
ليس الحدث الأهم في مشاركة المقدسيين في الانتخابات الإسرائيلية هو أنهم توجهوا إلى صناديق الاقتراع بعد عقود من المقاطعة، ولا أنهم كسروا، ولو جزئيا، نمطا سياسيا ظل يحكم علاقتهم بهذه الانتخابات منذ عام 1967. الحدث الأعمق والأكثر إثارة للقلق هو ما تكشفه هذه المشاركة عن حجم التراجع الذي أصاب الحضور الوطني الفلسطيني في القدس، وعن التحول الخطير الذي يطرأ على علاقة المقدسيين بالسياسة، حين تصبح مؤسسات المنظومة الإسرائيلية ساحة للبحث عن التأثير، فيما يغيب الإطار الوطني الذي يفترض أن يمثلهم ويحمي حقوقهم ويقود نضالهم. نحن أمام مشهد لا يجوز التعامل معه بوصفه استحقاقا انتخابيا عابرا، بل باعتباره مؤشرا سياسيا على فراغ لم ينشأ فجأة، وإنما صنعته سنوات طويلة من العجز والتراجع والغياب، تتحمل الحركة الوطنية الفلسطينية وقيادة نظامها السياسي الرسمي مسؤولية مباشرة عنه.
لقد ظلت مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية، في الوعي السياسي الفلسطيني المقدسي، أكثر من موقف انتخابي ، كانت تعبيرا عن رفض إدماج الفلسطيني في منظومة سياسية قامت على احتلال مدينته ومصادرة حقوقه وتكريس السيطرة على أرضه وهويته. ولم تكن هذه المقاطعة موقفا معزولا عن تفاصيل الحياة، بل ارتبطت بإدراك سياسي لطبيعة المؤسسة التي تدير شؤون المدينة، ولحدود ما يمكن أن تمنحه للفلسطينيين تحت نظام لا يتعامل معهم بوصفهم أصحاب حق متساو، بل بوصفهم جماعة واقعة تحت سيطرته، محكومة بقواعد يضعها ويملك وحده أدوات فرضها وتغييرها. ومن هنا فإن الانتقال من المقاطعة إلى المشاركة لا يمكن اختزاله في تبدل عادي في السلوك الانتخابي، ولا التعامل معه باعتباره مجرد استخدام لأداة ديمقراطية متاحة ، فهو يحمل دلالة سياسية تتصل بموقع المؤسسة الإسرائيلية في الوعي العام، وبمدى تراجع المرجعية الوطنية الفلسطينية وقدرتها على توجيه الخيارات وصياغة البدائل.
ولا يعني ذلك أن جميع المشاركين ينطلقون من دوافع واحدة، أو أن التصويت يشكل بالضرورة إعلانا عن تبدل الهوية والانتماء. لكن اختلاف الدوافع لا يلغي طبيعة الفعل ولا يبدد دلالته السياسية. فالمشاركة في انتخابات مؤسسة الاحتلال تضع الفلسطيني، عمليا، داخل إطار سياسي صاغه الطرف الذي يفرض السيطرة عليه، وتمنح هذه المؤسسة فرصة إضافية لتقديم نفسها باعتبارها الإطار الذي يمكن من خلاله إدارة التناقضات وحل المشكلات، حتى حين تكون هي نفسها جزءا أساسيا من إنتاج تلك المشكلات. والخطر هنا لا يقتصر على تراجع موقف المقاطعة، بل يتصل بإعادة تعريف المجال الذي يبحث الفلسطيني من خلاله عن حقوقه ومصالحه، وبانتقال مركز الفعل السياسي من إطار وطني غائب إلى مؤسسات إسرائيلية حاضرة ومهيمنة.
لكن من الخطأ، في المقابل، أن يتحول هذا النقاش إلى محاكمة للمقدسيين وحدهم، أو إلى خطاب يوزع الاتهامات على من شاركوا في الاقتراع، فيما يترك المؤسسات والقيادات التي صنعت الفراغ خارج دائرة المساءلة. فالسؤال السياسي الأهم ليس كيف نلوم المقدسي الذي وجد نفسه أمام صندوق اقتراع إسرائيلي، بل كيف وصلت الحركة الوطنية إلى مرحلة يصبح فيها هذا الصندوق أكثر حضورا وتأثيرا من مؤسساتها؟ وكيف أمكن للقدس، التي تتصدر الخطاب الوطني الفلسطيني وتحتل موقع القلب في الرواية السياسية، أن تتحول إلى مدينة يواجه أبناؤها مصيرهم في ظل غياب مرجعية وطنية فاعلة؟ إن تحميل المشاركين وحدهم مسؤولية المشهد لا يمثل موقفا وطنيا حازما، بل يوفر للقيادة مخرجا سهلا من مواجهة إخفاقها، وينقل النقاش من مساءلة من تركوا الفراغ إلى إدانة من يتحركون داخله.
