛ بل ينخر الكيان الصادر عنه، وأن الخراب لا يبدأ من تصدّع الجدران؛ إنما من تصدّع الثقة وانقطاع الصلة بين من يملكون القرار ومن يتحمَّلون عواقبه. وعند تفحّص الجدران نجدها سليمةً تمامًا، لا شقّ فيها ولا خدش، وهذا ما يقوله الخبير عن الخراب حين يُحسن التنكّر، ولا تقف الحكاية عند حاكمٍ أو رئيس دولة؛ فلا مشتبهَ به معيّنًا، لأن الكرسي يتّسع لكل من جلس عليه: رئيس في دولة، أو مسؤول في مؤسسة، أو ربّ أسرة، مِمَّن توهّموا أن المنصب صكُّ تزكيةٍ لا يحتاج إلى برهان، جاهلين و/ أو مُتجاهلين أن العبرة ليست بارتفاع المقعد؛ بل بمقدار الأمانة التي يحملها صاحبه، لذا؛ يُحفظ المحضر مؤقتًا، ويُحال إلى شهادة التاريخ، المحكمة الوحيدة التي لا تنفع فيها الأقنعة، ولا تسقط فيها القضايا بالتقادم، ولكن، الخط لا يزال مفتوحًا، والأيدي لا تزال مرفوعة، وفي الأيدي التي تأبى أن تندثر تبدأ إمكانية استعادة الحق، وفي الأصوات التي تأبى الخفوت تبدأ ملامح التغيير، وأخيرًا، وصيتي لمن يعتبر: "إنهضْ عن السماعة، وضعها على أذنك...!".

 

* الفنانة (الرسامة): مروة فرح