
لا تزال موسكو حاضرة في الذاكرة السياسية العربية، بوصفها رمزاً لمرحلة دولية كاملة ارتبطت بصعود الاتحاد السوفيتي، ودعم حركات التحرر الوطني، ووجود قطب دولي قادر على موازنة النفوذ الغربي. لكن هذه الذاكرة ليست واحدة أو مستقرة؛ فهي تتأرجح بين استدعاء تجربة الدولة القوية والتصنيع والعدالة الاجتماعية، واستحضار القمع السياسي وأزمات النموذج الاشتراكي، وصولاً إلى الصدمة التي أحدثها تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار أحد قطبي النظام الدولي.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على ذلك الانهيار، تعود روسيا إلى واجهة المشهد الدولي بوصفها قوة مؤثرة في صراعات العالم وتحولاته. وهذا الحضور يعيد طرح أسئلة قديمة جديدة أمام اليسار الفلسطيني والعربي: كيف ينبغي قراءة التجربة السوفيتية؟ وما الذي يمكن استخلاصه من تاريخها، ومن التحولات التي شهدتها روسيا بعدها؟ وهل يستطيع اليسار التعامل مع التحولات الدولية الراهنة من موقع مستقل، أم سيظل أسير استدعاءات الماضي واستقطاباته؟
بين إرث القوة وأسئلة الدولة
يظل استدعاء تجربة ستالين من أكثر الموضوعات إثارة للجدل في الذاكرة اليسارية. فقد ارتبطت تلك المرحلة ببناء دولة صناعية وعسكرية كبرى، وبالانتصار على النازية، وتعزيز مكانة الاتحاد السوفيتي قوةً عالمية، إلى جانب ما شهدته من تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة. وفي المقابل، لا يمكن فصل هذه الإنجازات عن طبيعة النظام السياسي الذي تشكل في تلك المرحلة، بما اتسم به من مركزية شديدة، وقمع واسع، وتصفية للمعارضة، وتغليب لأجهزة الدولة والأمن على التعددية السياسية.
ولا تكمن أهمية هذه التجربة في المفاضلة بين صورة منتصرة وأخرى مأساوية، أو في اختزال المواقف اليسارية منها، بل في طرح سؤال أعمق حول العلاقة بين بناء الدولة القوية والتحرر الاجتماعي والسياسي. فهل يمكن تحقيق التنمية والتصنيع والاستقلال الوطني من دون بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة؟ وما الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها الدولة حين تتحول القوة المركزية إلى غاية في ذاتها؟ وكيف يمكن حماية المشروع الاجتماعي من أن يصبح مبرراً لتقييد الحريات وإقصاء المجتمع؟
هذه الأسئلة لا تخص قراءة التاريخ السوفيتي وحده، بل تمس تجارب اليسار ومشروعاته السياسية في الحاضر، خصوصاً في مجتمعات ما زالت تخوض معارك التحرر الوطني وبناء الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
غورباتشوف وصدمة الانهيار
أما حقبة غورباتشوف، فتحتل موقعاً مختلفاً في الذاكرة السياسية العربية، إذ ارتبطت بالمرحلة التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار أحد قطبي النظام الدولي، بما مثّله ذلك من تحول جذري في موازين القوى العالمية، وفقدان حليف دولي تاريخي لحركات التحرر الوطني، وفي مقدمتها الحركة الوطنية الفلسطينية.
ولم يكن الانهيار مجرد نهاية لدولة عظمى أو تجربة اشتراكية، بل مثّل أيضاً نهاية مرحلة كاملة من التوازنات الدولية التي أتاحت للقوى والشعوب الواقعة خارج المعسكر الغربي هوامش أوسع للمناورة السياسية والاستراتيجية. ومع اختفاء ذلك القطب، اتسعت مساحة الهيمنة الأمريكية، وتراجعت قدرة حركات التحرر والدول النامية على الاستناد إلى توازن دولي يحدّ من الضغوط الغربية.
ومن هنا، ظل استدعاء غورباتشوف في الذاكرة اليسارية العربية مرتبطاً أساساً بنتائج تلك المرحلة وتداعياتها، وبالسؤال عن مسؤولية القيادة السياسية، وحدود التنازلات في إدارة الأزمات الداخلية والعلاقات الدولية، وكيف يمكن لنظام دولي أن يفقد أحد أقطابه بهذه السرعة. وهي أسئلة تطال قدرة الأنظمة على إدارة التحولات الكبرى، ومخاطر القرارات التي لا تترك مجالاً كافياً لحماية تماسك الدولة وموقعها الدولي.