لقد اعتادت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والفصائل والقوى الوطنية أن تستحضر القدس في الخطاب بوصفها أولوية لا تقبل المساومة، وأن تؤكد مركزيتها في المشروع الوطني. غير أن هذه المركزية بقيت، في جوانب واسعة منها، مركزية خطابية ورمزية، لم تتحول إلى حضور سياسي ومؤسسي قادر على ملامسة حياة المقدسيين والدفاع عن حقوقهم ومواجهة السياسات التي تستهدف وجودهم. وهنا لا يعود السؤال عن مكانة القدس في البيانات، بل عن موقعها الفعلي في حسابات القيادة، وعن معنى أن تكون المدينة في صدارة الخطاب بينما تظل خارج دائرة الفعل المنظم، وأن يستمر استدعاء المقدسيين باعتبارهم خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية، من دون أن تتوفر لهم قيادة حاضرة وأدوات إسناد ومؤسسات تمثيل ومساءلة.
إن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، وإن كانت السلطة الفلسطينية تتحمل قسطا أساسيا منها بحكم موقعها وادعائها تمثيل الفلسطينيين وإدارة شؤونهم الوطنية. فالمسألة تتجاوز أداء مؤسسة بعينها إلى أزمة النظام السياسي الفلسطيني بأكمله. منظمة التحرير، التي يفترض أن تكون الإطار الجامع والمرجعية الوطنية العليا، لم تنجح في بناء حضور سياسي فاعل في القدس يوازي مكانتها المعلنة في المشروع الوطني. والسلطة لم تقدم نموذجا مؤسسيا قادرا على تحويل الالتزام السياسي تجاه المدينة إلى برامج مستدامة وأدوات حماية وإسناد. أما الفصائل، فقد استنزفتها حساباتها التنظيمية وصراعاتها وانقساماتها، حتى بات حضورها في كثير من الأحيان مناسباتيا، عاجزا عن إنتاج مبادرات سياسية تتناسب مع حجم التحديات التي تواجه المقدسيين. وهكذا تراجعت السياسة الوطنية في المدينة، لا لأن القدس فقدت أهميتها، بل لأن المؤسسات التي جعلتها عنوانا لشرعيتها أخفقت في تحمل مسؤولية هذه الأهمية.
صحيح أن الاحتلال الإسرائيلي يفرض قيودا قاسية على أي حضور فلسطيني منظم في القدس، ويستهدف المؤسسات والفعاليات والأطر الوطنية، ويحاول باستمرار تقويض أي تعبير سياسي فلسطيني مستقل في المدينة. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني منح القيادة الفلسطينية شهادة إعفاء من المسؤولية. فالاحتلال مسؤول عن سياساته وعن أدوات القمع والسيطرة والإقصاء، أما القيادة والمؤسسات الفلسطينية فهي مسؤولة عن قصورها، وعن عجزها عن تطوير أشكال عمل تتلاءم مع هذه القيود، وعن ترك المقدسيين في مواجهة منظومة الاحتلال من دون استراتيجية وطنية متماسكة. لا يجوز تحويل صعوبة العمل تحت الاحتلال إلى ذريعة دائمة لتعليق المسؤوليات، ولا يجوز أن يصبح استهداف الاحتلال للمؤسسات الفلسطينية مبررا لغياب التفكير في بدائلها وأطرها وأدواتها. فالقيادة التي لا تستطيع العمل في شروط المواجهة مطالبة بتطوير أدواتها، لا بالاكتفاء بتكرار وصف صعوبة المواجهة.
