
ما جرى في واشنطن وتل أبيب ليس مجرد تغيير في نتائج الانتخابات بل تحوّل كبير في معادلات القوة السياسية قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة في المنطقة والعالم ترامب وحزبه تلقيا هزيمة قاسية في الانتخابات النصفية الأمريكية ونتنياهو خسر وأيزنكوت يتجه إلى تشكيل الحكومة الجديدة إنها تحولات كبيرة لا يجوز التقليل من شأنها لكن السؤال الأهم: هل نملك سياسة فلسطينية قادرة على استثمار هذه اللحظة وتحويلها إلى مكاسب وطنية؟.
الأهمية في ما جرى أمريكيا لا تقتصر على خسارة الجمهوريين للكونغرس بل تمتد إلى الأسباب السياسية التي بدأت تظهر داخل الحزب نفسه فقد حمّل نائب الرئيس فانس الحرب على إيران مسؤولية الهزيمة وأشار بوضوح إلى ضرورة مراجعة العلاقة مع دولة الاحتلال كما أقر ترامب بأن الحرب على إيران ساهمت في خسارة حزبه لكنه دافع عن قراره بخوضها في مفارقة تكشف كيف انفرد باتخاذ قرار تجنب الرؤساء الأمريكيون السابقون الانزلاق إليه وكيف استطاع نتنياهو جرّه إلى هذا الوحل ليجد ترامب وحزبه نفسيهما أمام كلفته السياسية والانتخابية.
وهذا تطور بالغ الأهمية فدولة الاحتلال لم تعد تحظى بالإجماع الأمريكي التقليدي الذي تمتعت به لعقود بل أصبحت سياسات حكومتها وحروبها في المنطقة موضع خلاف داخل الحزبين ولم يعد دعمها مكسبا سياسيا مضمونا كما كان في السابق وقد ظهرت مؤشرات هذا التوتر حتى في عهد بايدن الذي اتهم نتنياهو ضمنيا بإطالة أمد الحرب في غزة في وقت كانت فيه إدارته تسعى إلى إنهائها و تجنب ثمن إستمرارها.
هذه الوقائع تفرض علينا قراءة مختلفة للمشهد لسنا أمام انتصار تلقائي للقضية الفلسطينية ولا يجوز أن نستبدل الرهان على الجمهوريين بالرهان على الديمقراطيين فحرب الإبادة على غزة بدأت في عهد بايدن الذي زار دولة الاحتلال وقدم لنتنياهو دعما سياسيا وعسكريا واسعا لكننا أمام تحول في المزاج السياسي الأمريكي وفي حسابات الحزبين ويجب أن نعرف كيف نستثمره.
المطلوب أن نتعامل مع واشنطن باعتبارها منظومة قرار لا باعتبارها رئيسا فقط فالإدارة تملك القرار التنفيذي لكن الكونغرس يملك التشريع والتمويل والرقابة والمساءلة ومع انتقال المجلسين إلى سيطرة الديمقراطيين أصبحت هناك مساحة أكبر لتقييد سياسات ترامب ومساءلة إدارته وفتح الملفات التي كانت مغلقة و إذا كان البيت الأبيض قد أغلق أبوابه أمام الفلسطينيين فلا يجوز أن نغلق نحن أبوابنا أمام الكونغرس و علينا الحفاظ على ما يمكن من قنوات التواصل مع الإدارة وبناء علاقة سياسية منظمة ومستمرة مع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ من الحزبين والاستفادة من التناقضات داخل المؤسسة الأمريكية بدلا من الاكتفاء بانتظار تغير مواقفها.
وهذا يحتاج إلى خطة وطنية عملية لا إلى بيانات ومواقف عامة نبدأ بالتواصل المباشر مع أعضاء الكونغرس ودعوتهم إلى زيارة فلسطين ليروا الاحتلال والاستيطان والاعتداءات بأعينهم إذا تعذر سفر وفودنا إلى واشنطن ونعيد طرح حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ونعمل على إلغاء القرارات والقيود الأمريكية التي أوقفت الدعم عن الشعب الفلسطيني والأونروا واستعادة التمويل والمساعدات كما يجب أن نتحرك دوليا لإلغاء مجلس السلام وإعادة النظر في قرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025 ورفض أي ترتيبات تنتقص من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره أو تفرض وصاية على مستقبله والتأكيد أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وأن أي ترتيبات سياسية أو إدارية تخص غزة وفلسطين يجب أن تتم بالتنسيق معها لا بتجاوزها أو إيجاد بدائل عنها.