بريجنيف: الحلقة الغائبة في قراءة روسيا المعاصرة
في المقابل، تبدو الحقبة البريجنيفية أقل حضوراً في النقاش السياسي العربي، رغم أنها تقدم مدخلاً مهماً لفهم بعض السمات التي تظهر في بنية الدولة الروسية المعاصرة. فقد ارتبطت تلك المرحلة بتكريس مركزية الدولة والحزب، واتساع نفوذ البيروقراطية، وتعزيز دور الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتقديم الاستقرار السياسي باعتباره أولوية تتقدم على التجديد والمساءلة.
لم تكن تلك المرحلة خالية من الإنجازات أو من مظاهر الاستقرار الاجتماعي، لكنها شهدت تراجعاً في القدرة على التجديد الاقتصادي والسياسي، مع اتساع الفجوة بين الخطاب الأيديولوجي وواقع المؤسسات. وبمرور الوقت، تحولت المحافظة على توازنات النظام إلى عنصر أساسي في عمله، حتى عندما أصبحت تلك التوازنات نفسها عائقاً أمام معالجة أزماته.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة بعض ملامح روسيا في عهد فلاديمير بوتين، حيث تحضر مركزية الدولة، وتداخل المؤسسات الأمنية مع القرار السياسي، وتغليب الاستقرار السلطوي، ودور مراكز القوة في إدارة المجال العام. لكن المقارنة لا تعني التطابق بين النظامين؛ فروسيا اليوم تحكمها بنية اقتصادية أوليغارشية، وليست دولة اشتراكية، كما أن طبيعة مؤسساتها ومصالحها وعلاقاتها الدولية تختلف عن الاتحاد السوفيتي.
إن أهمية استعادة الحقبة البريجنيفية تكمن في أنها تساعد على فهم كيف يمكن لمؤسسات الدولة ومراكز القوة أن تستمر وتعيد إنتاج نفسها عبر تحولات تاريخية عميقة، حتى بعد سقوط النظام الأيديولوجي الذي نشأت في ظله. وهي قراءة تفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين الدولة والبيروقراطية، وبين الاستقرار والتجديد، وبين القوة السياسية والقدرة على الاستجابة للتحولات.
روسيا بعد الاتحاد السوفيتي: إرث لا يعني استعادة النموذج
لا يمكن النظر إلى روسيا المعاصرة باعتبارها امتداداً اشتراكياً للاتحاد السوفيتي، ولا باعتبارها عودة للنموذج الذي عرفته حركات التحرر الوطني في القرن العشرين. فقد تغيرت طبيعة الدولة والاقتصاد، فقد أصبحت مصالح مراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي جزءاً أساسياً من بنيتها. ومع ذلك، لم تختفِ كل عناصر الإرث السوفيتي؛ فما زالت الذاكرة التاريخية، ومكانة الدولة، والتصورات المتعلقة بالقوة الدولية، وبعض المؤسسات والتقاليد السياسية، تؤثر في هوية روسيا وموقعها في العالم.
ويظهر استمرار هذا الإرث أيضاً في الحياة السياسية الروسية من خلال وجود الحزب الشيوعي الروسي، الذي ما زال يشكل أحد مكونات المعارضة السياسية، ويحمل امتداداً تنظيمياً وفكرياً لتاريخ الحركة الشيوعية السوفيتية. ورغم اختلاف موقعه وطبيعة دوره عن الحزب الشيوعي الذي حكم الاتحاد السوفيتي، فإن وجوده يذكّر بأن المشهد الروسي لا يختزل في مؤسسات الدولة والكرملين وحدهما، وأن داخله قوى وتيارات سياسية وفكرية تشكل مجالاً للحوار والتفاعل.
وهنا تبرز أهمية تطوير العلاقات القائمة بين اليسار العربي والفلسطيني ونظيره الروسي، وكذلك مع القوى اليسارية والتقدمية على المستوى الدولي. فهذه العلاقات، بما لها من تاريخ وتراكم سياسي وفكري، يمكن أن تكتسب أبعاداً جديدة في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي. ولا يتعلق الأمر باستعادة أنماط العلاقات التي حكمت مرحلة الحرب الباردة، بل بتعميق الحوار وتبادل الخبرات، وتوسيع مجالات التنسيق السياسي والفكري، بما يتيح لليسار العربي والفلسطيني المشاركة بصورة أكثر فاعلية في النقاشات المتعلقة بمستقبل الاشتراكية، وطبيعة الدولة، والتحولات الرأسمالية، وقضايا التحرر الوطني، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ولا ينبغي أن تقتصر هذه المهمة على تنظيم أو حزب بعينه، بل يمكن أن تشكل مجالاً أوسع للتعاون بين مختلف مكونات اليسار الفلسطيني والعربي، بمختلف اتجاهاتها ومدارسها الفكرية. فالمطلوب هو تعزيز شبكة العلاقات السياسية والفكرية القائمة، وتطوير قدرتها على التأثير والتفاعل مع مراكز القوى الدولية، دون الوقوع في التبعية لأي منها، وبما يحافظ على استقلال القرار السياسي والفكري لليسار الفلسطيني والعربي.