والمشكلة أن الحركة الوطنية الفلسطينية لا تزال تتعامل مع رصيدها التاريخي كما لو أنه تفويض مفتوح، وكأن شرعيتها لا تحتاج إلى تجديد، وكأن تاريخها النضالي يعفيها من اختبار الحاضر. لكن الشرعية السياسية لا تعيش على الذاكرة وحدها، ولا يمكن لحركة وطنية أن تطلب من مجتمعها التمسك بخياراتها فيما هي عاجزة عن تمثيله أو الدفاع عن مصالحه أو توفير أفق سياسي لنضاله. لقد استهلك الانقسام الفلسطيني ما تبقى من الثقة بالمؤسسات، وعمق الانفصال بين القيادة والمجتمع، وحول الخلافات التنظيمية إلى بديل عن السياسة، فيما تراجعت قدرة القوى الوطنية على إنتاج مشروع جامع وتجديد أدوات العمل والنضال. وفي القدس تبدو نتائج هذا التراجع أكثر قسوة، لأن المدينة تواجه مشروعا إسرائيليا لا يتوقف عند السيطرة الأمنية أو الإدارية، بل يستهدف الأرض والهوية والإقامة والتخطيط والوجود الفلسطيني نفسه.
في ظل هذا الواقع، لا ينبغي أن تنطلي علينا الأوهام المتعلقة بجدوى المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، أو أن يجري تقديمها باعتبارها طريقا لتغيير موازين الحياة في القدس. فهذه المشاركة لن تقلب موازين القوة لصالح الفلسطينيين، ولن تغير طبيعة المنظومة التي تحكم المدينة، ولن تنقل القرار بشأن مستقبلها إلى أصحابها. ولن تمنح المقدسيين ضمانة لحماية أراضيهم من المصادرة، أو لوقف سياسات الهدم والتضييق في التخطيط والبناء، أو لصون هويتهم وإقامتهم وحقوقهم في مواجهة مؤسسات تملك أدوات السيطرة الفعلية وتحدد قواعد اللعبة وحدودها. قد تتيح المشاركة حضورا داخل مؤسسة سياسية إسرائيلية، وقد تمنح ممثليها هامشا للنقاش أو الاعتراض أو التفاوض، لكنها لا تعني امتلاك القدرة على تغيير البنية التي تنتج السياسات المفروضة على القدس. والفارق كبير بين الحضور داخل مؤسسة وبين امتلاك القوة لتغيير طبيعتها واتجاهاتها.
إن أخطر ما في هذا المسار هو أن يتحول الوهم الانتخابي إلى بديل عن الفعل الوطني، وأن يختلط التمثيل داخل مؤسسات الاحتلال بالقدرة على انتزاع الحقوق من منظومته. فالمشاركة قد تمنح انطباعا بوجود طريق سياسي متاح، لكنها لا تلغي حقيقة أن قواعد السيطرة ليست في يد المشاركين، وأن حدود التأثير يرسمها النظام الذي يحتفظ بالقرار وبأدوات فرضه. ومن هنا فإن الرهان على أن يؤدي توسيع المشاركة إلى تغيير جوهري في واقع المقدسيين رهان يتجاهل طبيعة المنظومة الإسرائيلية، ويخلط بين تحسين بعض التفاصيل أو انتزاع مكاسب محدودة وبين تغيير البنية السياسية والقانونية التي تحكم المدينة. وليس أخطر على الوعي الوطني من تحويل الممكن المحدود إلى أفق سياسي كامل، أو التعامل مع هامش داخل منظومة السيطرة كما لو أنه طريق للخروج منها.
وتتضح خطورة المسألة أكثر حين نضع المشاركة البرلمانية في سياق العلاقة الأوسع بين المقدسيين والمؤسسات الإسرائيلية، بما في ذلك المؤسسات البلدية. فالانتخابات البلدية، بما تتصل به من خدمات وتخطيط وميزانيات وتعليم وبنية تحتية، تبدو أكثر التصاقا بتفاصيل الحياة اليومية، لكنها لا تنفصل عن سؤال السيادة والهوية والشرعية. وهنا ينبغي الحذر من اختزال القضايا البلدية في بعدها الخدمي، أو التعامل معها باعتبارها مجالا محايدا يمكن فصله عن المنظومة التي تدير المدينة وتحدد مستقبلها. فالسياسات البلدية ليست مجرد قرارات إدارية، بل تتقاطع مع توزيع الموارد والأرض وفرص البناء وشروط الإقامة وموازين السيطرة. وأي تصور للمشاركة فيها يتجاهل هذه الطبيعة السياسية قد ينتهي إلى تكريس الأمر الواقع، حتى حين يرفع شعارات تحسين الخدمات والدفاع عن المصالح اليومية.
