اليسار التقدمي يعيد رسم هوية الديمقراطيين.. من ممداني إلى عبد الرحمن السيد اختراق للكونغرس

05/11/2026

رام الله - وطن للأنباء: عززت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية حضور التيار اليساري التقدمي داخل الحزب الديمقراطي ومؤسسات الحكم الفيدرالية، مع وصول وجوه جديدة إلى مجلسي النواب والشيوخ، وتراجع نفوذ عدد من القيادات التقليدية، في تحول يعكس انتقال هذا التيار من قوة انتخابية صاعدة إلى لاعب مؤثر في مستقبل الحزب والسياسة الأمريكية، خصوصا في ملفات الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والسياسة تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وأظهرت نتائج الانتخابات التي جرت في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الكونغرس، بالتزامن مع تحقيق اختراقات في سباقات انتخابية بولايات اعتاد الجمهوريون المنافسة فيها من موقع متقدم، ما شكل انتكاسة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزبه.

وبرزت أربعة اختراقات ديمقراطية في سباقات مجلس الشيوخ بولايات تكساس وكانساس وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية، حيث خسر مرشحون حظوا بدعم ترامب مقاعد ظل بعضها في قبضة الجمهوريين لعقود.

ولم تقتصر أسباب هذا التحول على المواقف السياسية، إذ تصدرت الأعباء الاقتصادية حملات المرشحين الديمقراطيين، من ارتفاع أسعار الغذاء والوقود إلى تكاليف السكن والرعاية الصحية، إلى جانب انتقاد سياسات ترامب ونفوذ الأثرياء والشركات الكبرى في واشنطن.

من ممداني إلى عبد الرحمن السيد.. صعود جيل جديد

قبل نحو عام ونصف، أثار صعود زهران ممداني، السياسي المسلم من أصول هندية، جدلا واسعا داخل الحزب الديمقراطي، بعدما فاز في الانتخابات التمهيدية لرئاسة بلدية نيويورك في حزيران/يونيو 2025، ثم انتُخب عمدة للمدينة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه.

وأثار صعوده مخاوف الجناح المعتدل من أن يؤدي تمدد اليسار التقدمي إلى تعميق الانقسامات داخل الحزب وإضعاف قدرته على منافسة الجمهوريين، لكن نتائج انتخابات 2026 قدمت مؤشرات مغايرة، بعدما حقق هذا التيار اختراقات انتخابية عززت حضوره داخل المؤسسات التشريعية.

وكان من أبرز هذه الاختراقات فوز الطبيب الأمريكي من أصول مصرية عبد الرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، بعد هزيمته المرشح الجمهوري مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية المجلس.

وتكتسب النتيجة أهمية إضافية لأن ميشيغان من الولايات التي صوتت لترامب في انتخابات 2024، فيما واجه السيد خلال حملته هجمات على خلفيته الدينية ومواقفه من دولة الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب إعلان منافسته السابقة في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، هايلي ستيفنز، دعم خصمه الجمهوري.

وجوه جديدة تعزز الحضور التقدمي في الكونغرس
ولم يكن فوز عبد الرحمن السيد حالة منفردة، إذ شهدت الانتخابات صعود شخصيات أخرى تعكس اتساع حضور التيار التقدمي وتنوع تمثيله داخل الكونغرس.

ففي نيوجيرسي، فاز الطبيب الأمريكي من أصول مصرية آدم حموي بمقعد في مجلس النواب، بعدما عُرف بمشاركته في علاج جرحى قطاع غزة.

وفي كولورادو، تمكنت ميلات كيروس، ذات الأصول الإثيوبية، من إزاحة النائبة المخضرمة ديانا ديغيت في الانتخابات التمهيدية، قبل الفوز بمقعد في مجلس النواب.

كما فازت في نيويورك دارياليزا أفيلا شوفالييه، ذات الأصول الدومينيكية، وكلير فالديز المدعومة من ممداني، فيما انتُخبت جوليانا ستراتون، وهي أمريكية سوداء، لمجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي.

وتعزز هذا الحضور بإعادة انتخاب النائبتين رشيدة طليب، الفلسطينية الأصل، وإلهان عمر، الصومالية الأصل، بما يعكس استمرارية حضور التيار التقدمي واتساع تمثيله داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.

الاقتصاد والسياسة تجاه إسرائيل.. عناوين البرنامج التقدمي
وتتجاوز دلالات هذه النتائج، وفق مراقبين نقلت عنهم إذاعة مونت كارلو الفرنسية، مسألة التنوع العرقي والديني للوجوه الفائزة، لتشمل صعود برنامج سياسي يتحدى نفوذ القيادات التقليدية داخل الحزب الديمقراطي.

فقد ركز عدد من المرشحين الفائزين على قضايا العدالة الاجتماعية، وتوسيع مظلة التأمين الصحي، ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى، إلى جانب الدعوة إلى مراجعة السياسة الأمريكية تجاه دولة الاحتلال الإسرائيلي.

ويعكس ذلك تحولا في أولويات قطاعات من القاعدة الديمقراطية، التي باتت تربط بين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الداخلية ومواقف واشنطن الخارجية، بما فيها الدعم الأمريكي للاحتلال والحروب والسياسات التي تتبناها إدارة ترامب.

كما تكشف الإطاحة بنواب مخضرمين خلال الانتخابات التمهيدية عن تنامي رغبة داخل قطاعات من الحزب في الدفع بجيل جديد إلى الواجهة، وتجاوز بعض القيادات التي هيمنت طويلا على القرار الحزبي.

اختبار النفوذ داخل الكونغرس.. والصراع يمتد إلى 2028
وتمنح هذه الانتصارات التيار التقدمي فرصة لتعزيز موقعه في موازين القوى داخل الحزب، خصوصا أن فوز عبد الرحمن السيد في ولاية متأرجحة يضعف الاعتقاد بأن اليسار عاجز عن استقطاب الناخبين خارج معاقله الانتخابية التقليدية.

في المقابل، لا يزال الجناح المعتدل يحتفظ بنفوذ داخل الحزب الديمقراطي، ويتمسك بأن استقطاب الناخبين الوسطيين يمثل شرطا أساسيا للحفاظ على الأغلبية وتوسيع القاعدة الانتخابية.

ومن هنا، ينتقل التنافس بين التيارين من صناديق الاقتراع إلى أروقة الكونغرس، حيث سيكون الاختبار الحقيقي لقدرة التقدميين على ترجمة مكاسبهم الانتخابية إلى تأثير في التشريعات والسياسات وأولويات الحزب، خلال الفترة المتبقية من ولاية ترامب، التي يتوقع أن تشهد مواجهات سياسية وتشريعية واسعة.

ويرى محللون أن التحول الذي بدأ مع صعود ممداني وإعادة تعريفه لملامح الخطاب الديمقراطي بات يمتد إلى المؤسسات الفيدرالية، فاتحا نقاشا أوسع بشأن مستقبل الحزب في انتخابات الرئاسة عام 2028، وما إذا كان الجيل التقدمي الجديد سينجح في التحول من قوة انتخابية صاعدة إلى طرف رئيسي في رسم السياسة الأمريكية، داخليا وخارجيا.