محمود كلّم يكتب لوطن:أم العبد عنتر... أمّ الشهداء من صفد إلى مخيم شاتيلا

05/11/2026

 

إذا كنت لا تعرف أم العبد عنتر، فهذا يعني أنك لا تعرف كثيراً عن مخيم شاتيلا، ولا عن تاريخه، ولا عن نضالاته، ولا عن حجم المآسي التي عاشها أبناؤه على امتداد سنوات اللجوء والمقاومة والحصار والمجازر.

أم العبد عنتر ليست مجرد امرأة فلسطينية عاشت في مخيم شاتيلا، بل هي حكاية وطنٍ اقتُلع أهله من أرضهم، وحكاية أمٍّ حملت مفاتيح ذاكرتها من صفد، وظلت رغم كل ما مرّ بها تحنّ إلى العودة إلى مدينتها التي هُجّرت منها قسراً.

من صفد بدأت الحكاية، ومن دروب اللجوء الطويلة وصلت إلى مخيم شاتيلا، لكنها لم تكن تعرف أن رحلة العذاب التي بدأت بالاقتلاع من الوطن ستتحول إلى سلسلة متواصلة من الفواجع، وأن المخيم الذي احتضنها سيشهد انتزاع أغلى ما تملك؛ أبناءها واحداً تلو الآخر.

لقد عاشت أم العبد عنتر مأساة اللجوء بكل تفاصيلها، وعاشت أيضاً مأساة الفجيعة التي لا يمكن للكلمات أن تحيط بها.

بدأت جراحها باستشهاد ابنها أحمد في البقاع سنة 1985. كان رحيله طعنةً في قلب أمٍّ لم تكن قد اعتادت بعد على فكرة أن يغيب أحد أبنائها إلى الأبد.

لكن الجرح لم يكن قد التأم، ولم تكن دموعها قد جفّت، حتى جاء عام 1987 حاملاً إليها فاجعة جديدة، باستشهاد ابنها عبد.

رحل عبد وترك خلفه زوجته فاديا الدوخي، التي كانت تحمل في أحشائها طفله أحمد، كما ترك ابنته الصغيرة منى، التي وجدت نفسها تكبر في غياب أبيها، قبل أن تعرف معنى الحياة كما ينبغي للأطفال أن يعرفوها.

ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد؛ فقد امتدت يد الفجيعة لتنتزع منها ابنها محمد.

ولا تزال ذاكرة مخيم شاتيلا تحتفظ بمشهدٍ لا يمكن أن يمحوه الزمن. أتذكر، حين كنت يافعاً في المخيم، يوم عثرنا على رفات محمد إلى جانب رفات عصمت أحمد مُرّة، تحت ركام بناية المخللاتي عند المدخل الشمالي لمخيم شاتيلا.

كان المشهد قاسياً، وكانت لحظة التعرّف إلى الرفات أشد قسوة؛ إذ تعرّف نشأت مُرّة إلى أخيه الشهيد عصمت من حذائه الرياضي، الذي كان عصمت قد استعاره منه قبل استشهاده بوقت قصير. حذاءٌ رياضي أعاد إلى الذاكرة صاحبه، واختصر في لحظة واحدة وجع الأخ الذي تعرّف إلى أخيه من أثرٍ تركه خلفه.

في ذلك اليوم، شاركتُ أنا ونشأت وعدد من شباب المخيم في دفنهما في مقبرة جامع المخيم. وما زلت أستعيد تلك اللحظات بكل ما فيها من حزن وألم؛ رفات أبناءٍ عادوا إلى تراب المخيم الذي احتضن أحلامهم، فيما بقيت أم العبد تحمل في قلبها مرارة غيابهم.

بعض المشاهد لا تغادر الذاكرة، وبعض التفاصيل الصغيرة تتحول إلى آخر خيط يربط الأحياء بأحبتهم الراحلين.

ثم جاءت فاجعة أخرى باستشهاد منى، التي كانت عروساً، وكان يفترض أن تبدأ معها حياة جديدة، فإذا بالموت يسبق أحلامها ويغلق أبواب الفرح أمامها.

وكأن الأقدار لم تكتفِ بكل تلك الخسارات، فقد استشهد ابنها الطفل سمير سنة 1989، قبل أن يكمل عامه العاشر.

طفلٌ لم يعش طفولته كما ينبغي، ولم تتح له الحياة أن يكبر، ولم تعرف عيناه من الدنيا إلا ما يكفي ليصبح اسماً آخر في سجل المآسي الفلسطينية.

أي قلبٍ يستطيع أن يحتمل كل هذا؟

وأي أمٍّ تستطيع أن تدفن أبناءها واحداً تلو الآخر، ثم تعود إلى بيتها لتواجه صمت الجدران والأماكن التي كانت تضج بأصواتهم؟

وما هي إلا أشهر قليلة حتى رحل زوجها علي، لتجد أم العبد نفسها أمام وحدة ثقيلة، بعدما فقدت أبناءها وزوجها، وكأن الحياة قررت أن تتركها وحيدة في مواجهة ذاكرة لا ترحم.

لم تكن خسارة أم العبد عنتر مجرد خسارة عائلة، بل كانت اختصاراً لمأساة شعب بأكمله. شعبٌ طُرد من أرضه، ثم طاردته الحروب والمجازر والموت حتى في أماكن لجوئه.

ومع كل تلك الفواجع، لم تتخلَّ أم العبد عن حلم العودة إلى صفد. بقيت المدينة حاضرة في وجدانها، وبقيت الأرض التي هُجّرت منها أقوى من كل محاولات النسيان.

صفد لم تكن بالنسبة إليها مجرد مدينة بعيدة، بل كانت البيت الأول، والذاكرة الأولى، والحياة التي سُرقت منها، والحق الذي لم يسقط بالتقادم.

ولعل أكثر ما يوجع في حكايتها أن الذين دفعوا أثماناً باهظة من دماء أبنائهم وأعمارهم وبيوتهم، وجدوا أنفسهم أيضاً أمام خذلان السياسة، وتخلّي أصحاب التنسيق الأمني المقدس عن حق العودة، وعن وجع اللاجئين وذاكرتهم وحقهم في استعادة وطنهم.

أم العبد عنتر ليست رقماً في إحصاءات الشهداء، ولا اسماً عابراً في ذاكرة المخيم. إنها أم فلسطينية دفعت من قلبها وأعصابها وأيامها ثمناً لا يستطيع أحد أن يتصوره.

إنها واحدة من أمهات شاتيلا اللواتي لم تمنحهن الحياة فرصة للراحة، ولم تترك لهن الحروب سوى صور الأبناء والذكريات وأسماء الغائبين.

وحين نتحدث عن مخيم شاتيلا، لا ينبغي أن نتحدث عن جغرافيا ضيقة أو أزقة متعبة فقط، بل عن أمهات مثل أم العبد، وعن حكايات تختزن تاريخاً من الصمود والألم، وعن بشرٍ حملوا فلسطين في قلوبهم حتى وهم يُدفنون بعيداً عن أرضها.

سلامٌ على أم العبد عنتر، وعلى أبنائها الذين رحلوا، وعلى زوجها علي، وعلى كل أمٍّ فلسطينية دفنت أبناءها وظلت تنتظر العودة.

قد لا تعود أم العبد إلى صفد كما حلمت، وقد لا تجتمع بأبنائها في بيتها الذي غادرته قسراً، لكن صفد لم تغادر قلبها يوماً.

فبعض الأمهات لا يحملن ذاكرة الوطن فحسب، بل يحملن الوطن كله في صدورهن، حتى آخر نبضة.