لا يعني ذلك أن تجاهل احتياجات المقدسيين أو التقليل من أهمية تفاصيل حياتهم اليومية يمثل موقفا وطنيا. على العكس، فإن أحد أسباب الأزمة أن الخطاب الوطني تعامل طويلا مع الصمود باعتباره قيمة مجردة، من دون أن يبني ما يسنده من شروط سياسية واقتصادية واجتماعية. لكن معالجة هذه الاحتياجات لا تكون بتسليم المجال السياسي للمنظومة الإسرائيلية، ولا بإيهام المقدسيين بأن المشاركة في مؤسساتها ستغير قواعد السيطرة أو تضمن حقوقهم. إنها مسؤولية وطنية كان يفترض أن تنهض بها مؤسساتهم وقياداتهم، عبر بناء حضور مستقل، وتطوير أطر تمثيلية، وتوفير أدوات قانونية وشعبية وسياسية مترابطة، لا عبر تركهم أمام خيارات تضيق باستمرار ثم مطالبتهم بتحمل تبعاتها وحدهم.
إن أخطر ما تكشفه المشاركة ليس فقط احتمال تراجع الالتزام بالمقاطعة، وإنما نجاح المنظومة الإسرائيلية في أن تصبح الإطار الذي يبحث الفلسطينيون من خلاله عن حلول لبعض أزماتهم، في الوقت الذي أخفقت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية في بناء إطار سياسي وطني قادر على تمثيلهم والتأثير في واقعهم. وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تقض مضاجع القيادة الفلسطينية .. أن تصبح مؤسسات الاحتلال، على الرغم من طبيعتها وسياساتها، أكثر حضورا في المجال العملي للمقدسيين من المؤسسات التي ترفع اسم القدس عنوانا لمشروعها الوطني. وحين يحدث ذلك، لا يكون الخلل في موقف انتخابي فحسب، بل في العلاقة بين المجتمع ومرجعيته السياسية، وفي قدرة المشروع الوطني على البقاء إطارا منظما للفعل والوعي والتمثيل.
إن الفراغ الوطني لا يبقى فراغا إلى الأبد. حين تتراجع المؤسسات عن أداء دورها، لا تتوقف الحياة ولا تتجمد حاجات المجتمع، بل تبدأ مساحات أخرى في التمدد، وتتحول الأدوات التي توفرها القوة القائمة إلى مساحات يجري اللجوء إليها بحثا عن حلول أو نفوذ أو حماية. ومع مرور الوقت، قد لا يعود الأمر مجرد استخدام لأداة فرضها الواقع، بل قد يتشكل حولها تصور جديد لمصدر التأثير وحدود السياسة وإمكاناتها. وهذا هو التحول الذي ينبغي التحسب له: ليس لأن المقدسيين يتخلون حتما عن هويتهم الوطنية، بل لأن الهوية الوطنية لا تستطيع أن تظل حية وفاعلة إذا بقيت بلا مؤسسات تحميها، وبلا قيادة تجسدها، وبلا مشروع يمنحها معنى عمليا في حياة أصحابها.
وإذا كانت المقاطعة موقفا وطنيا يراد له أن يبقى مؤثرا، فلا يمكن صونها بالتوبيخ أو بإصدار الأحكام أو باستدعاء الذاكرة النضالية وحدها. المقاطعة تحتاج إلى مشروع سياسي يجعلها خيارا له سند وطني ومؤسسي، ويمنح المقدسيين ثقة بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة السياسات الإسرائيلية. أما مطالبة المقدسيين بمقاطعة مؤسسات الاحتلال، في الوقت الذي تغيب فيه المؤسسات الفلسطينية عن الدفاع عن حقوقهم وتتركهم بلا أدوات تمثيل وتأثير، فليست سوى مطالبة بالتضحية من دون تحمل مسؤولية توفير شروطها. ولا يمكن للقيادة أن تطلب من المجتمع الالتزام بخيار سياسي ثم تتنصل من واجب بناء القوة الوطنية التي تحمي هذا الخيار وتجعله قابلا للاستمرار.
