
تسعى العديد من الدول والمجتمعات الى دعم تشكيل او توفير اشكال دعم مختلفة من اجل تأسيس مؤسسات مجتمع مدني تعمل في مجالات متخصصة، وحتى توفير دعم دائم ومتواصل لها على الصعيد الوطني من خلال بنود الميزانية السنوية بغض النظر عن الطبيعة السياسية للحكومة، وتقوم بذلك لعدة اسباب منها أن مؤسسات المجتمع المدني بأنواعها تغطي جزءا من أعمال أو مجالات كان من المفترض ان تقوم بها الحكومة في ظل غياب هذه المؤسسات، ومنها أن وجود مؤسسات مجتمع مدني يشكل صورة حضارية أو متقدمة تعرضها الحكومة امام المجتمع الدولي، ومنها أن هذه المؤسسات قد تمارس نوعا من الرقابة أو المساءلة التي تحتاجها الحكومة من أجل الادعاء ان هناك من يراقب أعمالها أو على الاقل على داريه بما تقوم به بالإضافة الى الجهات التشريعية، ومنها أنها تحفز على التقدم بقوانين وتشريعات وتعرض اوراق سياسات واقتراحات، وبالأخص في ظل غياب مؤسسات رقابية أو تشريعية منتخبة، مثل الاوضاع الحالية السائدة في بلادنا
ومؤسسات المجتمع المدني بأنواعها وبأعدادها التي تقدر بالمئات متواجدة في بلادنا، ومنذ عشرات السنين، ومنها ما هو متأصل في قواعد مجتمعية ويعمل وينجز ويحقق الاهداف وبدون جدال او مأخذ عليها، وهذا ما تشهد له تقارير المقيمين الخارجيين سواء من المحليين أو من الدوليين، واجتماعات الهيئات العامة لهذه المؤسسات، والتقارير الإدارية والمالية الى الجهات الرسمية، ولكن رغم ذلك ما زالت العلاقة غير واضحة بين هذه المؤسسات والسلطة الحاكمة أي الجهة الرسمية، أو حتى في أحيان، تبرز هناك أزمة ثقة أو أوضاع من عدم الثقة بين الجهات الرسمية ومؤسسات مجتمع مدني في بلادنا.
وقبل فترة شاركت في ورشة عقدت في مدينة رام الله، تم خلالها عرض ورقة تم اعدادها من قبل جهة دولية تهتم بهذا الموضوع، وتندرج تحت برنامج أشمل يتعلق بالشفافية والنزاهة والمساءلة التي تعتمد على الادلة، ورغم حضور معظم مؤسسات المجتمع المدني المعروفة في بلادنا والتي تعمل في مجالات مختلفة، وبتمثيل من اعلى المستويات، ورغم المداخلات والتوضيحات ومن شخصيات معروفة وكان لها دور هام في العمل في المجتمع المدني وفي الشأن السياسي العام، الا انه لم يتم الخروج بتصور عملي واضح وواقعي للتعامل مع واقع انعدام الثقة او الفجوة في التواصل بين الحكومة أو الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني في بلادنا.
ورغم الاتفاق على أهمية التواصل والحوار مع الحكومة، ورغم التوافق على أن العقيدة السياسية أو العملياتية او حتى الامنية للحكومة الحالية او غيرها من الحكومات التي سبقتها لا تأخذ أهمية عمل مؤسسات المجتمع بعين الاعتبار المطلوب، ورغم الاتفاق على ان الحكومة تسعى جاهدة للالتفاف أو للتقليل من عمل مؤسسات المجتمع، الا أنه لم يكن هناك تصورات عملية يتم ترجمتها من خلال خطوات للتعامل مع هذا الواقع أو الحقائق الموجودة حاليا، وهو ما يتطلب وجود اطارا فاعل مهني يجمع مؤسسات المجتمع المدني، ويضع الأسس للتعامل والتواصل مع الحكومة ومن منظار ايجابي ومحدد، ومع التركيز على العلاقة أكثر بالتشريعات والقوانين والمنظومة القضائية وفي اطار المصلحة العامة أو اولويات الفئات المجتمعة التي تتعامل معها مؤسسات المجتمع المدني قاطبة
وفي ظل الوضع الحالي من تواصل انعدام الثقة أو ضعف التواصل بين المجتمع المدني والجهات الرسمية في بلادنا، فالمطلوب الاتفاق على إطار واقعي محدد للتواصل مع الحكومة ولتحقيق اهدافا محددة بعيدا عن الشعارات والطموحات الكبيرة، وفي نفس الوقت فأن على مؤسسات المجتمع المدني التي منها ما هو مكرر للأخر وبأعداد كبيرة، أن تبتعد عن المنافسة المكشوفة وبالأخص على مصادر التمويل الخارجي، أو الصراع الداخلي الذي أرهقها وبل استنزف البعض منها.
والمطلوب منها ان تشكل اطارا مهنيا للتعاون والتشارك، وبان يكون هناك تركيزا اكثر على النتائج التي يتم تحقيقها للفئات التي تتعامل معها، بعيدا عن الاضواء الاعلامية او تحميل الجهات الرسمية كل شيء، وبعيدا عن التبجح امام الجهات المانحة أو الدولية بما تحمله من أجندة أو من رؤى أو استراتيجيات تبقى في احيان عديدة فقط حبرا على الورق، وبأن تقوم بتعميق التواصل مع المجتمع المحلي ومع فئاته المختلفة، من الافراد وبالأخص من فئات الشابات والشباب لان هذا المجتمع هو الذي سوف يشكل الدرع الاقوى الذي يحمي هذه المؤسسات في ظل انعدام الثقة أو الصراع أو الجدال مع الجهات الرسمية.