د. عقل أبو قرع يكتب لوطن: حول مفهوم الامن الدوائي في بلادنا

05/11/2026

لا يوجد شك ان موضوع توفر أو سلامة أو فعالية أو صلاحية الأدوية البشرية هو موضوع مهم لكافة الناس، سواء للمرضى أو لغيرهم، وبالطبع يزداد هذا الموضوع أهمية عند المريض الذي يستهلك أدويه، وخاصة في حين لا تحقق الادوية التي يتناولها المريض الفائدة المرجوة منها، أو حين تكون تداعيات استعمالها سلبية أو وخيمه أو حتى من الممكن ان تكون مميته، وبالأخص حين يتم تناول هذه الأدوية لأمراض خطيره، وخلال فترات زمنيه طويلة، وبالتالي من حق المستهلك المريض، أن يحصل على معلومات حول موضوعين مهمين يتعلقان بالدواء الذي يستهلك، وبالتالي الامن الدوائي وهما موضوعي السلامة والفعالية.

وبالإضافة الى أهمية وصول المعلومة الصحيحة وبشكل منظم، الى المريض أو الى المستهلك الفلسطيني، حول سلامة وفعالية الدواء الذي يستهلك، تطالعنا الانباء بين الفينة والاخرى عن ضبط أو مصادرة، أو عن وجود أدوية ومستحضرات صيدلانيه أو طبيه غير صالحة للاستهلاك، أو منتهية الصلاحية، أو غير مرخصة، أو مجهولة المصدر ، وتتواجد في الاسواق الفلسطينية، حيث تكمن الخطورة أن هذه المستحضرات وربما بسبب رخص ثمنها، من الممكن أن تجد طريقها وبسهولة الى أيادي المستهلك الذي يستعملها، وما لذلك من أثار ومن تداعيات، قد تكون فورية على شكل تسمم أو على شكل أعراض مرضية، أو من خلال أثار بعيدة المدى على شكل أمراض خطيره تظهر بعد فترة، بدون أو يكون من الصعوبة تفسيرها أو يكون الوقت قد مر من اجل علاجها أو للتعامل مع مضاعفاتها.
حيث من المعلوم ان شركات الادوية سواء اكانت الشركات العالمية أو المحلية، وقبل طرح الدواء الجديد في السوق، تقوم بأجراء اختبارات السلامة ولسنوات طويلة على المادة الكيميائية الفعالة والمواد الكيميائية غير الفعالة دوائيا الاخرى التي تدخل في تركيبة الدواء، وقبل ان يتم فحص او اختبار الدواء الجديد على المرضى، أي قبل ان يتم طرحه في السوق، حيث يكون قد تم اجراء دراسات السلامة والفعالية على حيوانات في المختبر او على متطوعين اصحاء من البشر.
وبالتالي فان عدم صلاحية الدواء، قد تعني عدم  ثبات المواد الكيميائية فيه، وهو مؤشر على عدم سلامة الدواء، ويمكن ان تظهر اعراض عدم سلامة الدواء على المريض الذي يستهلك الدواء غير السليم بشكل فوري، أو بعد فترة طويلة، وفي حال حدثت يعجز المريض او الطبيب عن ايجاد تفسير لها حيث نعرف أنه حسب القوانين المطبقة في اي بلد، فان الدواء يجب ان يحمل تاريخ انتهاء صلاحية الدواء، وكذلك الظروف البيئية لتخزين الدواء، وتاريخ انتهاء الصلاحية يعتمد على عدة عوامل، منها نوعية الدواء، وشكل الدواء اذا ما كان سائل، او صلب، والطريقة التي يعطى بها للمريض، وطبيعة المواد الكيميائية المتواجدة في الدواء، وبالأخص المادة الكيميائية الفعالة، من حيث عدم تحللها الى مواد كيميائية اخرى خلال فترة زمنية محددة، وبالتالي فأن موضوع وجود ادوية في السوق منتهية الصلاحية يجب التعامل معها على انها غير صالحة للاستعمال، وخاصة اذا كانت هذه الادوية تعطى لأمراض حساسة وعضالة ولفترات طويلة.
ومن أجل مكافحة ظاهرة عدم الأمان للأدوية، وبالإضافة الى الدور الرقابي الدوري الذي من المفترض أن تقوم به الجهات الرسمية متمثلة في وزارة الصحة وغيرها من الدوائر، من المفترض أجراء الفحوصات الدورية التي يتم تطبيقها على الادوية قبل تسجيلها او قبل تسويقها، وكذلك يجب اعادة اجراء الفحوصات المخبرية في حال الشك بفعالية او بسلامة الدواء، واذا كان هناك خلل بناء على نتيجة الفحوصات، يجب اتخاذ الاجراءات المطلوبة ومنها الاجراءات القضائية، وانه يجب تطبيق القوانين الفلسطينية وبحزم وخاصة على الجهات التي تسوق الادوية والمستحضرات الفاسدة أو غير الصالحة ، وكذلك على من يسوق المستحضرات الكيميائية الاخرى من مواد تجميل ومنظفات وما الى ذلك.
وبالإضافة الى إمكانية وجود أدوية غير صالحة في الأسواق، فأن مجتمعنا يعاني في بعض الأحيان من عدم توفر بعض الادوية، مع العلم اننا نملك صناعة دوائية متقدمة نسبيا، حيث ان الصناعة الدوائية الفلسطينية، تغطي حوالي 50% من الاحتياجات المحلية من الادوية، وكذلك من القيمة السوقية لسوق الادوية في بلادنا،  وان استيراد الادوية للأمراض غير السارية أو المزمنة، يستنزف جزءا كبيرا من ميزانية وزارة الصحة، لان الوزارة بعياداتها ومستشفياتها ومراكزها هي المستهلك الرئيسي لهذه الادوية، وبالتالي سواء أكان ذلك لأسباب مالية او لوجستية او حتى لأسباب سياسية تمنع القدرة على استيراد الادوية التي يحتاجها المريض الفلسطيني، فأن ذلك سوف يؤدي الى تضعضع مفهوم الامن الدوائي عندنا، وهذا يدعونا الى التركيز على تطوير الصناعة الدوائية المحلية.  
وتطوير هذه الصناعة،  بشكل افقي أو عمودي، أي بزيادة كمية الإنتاج أو بإضافة أصناف جديدة،  من الممكن ان يصب في اطار تحقيق مفهوم الامن الدوائي عندنا، حيث معلوم ان هذه الصناعة هي في مجملها صناعة تحويلية، وتعتبر من الصناعات التي تتمتع بأفاق كبيرة للتطور، سواء من حيث زيادة الانتاج لأصناف حالية تقوم بتصنيعها، وبالتالي تغطية اسواق جديدة في الداخل او الخارج، او من حيث التوسع في انتاج اصناف جديدة يحتاجها المريض او السوق الفلسطيني، ولكنه ما زال يستوردها من الخارج، وبالأخص الادوية للأمراض غير السارية او المزمنة.