ولا يقل أهمية عن ذلك تحريك ملفات المساءلة الدولية ومحاسبة نتنياهو وقادة الاحتلال على جرائم الحرب ودعم المحكمة الجنائية الدولية وحماية استقلال قراراتها كما يجب أن نضع أمام الكونغرس ملفات قتل المواطنين الأمريكيين والاعتداء عليهم من قبل دولة الاحتلال من راشيل كوري وشيرين أبو عاقلة وعمر أسعد وعائشة نور إيغي إلى هايدي ليفين التي تعرضت لاعتداء خطير في قرية أبو فلاح والاعتداءات على أمريكيين من أصول فلسطينية وحرق منازلهم وممتلكاتهم في ترمسعيا وغيرها هذه ليست مجرد وقائع إنسانية بل ملفات سياسية وقانونية يجب أن تتحول إلى أدوات للمساءلة والضغط.
أما في دولة الاحتلال فإن هزيمة نتنياهو رغم الدعم الذي أعلنه ترامب له تحمل دلالات سياسية مهمة لكن علينا ألا نخلط بين سقوط نتنياهو وسقوط سياساته أو نفترض أن وصول أيزنكوت إلى رئاسة الحكومة سيعني تلقائيا تغييرا في التعامل مع شعبنا المطلوب متابعة هذا التحول والتعامل معه بواقعية واستثمار أي خلاف أو فرصة يمكن أن تخدم حقوقنا الوطنية.
لكن التحدي الأكبر يبقى في الداخل الفلسطيني فلا يمكن أن نطالب العالم بتغيير سياساته تجاهنا بينما نبقي مؤسساتنا وأدواتنا السياسية على حالها فالانتخابات الرئاسية والتشريعية أصبحت ضرورة وطنية لتجديد الشرعيات وإعادة بناء الثقة لكن إجراءها لا يتحقق بمجرد إصدار مرسوم انتخابي بل يتطلب ضمانات دولية واضحة تلزم دولة الاحتلال برفع القيود والعراقيل أمام العملية الانتخابية وهذا يشمل رفع الحواجز العسكرية وتسهيل حركة المواطنين والمرشحين وفرق لجنة الانتخابات المركزية ووقف الحرب والقصف والعمليات العسكرية في قطاع غزة وتوفير الظروف الأمنية واللوجستية التي تمكن اللجنة من ممارسة عملها بحرية في غزة والضفة الغربية والقدس وضمان مشاركة المقدسيين و الغزيين ترشحا وانتخابا دون تدخل أو منع إسرائيلي كما يتطلب ذلك إشراكا أوروبيا فاعلا من خلال توفير الرقابة الدولية على الانتخابات وتقديم الدعم الفني واللوجستي للجنة الانتخابات وممارسة الضغط السياسي لضمان حرية عملها ووصولها إلى جميع المناطق الفلسطينية بما فيها القدس وغزة فالانتخابات يجب أن تكون شاملة وحرة ونزيهة وأن تعكس إرادة الشعب الفلسطيني لا أن تتحول إلى عملية شكلية تجري تحت قيود الاحتلال أو تستثني جزءا من شعبنا.
ونحتاج إلى مراجعة وتغيير جدي في مؤسساتنا في مؤسسة الرئاسة والحكومة والأجهزة الأمنية ووزارة الخارجية والسفراء والمحافظين على أساس الكفاءة والمساءلة وتجديد الدماء كما نحتاج إلى سياسة خارجية أكثر فاعلية قادرة على بناء التحالفات وفتح القنوات واستثمار التحولات الدولية لا الاكتفاء بردود الفعل وانتظار مواقف الآخرين.
والأهم من ذلك كله إنهاء الانقسام وتحقيق وحدة وطنية حقيقية مع جميع الفصائل دون استثناء على أساس برنامج سياسي متوافق عليه وتحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
إن ما يجري في واشنطن وتل أبيب قد يشكل بداية مرحلة جديدة وربما يفتح فرصا لم تكن متاحة من قبل لكن الفرص لا تتحول إلى إنجازات بمجرد حدوثها ولا يكفي أن يخسر خصومنا حتى ننتصر علينا أن نمتلك رؤية وخطة وأدوات قادرة على تحويل التغيرات في موازين القوى إلى مكاسب سياسية ووطنية.
العالم يتغير من حولنا والسؤال لم يعد ماذا خسر ترامب ونتنياهو بل ماذا سنفعل نحن؟ وهل نملك الإرادة والقدرة على تغيير سياستنا واستثمار هذه اللحظة أم سنكتفي مرة أخرى بمشاهدة الفرص وهي تضيع؟.