
كتبت رانيا غازي أبو غوش: كانت غزة وفلسطين في قلب خطاب جلالة الملكة رانيا العبد الله أمام قمة «عالم شاب واحد» في كيب تاون بجنوب أفريقيا، وربط خطابها بذكاء لافت بين الظلم الفادح الذي يتعرض له الفلسطينيون منذ عشرات السنين ولا يزالون، وبين هموم واهتمامات الشباب والأجيال الناشئة في عالم اليوم حيث يستقون معلوماتهم من تدفق البيانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة. وقد وجّهت الملكة رسالة تتجاوز التحذير من سطوة منصات التواصل، إلى تحديد مسؤولية الجيل الجديد في زمن التضليل: أنظروا إلى التقارير، لا إلى المقاطع السريعة فحسب! ليست الدعوة إلى هجر الشاشات، بل إلى عدم تسليم الوعي لها. فالمقطع القصير ينقل لحظة وقد يوقظ التعاطف، لكنه لا يحيط دائماً بالسياق، ولا يحدّد المسؤولية، ولا يكشف ما وراء الصورة من حقائق قانونية وإنسانية. أما التقارير الموثقة، فتضع الحدث في إطاره، وتفصل بين الانطباع والدليل، وبين الرواية والواقع.
في زمن الضجيج، تُختزل الحقائق في ثوانٍ، وتتحول المأساة أحياناً إلى مادة تنافس على المشاهدة. وهنا تكتسب رسالة الملكة معناها الأهم: العدالة لا تُبنى على ما يحقق انتشاراً أكبر، بل على ما تثبته الوقائع. لذلك، لا يكفي أن يتأثر الشباب بما يرونه؛ عليهم أن يسألوا عن المصدر، وأن يقرأوا التقارير الحقوقية والبيانات الموثقة، وأن يتحققوا من الادعاءات قبل تبنيها أو نشرها. في فلسطين، لا تكفي صورة الألم وحدها، مهما بلغت قسوتها. فالصورة تحتاج إلى أن تُقرأ في ضوء الحق في حماية المدنيين، وإتاحة وصول الغذاء والماء والدواء، ورفض التهجير القسري والعقاب الجماعي. ولا ينبغي أن تُترك هذه المبادئ رهناً للمزاج السياسي أو لمعادلة القوة، لأنها التزامات قانونية وإنسانية لا تتغير تبعاً لهوية الضحية أو الطرف المسؤول. وتطرقت الملكة بوضوح إلى استمرار معاناة الفلسطينيين في غزة، مستذكرة أن آلافاً احتفلوا قبل عام بما ظنوه نهايةً لكابوسهم، قبل أن يتبين، وفقاً لما أعلنته أكثر من مئة منظمة غير حكومية، أن وقف إطلاق النار «لا وجود له إلا بالاسم». كما سلّطت الضوء على الضفة الغربية، حيث جعلت الحواجز والمداهمات والاستيلاء على الأراضي والعنف الاستيطاني حياة الفلسطينيين شديدة القسوة، وتوقفت عند ما شهدته الخليل من إغلاق وتهجير. وفي هذا السياق، استحضرت قول الزعيم الراحل نيلسون مانديلا "إن حرية جنوب إفريقيا لا تكتمل من دون حرية الفلسطينيين".
رسالة الملكة رانيا إلى الشباب ليست دعوة إلى غضب منفلت، بل إلى وعي منظم وقادر على التأثير. فالغضب من الظلم ليس ضعفاً، لكنه لا يصبح قوة عامة إلا حين يستند إلى معرفة دقيقة، وحين يستطيع صاحبه أن يميّز بين الخبر والرأي، وبين الدليل والدعاية، وبين التعاطف الصادق والاستغلال الإعلامي للمشاعر. يمتلك هذا الجيل أدوات استثنائية: الوصول إلى المعلومات، والقدرة على التحقق، والتواصل عبر الحدود، وصناعة رأي عام مؤثر. لكن الأدوات لا تصنع أثراً بذاتها؛ فقيمتها تتحدد بما يُبنى عليها. فالوعي الذي يكتفي بالعناوين والمقاطع السريعة يظل عرضة للتوجيه، فيما يصبح الوعي القائم على البحث والتدقيق أداة حقيقية للمساءلة والضغط. قدّمت جلالة الملكة رانيا العبدالله في كيب تاون نموذجاً لدبلوماسية واضحة لا تساوم على الحقائق ولا تختبئ خلف العبارات العامة. لم تطلب تعاطفاً مؤقتاً مع فلسطين، بل دعت إلى موقف واعٍ يعرف لماذا يتضامن، وعلى أي أساس قانوني وإنساني يقف. فالحرية والعدالة ليستا منّة تمنحها القوى الكبرى، ولا مكافأة تؤجَّل إلى حين. إنهما حقان أصيلان لا يقبلان التجزئة. ورسالة الملكة إلى الجيل الجديد واضحة: ابحثوا عن الحقيقة كاملة، واقرأوا ما وراء الشاشة، واجعلوا المعرفة أداة ضغط في وجه التهميش والصمت. وفي رسالة مباشرة للأجيال الجديدة، حثت الملكة الشباب على الانحياز للحق والتحقق من مصادر المعلومات والأرقام، مشددة على أن "الأدلة هي أقوى سلاح". وأكدت بعبارة حاسمة أن إدراك المعاناة لا يتطلب تعقيداً: "لستم بحاجة إلى معرفة الإحداثيات الجغرافية لمستشفى ما لتدركوا أنه لا يجوز قصفه".