إن المطلوب ليس بيانات جديدة عن مركزية القدس، ولا زيارات موسمية، ولا مؤتمرات تعيد إنتاج اللغة ذاتها، ولا تدوير الوجوه والبرامج التي أثبتت عجزها. المطلوب مراجعة سياسية ومؤسسية جذرية تبدأ من الاعتراف بأن القيادة الفلسطينية أخفقت في أداء مسؤوليتها تجاه المدينة، وأن الحركة الوطنية لم تعد قادرة، بصيغتها الراهنة، على ادعاء تمثيل المقدسيين من دون أن تقدم دليلا عمليا على هذا التمثيل. المطلوب مساءلة منظمة التحرير عن غيابها، والسلطة عن قصورها، والفصائل عن انشغالها بذاتها، والقوى الوطنية عن عجزها عن بناء إطار جامع يضع القدس في قلب الفعل لا على هامش الخطاب. كما يتطلب الأمر إعادة بناء العلاقة مع المقدسيين على أساس الشراكة لا الوصاية، والتمثيل لا الاستخدام الرمزي، والمساءلة لا الاكتفاء بالمطالبة بالصمود.
فالقدس ليست مجرد عنوان يستمد منه النظام السياسي الفلسطيني شرعيته، وليست ساحة يطلب من أهلها أن يكونوا حراس الهوية فيما تظل أدوات القرار بعيدة عنهم. المقدسيون ليسوا مادة للخطاب الوطني، ولا مجرد خط دفاع متقدم عن مشروع لا يشاركون بما يكفي في صياغة أولوياته. لهم حق أصيل في أن يكونوا شركاء في تحديد شكل المواجهة وأدواتها، وفي مساءلة المؤسسات التي تدعي تمثيلهم. ولا يمكن مطالبتهم بتحمل كلفة المواجهة الوطنية إلى ما لا نهاية، فيما تتعامل القيادة مع مسؤوليتها تجاههم باعتبارها بندا في البيانات أو واجبا مؤجلا إلى حين تسمح الظروف.
إن التصويت الذي شهدته بعض أحياء القدس ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة فلسطينية لا تعرف المجاملة، لا مناسبة لتسجيل النقاط على المقدسيين أو تخوينهم أو التهرب من الأسئلة التي يفرضها المشهد. فالمشاركة تستحق نقدا سياسيا واضحا، لأنها تنطوي على مخاطر تتصل بإضفاء الحضور والاعتبار على مؤسسات المنظومة الإسرائيلية، وبإضعاف المعنى السياسي للمقاطعة، وبترسيخ وهم أن التغيير ممكن من داخل بنية لا يملك الفلسطينيون أدوات التحكم بها. لكن هذا النقد لن يكون جديا ما لم يتجه بالقدر نفسه، وربما بدرجة أشد، إلى القيادة التي تركت المجال الوطني فارغا، وإلى القوى التي حولت المشروع الوطني إلى شعارات ومواقع نفوذ ومنازعات تنظيمية، بينما كانت القدس تواجه وحدها سياسات تستهدف وجودها ومستقبلها.
إنها ليست أزمة تصويت فحسب، بل أزمة تمثيل وقيادة ومشروع. وليست المسألة أن المقدسيين ابتعدوا عن مؤسساتهم الوطنية بقدر ما أن هذه المؤسسات ابتعدت عنهم، وفشلت في أن تكون حاضرة في المكان الذي يفترض أن تختبر فيه صدقية خطابها وشرعيتها. فالسياسة لا تستعاد بتوجيه اللوم إلى المجتمع، بل بمساءلة من احتكروا التمثيل ثم عجزوا عن ممارسته، وبناء مؤسسات قادرة على تحويل الانتماء الوطني من قيمة رمزية إلى قوة فعل وحماية وتأثير.
القدس التي تغيب عنها السياسة الفلسطينية لن تنتظر إلى الأبد عودة السياسيين إليها. والفراغ الذي تتركه الحركة الوطنية لن يبقى محايدا، بل ستملؤه بالضرورة أدوات ومؤسسات وقوى أخرى، وفي مقدمتها مؤسسات المنظومة التي تفرض سيطرتها على المدينة. وحين تكتشف القيادة أن المقدسيين باتوا يبحثون عن السياسة خارج مؤسساتها، فلن يكون كافيا أن تستعيد خطابها القديم أو أن تطلب منهم العودة إلى خياراتها. سيكون عليها أولا أن تجيب عن السؤال الذي تهربت منه طويلا: ماذا فعلت كي تبقى القدس جزءا حيا من المشروع الوطني، لا مجرد اسمه الأكثر حضورا في الخطاب والأكثر غيابا في الفعل؟