
أيها الشاكي الباكي، خلف الأبواب الموصدة والغرف المغلقة، ماذا تنتظر؟ وعلى من تلقي بمأساتك كل مساء، وأنت الذي أغلقت النوافذ بيديك، وأسدلـت الستائر على ما تبقى من ضوء، وجلست تعد خساراتك، وتستعيد حكايات أجدادك، وتبكي على أطلال مدن لم تعد تعرف الطريق إليها؟ ماذا تنتظر بعد كل هذا الانتظار؟ أقيصر جديدا يقتلك، أم جلادا آخر يبدل وجهه ويبقي السوط ذاته؟ أم تنتظر أن ينهض الموتى من قبورهم ليقاتلوا عن الأحياء الذين استقالوا من الحياة؟
أيها الشاكي الباكي، لقد أتقنت فن الرثاء حتى صار الرثاء هويتك، وأصبحت تحفظ أسماء الهزائم أكثر مما تحفظ أسماء الأشياء التي ينبغي أن تفعلها كي لا تتكرر الهزيمة. تبكي الأمس، وتلعن اليوم، وتخاف الغد، ثم تعود في المساء إلى مقعدك ذاته، وإلى حكايتك ذاتها، وإلى قاموسك الذي لم يعد يتسع سوى للمظلومية والخذلان والخيبة. كأنك خلقت لتكون شاهدا على موت الأشياء، لا شريكا في صناعة الحياة، وكأن التاريخ لم يترك لك من أدواره سوى دور المتفرج الذي يصفق للمنتصر، ويبكي على المهزوم، ثم يذهب إلى فراشه مطمئنا إلى أن المأساة ليست مسؤوليته.
يا هذا، متى ستدرك أن التاريخ لا يحفظ أسماء الذين بكوا طويلا، وأن الذاكرة وحدها لا تحرر أرضا، وأن استعادة أمجاد الماضي لا تصنع مستقبلا، وأن الذين ينامون على وسائد البطولات القديمة يستيقظون ذات صباح ليكتشفوا أن الآخرين قد اقتسموا ما تبقى من خرائطهم؟ كم مرة ستستدعي صلاح الدين، وكم مرة ستستحضر القادسية وحطين، وكم مرة ستحدث أبناءك عن الفرسان الذين عبروا ذات يوم، بينما أنت لا تملك اليوم سوى حكايات الفرسان، وبعض الصور المصفرة، وخطابات حماسية تتبخر عند أول امتحان؟ لقد صار الماضي عندك ملجأ من الحاضر، وصارت البطولة حكاية ترويها للآخرين كي لا يسألوك أين أنت من كل هذا الخراب.
ايها الشاكي الباكي هنا في الارض الموجوعة والمسكونة بالهم والمطاردة للحلم ، فمأساتك أكثر قسوة، لأنك لم تعد تنتظر الخلاص من عدوك وحده، بل صرت تنتظر حتى من نفسك أن تتحرك، فلا تتحرك. تقف على شرفة المأساة، تنظر إلى ما يحدث حولك، وتحصي أسماء الذين رحلوا، وتستعيد صور البيوت التي تهدمت، والقرى التي غابت، والمدن التي تغيرت ملامحها، ثم تعود إلى يومك العادي كأن شيئا لم يحدث، وكأن كل هذا الخراب مشهد بعيد لا يمس حياتك إلا بمقدار ما يمنحك مادة جديدة للبكاء والشكوى. تنتظر أن يأتي أحد من مكان ما، أن يحمل عنك العبء، وأن يقرر بالنيابة عنك، وأن يفتح لك الطريق، وأن يستعيد لك ما ضاع، بينما أنت تواصل انتظار المنتظرين، وتنتظر انتظار الذين ينتظرون.
يا ابن التاريخ، لقد طال وقوفك في طوابير الوعود، وطال انتظارك للقيادات التي لا تصل، وللمؤسسات التي لا تعمل، وللبرامج التي لا تغادر الورق، وللخطابات التي تتغير مفرداتها ولا تتغير نتائجها. صار الانتظار نظام حياة، وصارت المراوحة في المكان سياسة، وأصبح العجز وجها آخر من وجوه الواقعية، حتى بات السؤال عن الفعل ضربا من التهور، والسؤال عن المسؤولية خروجا عن الإجماع، ومساءلة الذين قادوك إلى هذا المأزق نوعا من التطاول على التاريخ والرموز والتضحيات.
يا أيها الشاكي الباكي، لا أحد يطلب منك أن تنسى شهداءك، ولا أن تتخلى عن ذاكرتك، ولا أن تدير ظهرك لجراحك، لكن الذاكرة التي لا تنتج وعيا تتحول إلى مقبرة، والدمعة التي لا توقظ سؤالا تتحول إلى عادة، والحزن الذي لا يفضي إلى مراجعة يصبح وسيلة أخرى للتعايش مع الهزيمة. ليست المشكلة أنك تبكي، بل أنك جعلت من البكاء بديلا عن التفكير، ومن التحسر بديلا عن الفعل، ومن استعادة المأساة وسيلة للهروب من مسؤولية مواجهتها. وليس عيبا أن تحزن على ما ضاع، لكن العيب أن تتصالح مع ضياعه، وأن تتعامل مع الخراب باعتباره قدرا لا يجوز الاقتراب من أسبابه، وأن تواصل البحث عن كبش فداء في كل مكان إلا في المرآة.
