
ذات مرة، كنت أتحدث أمام الدكتور أنيس صايغ عن وعد بلفور، ووصفتُه بالوعد المشؤوم. توقفتُ عند هذه الكلمة، فإذا بالدكتور أنيس يوبخني على استخدامها.
لم أفهم يومها تماماً سرّ غضبه. كيف يمكن أن نختلف على وصف وعدٍ انتزع وطناً من أهله، وفتح أبواب المأساة على شعبٍ ما زال يدفع ثمنه حتى يومنا هذا؟ أليس مشؤوماً أن تصدر دولة لا تملك أرضاً، وعداً بمنحها لمن لا يملكها، على حساب شعبٍ يعيش فوقها وله فيها جذور وتاريخ وذاكرة؟
لكنني كلما استعدت تلك اللحظة، شعرت أن وراء توبيخه معنى أعمق من مجرد الاعتراض على كلمة. ربما كان يريد أن يلفت انتباهي إلى أن المأساة الفلسطينية أكبر من أن تختصرها صفة، وأعمق من أن تختزلها مفردة، وأقسى من أن نستعيدها كل عام بالبكاء والمراثي.
في ذكرى وعد بلفور، تتكرر الكلمات ذاتها، وتُستعاد الحكاية ذاتها، ونستحضر الرسالة التي بعث بها آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد في الثاني من تشرين الثاني عام 1917. نتحدث عن الخديعة البريطانية، وعن شعبٍ وُضع مصيره على طاولة المصالح الدولية من دون أن يُسأل، وعن وطنٍ تحوّل إلى قضية، وعن شعبٍ أصبح مطالباً كل يوم بإثبات حقه في أرضه.
لكن هل تكفي إدانة بريطانيا؟ وهل يكفي أن نلعن وعد بلفور، ونحمّل التاريخ وحده مسؤولية ما وصلنا إليه؟
لم تكن الكارثة في صدور الوعد وحده، بل في كل ما تلاه. في النكبة، وفي الاقتلاع، وفي المخيمات التي تحولت من محطات انتظار إلى أعمار كاملة، وفي الأجيال التي وُلدت بعيداً عن بيوتها، وكبرت وهي تحمل مفاتيح أبواب ربما لن تعود إليها أبداً.
كانت فلسطين تُنتزع من أهلها، فيما كان العالم يتفرج. ثم جاء زمن أصبح فيه الفلسطيني مطالباً بأن يشرح للعالم لماذا يريد العودة إلى بيته، ولماذا يرفض أن يكون لاجئاً في وطن آخر، ولماذا يتمسك بأرضٍ لم تفلح سنوات الاقتلاع في انتزاعها من ذاكرته.
وما يزيد الحزن أن وعد بلفور لم يعد مجرد ذكرى في كتاب تاريخ. فما زالت فلسطين تدفع ثمنه، وما زال شعبها يواجه الاحتلال والاستيطان والتهجير والحصار والقتل. وما زالت غزة تنزف، والضفة الغربية تواجه محاولات الاقتلاع ومصادرة الأرض، فيما تتسع المسافة بين وجع الفلسطينيين وخطابات المتضامنين معهم.
أما نحن، فقد أصبحنا بارعين في إحياء الذكريات، وإلقاء الخطب، وإصدار البيانات. نحفظ تاريخ وعد بلفور، ونعرف أسماء الذين وقّعوا الاتفاقيات، ونستطيع استعادة تفاصيل سايكس بيكو وسان ريمو، لكننا ما زلنا عاجزين عن الإجابة عن السؤال الأكثر إيلاماً: ماذا فعلنا كي لا تتكرر المأساة؟
لا أكتب ذلك دفاعاً عن بريطانيا، ولا تخفيفاً من مسؤولية القوى التي تآمرت على فلسطين، ولا مساواة بين الضحية والجلاد. فالمسؤولية التاريخية واضحة، والاحتلال هو الذي اغتصب الأرض، لكن الاعتراف بمسؤولية الآخرين لا يعفينا من مواجهة عجزنا وانقسامنا، ولا يمنحنا حق الهروب من أسئلة الحاضر.
إن أكثر ما يؤلم الفلسطيني أن يرى قضيته حاضرة في الخطب، غائبة عن الفعل، وأن يسمع عن الوحدة بينما يعيش الانقسام، وأن يسمع عن العودة فيما تتآكل الأرض، وأن يرى الأجيال الجديدة تتعلم أسماء القرى والمدن المهدمة من حكايات الأجداد، لا من شوارعها وبيوتها.
لم يكن بلفور بحاجة إلى أن يعيش طويلاً ليرى نتائج وعده، أما نحن فما زلنا نعيش نتائجه، ونورّث أبناءنا وجعه، ونقف كل عام أمام ذكراه كأن الزمن لم يتحرك، وكأن فلسطين ما زالت تنتظر من يقرر أن يكون لها وطن.
أتذكر اليوم توبيخ الدكتور أنيس صايغ، وأتساءل: هل كانت كلمة «مشؤوم» أصغر من أن تحمل كل هذا الوجع؟ أم أن الرجل أراد أن يقول لي إن علينا ألا نكتفي بوصف الكارثة، بل أن نفهمها، ونقرأ أسبابها، ونبحث عن الطريق الذي يمنع استمرارها؟
ربما لن أعرف على وجه اليقين ما الذي قصده يومها، لكنني أعرف أن تلك اللحظة بقيت عالقة في ذاكرتي، وأنني كلما جاءت ذكرى الثاني من تشرين الثاني، تذكرت الرجل والكلمة معاً.
رحم الله الدكتور أنيس صايغ، ورحم كل الذين حملوا فلسطين في عقولهم وقلوبهم، وعاشوا من أجل أن تبقى حكايتها حاضرة، لا بوصفها مأساة شعبٍ فقط، بل قضية حق وعدالة وكرامة.
في ذكرى وعد بلفور، لا أريد أن أكتفي بالبكاء على فلسطين، ولا أن أضيف كلمة جديدة إلى قاموس المراثي.
أريد أن أسأل: كم وعداً آخر سيُكتب على حسابنا؟ وكم أرضاً أخرى ستُنتزع، وكم جيلاً سيولد في المنافي، قبل أن ندرك أن الأوطان لا يحميها الحنين وحده، وأن الحقوق لا تعود بمجرد تكرار الحكاية؟
لقد كان وعد بلفور جريمة بحق فلسطين وشعبها، لكن الأكثر إيلاماً أن يمر أكثر من قرن، وما زال الفلسطيني يبحث عن العالم الذي ينصفه، وعن قيادة تجمعه، وعن أمة لا تكتفي بالبكاء عليه.
فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الذين يرثونها في ذكرى اغتصابها، بل إلى من يحملون مسؤولية الدفاع عنها في كل يوم.
وربما أفهم الآن، بعد كل هذه السنوات، لماذا وبّخني الدكتور أنيس صايغ حين وصفت وعد بلفور بالمشؤوم. لم تكن المشكلة في الكلمة وحدها، بل في أن المأساة التي نحاول وصفها ما زالت مستمرة، وأننا لم ننجح بعد في وضع حدّ لها.
فما أقسى أن يكون الوعد قد صدر قبل أكثر من قرن، وأن يظل شعبٌ بأكمله يعيش حتى اليوم تحت وطأة نتائجه