التعددية القطبية: فرصة أم استقطاب جديد؟
إن عودة روسيا إلى موقع أكثر تأثيراً في السياسة الدولية، إلى جانب صعود الصين وتنامي أدوار قوى إقليمية ودولية أخرى، تطرح احتمال الانتقال نحو نظام دولي أكثر تعددية. وقد يتيح هذا التحول للدول والشعوب الواقعة تحت ضغوط الهيمنة الغربية هوامش أوسع للمناورة، ويفتح أمامها إمكانات جديدة لتنويع علاقاتها وشراكاتها السياسية والاقتصادية.
لكن التعددية القطبية ليست مرادفاً تلقائياً للعدالة الدولية أو للتحرر الوطني. فتعدد مراكز القوة لا يعني بالضرورة تراجع منطق المصالح والنفوذ، ولا يضمن احترام حقوق الشعوب أو استقلال قراراتها. وقد يتحول التنافس بين القوى الكبرى إلى شكل جديد من أشكال الاستقطاب، إذا وجدت الدول والحركات السياسية نفسها مضطرة إلى الاصطفاف خلف مركز دولي في مواجهة آخر.
ومن هنا، لا ينبغي أن يكون معيار اليسار في التعامل مع روسيا أو الصين أو الولايات المتحدة أو غيرها هو هوية القوة الدولية أو موقعها في الصراع الجيوسياسي وحده، بل طبيعة سياساتها ومواقفها من قضايا الشعوب وحقوقها، ومدى تقاطع مصالحها مع أهداف التحرر والاستقلال والتنمية والعدالة الاجتماعية. فالمطلوب ليس استبدال تبعية بأخرى، ولا نقل مركز الولاء السياسي من عاصمة إلى أخرى، بل توسيع هامش الاستقلال وبناء علاقات دولية متعددة تحفظ حرية القرار.
من ذاكرة موسكو إلى مشروع يساري مستقل
ربما تكمن المشكلة الأعمق في علاقة اليسار الفلسطيني والعربي بإرث موسكو في أنه لم يحسم بعد كيفية الانتقال من الذاكرة إلى المراجعة، ومن استدعاء التجارب التاريخية إلى إنتاج رؤية سياسية وفكرية تستجيب للعالم المتغير. فالتجربة السوفيتية، بما لها وما عليها، لا ينبغي أن تتحول إلى مرجعية مغلقة أو عبء تاريخي، بل إلى مادة للتعلم والنقد وفهم التحولات الكبرى في الدولة والمجتمع والنظام الدولي.
وهذا يتطلب نقاشاً يسارياً يتجاوز الخلافات التنظيمية والشخصية، ويعيد طرح قضايا جوهرية: ما شكل الدولة التي يريدها اليسار؟ كيف يمكن الجمع بين الاستقلال الوطني والديمقراطية؟ كيف تُبنى التنمية من دون إعادة إنتاج التبعية الاقتصادية؟ وما موقع العدالة الاجتماعية في مشروع التحرر الوطني؟ وكيف يمكن لليسار أن يحافظ على استقلاله الفكري والسياسي، وفي الوقت نفسه يطوّر علاقاته مع القوى الدولية ويؤثر في النقاشات والتحولات الجارية؟
إن تطوير العلاقات الدولية ليس هدفاً قائماً بذاته، بل وسيلة لتوسيع المعرفة والخبرة والقدرة على التأثير. كما أن وحدة اليسار لا تعني إلغاء اختلاف مدارسه أو تجاربه، وإنما إيجاد مساحة مشتركة تسمح بالتعاون حول القضايا الكبرى، من دون فرض تطابق فكري أو تنظيمي بين مكوناته.
بالنسبة إلى اليسار الفلسطيني والعربي، لا يتعلق الأمر بالاختيار بين الحنين إلى موسكو القديمة أو الانحياز إلى روسيا الجديدة، ولا بين استعادة نموذج تاريخي أو رفضه بالكامل. التحدي الحقيقي هو بناء مشروع مستقل يستطيع قراءة العالم كما هو، لا كما كان، والتعامل مع مراكز القوة من موقع المصالح والحقوق، لا من موقع التبعية والاصطفاف.
فهل يستطيع اليسار الفلسطيني والعربي الانتقال من استدعاء أشباح موسكو في ذاكرته السياسية إلى بناء مشروع فكري وسياسي مستقل، يعمّق علاقاته الدولية القائمة، ويستعيد دوره في قضايا التحرر والعدالة الاجتماعية، ويمنحه القدرة على الفعل في عالم يتجه نحو تعددية قطبية؟