لقد آن الأوان أن نسأل أنفسنا .. كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف تحول شعب عرف معنى المواجهة والتضحية إلى شعب ينتظر من الآخرين أن يكتبوا له مصيره؟ كيف أصبحت البطولة مادة في الخطب، وأصبحت التضحيات صفحات في كتب الذكريات، وأصبح المستقبل مجرد وعد جديد يضاف إلى قائمة الوعود القديمة؟ وكيف أصبحنا نخاف من السؤال أكثر مما نخاف من استمرار الانحدار؟ إن الشعوب لا تفقد قدرتها على النهوض دفعة واحدة، بل تفقدها بالتدريج، حين تتنازل كل مرة عن سؤال، وتقبل كل مرة بتبرير، وتؤجل كل مرة مواجهة، حتى تستيقظ ذات يوم لتكتشف أن الانحناء لم يعد موقفا عابرا، بل أصبح جزءا من تكوينها السياسي والاجتماعي.
لا تحلموا بعالم يتغير من تلقاء نفسه، ولا تنتظروا أن يموت قيصر كي يولد زمن الحرية، فكم من قيصر رحل وترك خلفه ألف قيصر، وكم من راية ارتفعت فوق ركام راية أخرى، وكم من خطاب ثوري انتهى إلى مقعد في سلطة عاجزة. لا يكفي أن يتغير الأشخاص إذا بقيت العقلية ذاتها، ولا يكفي أن تتبدل الوجوه إذا ظلت البنية التي تنتج الخضوع قائمة. وليس كل من رفع شعارا ثوريا ثائرا، وليس كل من تحدث عن المقاومة قادرا على حمل مسؤوليتها، وليس كل من استعاد أسماء الشهداء وفيا لمعاني تضحياتهم.
أيها الشاكي الباكي، ارفع رأسك وانظر إلى المرآة. ليس المطلوب أن تبحث فيها عن وجه بطل خارق، ولا عن صورة مثالية لشعب لا يخطئ، بل أن ترى الإنسان الذي أنهكه الانتظار، والمواطن الذي فقد ثقته بكل شيء، والجيل الذي ورث الحكايات ولم يرث معها طريقا واضحا إلى المستقبل. انظر جيدا، فربما تكتشف أن أخطر ما أصابك ليس ما فعله بك الآخرون وحدهم، بل ما فعلته بك سنوات طويلة من الاعتياد على العجز، وما فعلته بك ثقافة التبرير، وما فعلته بك قيادات جعلت من الزمن حليفا لها ومن الانتظار وسيلة لإدامة بقائها.
أما المقدس، الذي حملناه في الذاكرة والوجدان، فلا يحتاج إلى مزيد من القصائد التي ترثيه، ولا إلى خطابات تستثمر اسمه في مواسم السياسة، بل يحتاج إلى حضور في الوعي والمسؤولية، وإلى فعل يرفض أن تتحول المدينة إلى حكاية يرويها الغائبون، أو إلى مشهد يتأمله العابرون. فالقدس لا تعيش على ذاكرة الذين يتغنون بها من بعيد، ولا تستعيد مكانتها بمجرد أن نعلق صورها على الجدران، وإنما بمقدار ما نملك من إرادة لحماية إنسانها وصون وجوده ومواجهة السياسات التي تستهدف حياته وهويته ومستقبله.
وليس في هذا كله دعوة إلى انتحار جديد، ولا إلى استنساخ مآسينا، ولا إلى إرسال جيل آخر نحو مشانق لا تنتهي، بل دعوة إلى استعادة معنى الفعل، وإلى كسر ثقافة الخوف والتبعية، وإلى بناء وعي لا يقبل أن يكون القطيع بديلا عن المجتمع، ولا الصمت بديلا عن الموقف، ولا الولاء للأشخاص بديلا عن الانتماء للقضية. فالثورة التي لا تبدأ بتحرير العقل من الخضوع ستعيد إنتاج الخضوع نفسه، والحرية التي لا تقوم على وعي ومسؤولية ستتحول إلى شعار آخر يضاف إلى أرشيف الشعارات.
أيها الشاكي الباكي، كفى بكاء على الأبواب المغلقة، وكفى تحسرا على الأزمنة التي مضت، وكفى استدعاء للموتى كي يعاتبوا الأحياء. إن الذين رحلوا لا ينتظرون منك قصيدة رثاء جديدة، ولا الذين بقوا ينتظرون منك دمعة أخرى. إنهم ينتظرون أن تتوقف هذه الأمة عن معاملة الهزيمة باعتبارها خبرا يوميا، وأن يتوقف هذا الشعب عن توريث أبنائه الخوف بوصفه حكمة، وأن يتوقف أولئك الذين يتحدثون باسمه عن اعتبار صمته تفويضا، وعن اعتبار صبره قبولا، وعن اعتبار عجزه دليلا على الرضا.
فإلى متى ستبقى تنتظر؟ وإلى متى ستظل تحرس أبواب الهزيمة وتبكي خلفها؟ أما آن لك أن تفهم أن الزمن لا ينتظر أحدا، وأن الذين يواصلون الانحناء لا يورثون أبناءهم سوى القدرة على الانحناء؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب ليس أن يخسر معركة، بل أن يفقد القدرة على تخيل معركة أخرى، وأن يصبح الانتظار عنده بديلا عن المستقبل، وأن تتحول الهزيمة من واقعة في التاريخ إلى طريقة في الحياة.
أيها الشاكي الباكي... لا تبك وحدك، فهذه البلاد لم تعد تحتمل مزيدا من الدموع، لكنها أيضا لم تعد تحتمل مزيدا من الصمت.