التعليم هو الاستثمار الأطول عمرا في الاقتصاد

04/11/2026

 كتبت رانيا غازي أبو غوش: لا يُقاس التعليم بعدد المدارس والجامعات أو أعداد المقبولين فيها فقط، بل بقدرته على إنتاج مهارات يحتاجها الاقتصاد، وفرص عمل قابلة للاستمرار، وبحوث قابلة للتطبيق، وخدمات تعليمية تستطيع المنافسة خارجياً.

بهذا المعنى، لم يعد التعليم بنداً إنفاقياً تقليدياً في الموازنة، بل قطاعاً اقتصادياً تتداخل فيه الأسر والجامعات وسوق العمل والبحث العلمي والخدمات. وكل دينار يُنفق فيه يجب أن يُقرأ من زاوية العائد: ماذا أنتج؟ ولمن؟ وهل خلق قدرة إنتاجية جديدة؟
في العام الجامعي 2025-2026، بلغ عدد الدارسين في مؤسسات التعليم العالي الأردنية 480,009 طلبة وطالبات، بينهم 55,410 طلبة وافدين من 119 دولة. هذه الكتلة لا تعني مقاعد دراسية فقط؛ بل تعني سوقاً لتصدير الخدمات التعليمية، وإيرادات للجامعات، وحركة في السكن والنقل والاتصالات والخدمات الصحية والاستهلاكية.
لكن الطالب الوافد لا يختار الدولة بسبب المقعد وحده. قرار الدراسة يتأثر بسمعة المؤسسة، والاعتراف الأكاديمي، وجودة البرنامج، وسهولة الإجراءات، وكفاءة الخدمات الرقمية، وتجربة الإقامة. لذلك فإن استقطاب الطلبة الوافدين يجب أن يُدار كصناعة خدمات متكاملة، لا كعملية قبول وتسجيل منفصلة عن بقية الاقتصاد.
أما في الداخل، فإن توسع التعليم لا يضمن وحده تحسن فرص العمل. فمعدل البطالة بلغ 16.1% في الربع الثاني من 2026، و21% بين الأردنيين. وهذه الأرقام تفرض سؤالاً اقتصادياً مشروعاً: هل تتجه البرامج والتخصصات إلى المهارات التي يحتاجها السوق فعلاً، أم أنها تتوسع أسرع من قدرة الاقتصاد على استيعاب خريجيها؟
استحداث تخصص جديد ليس نجاحاً بحد ذاته. النجاح هو أن يكون البرنامج مرتبطاً بفرصة مهنية واضحة، أو بطلب متوقع في قطاع إنتاجي، أو بقدرة قابلة للتصدير. لذلك تحتاج الجامعات إلى متابعة منهجية لمسار الخريجين: نسبة التوظيف، وطبيعة الوظائف، والمهارات التي يطلبها أصحاب العمل، والفجوات التي تظهر بعد التخرج.
ولا يعني ذلك اختزال الجامعة في وظيفة مباشرة، فالتعليم الإنساني والاجتماعي ضرورة لبناء المجتمع والدولة. لكنه يعني أن الاقتصاد لا يحتمل انفصالاً دائماً بين المعرفة والتطبيق، ولا بين الخطة الأكاديمية واحتياجات الصناعة والصحة والطاقة والزراعة والخدمات الرقمية.
في هذا السياق، يبرز التعليم التقني والمهني بوصفه مساراً إنتاجياً موازياً، لا خياراً أقل قيمة من التعليم الأكاديمي. فعندما تُصمّم برامجه بالشراكة مع الشركات، وتربط التدريب بمواقع العمل والمعدات الحديثة، يصبح الخريج أقرب إلى سوق العمل وقادراً على رفع إنتاجيته ودخله.
كما تستطيع الجامعات أن تتحول إلى محركات اقتصادية حقيقية إذا ربطت البحث العلمي بمشكلات الأردن العملية: المياه والطاقة، والصناعات الدوائية، والزراعة الذكية، والخدمات الصحية، والأمن الغذائي، والأمن السيبراني. البحث الذي ينتهي عند النشر العلمي مهم، لكن قيمته الاقتصادية تتضاعف عندما يتحول إلى براءة أو منتج أو شركة ناشئة أو حلّ تطبيقي.
المعيار الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة هو الانتقال من قياس المدخلات إلى قياس النتائج: ليس كم تخصصاً استُحدث، بل كم خريجاً دخل عملاً منتجاً؛ وليس كم بحثاً نُشر، بل كم فكرة تحولت إلى قيمة اقتصادية؛ وليس كم طالب وافد سُجّل، بل كم تجربة تعليمية ناجحة جعلت الأردن خياراً مستداماً للدراسة.
التعليم هو الاستثمار الأطول عمراً في الاقتصاد. لكنه لا يحقق عائده تلقائياً؛ بل عندما تُدار مخرجاته بقدر ما تُدار مدخلات
* مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

المراجع:
* وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، رقم قياسي جديد لأعداد الطلبة الوافدين: 55,410 طالباً وافداً من 119 دولة في مؤسسات التعليم العالي الأردنية للعام الجامعي 2025–2026.
* وزارة التعليم العالي والبحث العلمي / وكالة الأنباء الأردنية بترا، إحصائيات توزيع الطلبة والكوادر في الجامعات الرسمية والخاصة، 14 أيار 2026: إجمالي الطلبة 480,009، والطلبة الوافدون يمثلون 11.5% من الإجمالي.
* دائرة الإحصاءات العامة، نتائج مسح العمالة والبطالة للربع الثاني 2026، 31 آب 2026: البطالة 16.1% إجمالاً و21% بين الأردنيي