رئيس اتحاد المقاولين لوطن: الوساطة والتحكيم يختصران زمن النزاعات الإنشائية ويحميان حقوق المقاولين والمالكين

28/10/2026

تأخير البت في النزاعات الإنشائية يعطّل المشاريع ويكبّد الاقتصاد والمجتمع خسائر

 الوساطة أقصر الطرق لحل النزاعات من حيث الوقت والتكلفة

  دعوات لتأهيل محكّمين يجمعون الخبرة القانونية والهندسية وتعزيز الثقة بمنظومة التحكيم الفلسطينية

تطوير التحكيم الإلكتروني يتطلب تعديلات تشريعية وتدريباً متخصصاً وتكاملاً مع القضاء

وطن للأنباء: أكد رئيس اتحاد المقاولين والمحكّم الدولي الدكتور أحمد القاضي، أهمية تعزيز اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات في قطاع الإنشاءات والمقاولات، وفي مقدمتها الوساطة والتحكيم ومجالس فض النزاعات، لما توفره من فرص لتسريع البت في الخلافات، وحماية حقوق الأطراف المتعاقدة، والحد من تعطّل المشاريع والخسائر الاقتصادية المترتبة على إطالة أمد التقاضي.

وأوضح القاضي، خلال استضافته في الحلقة الخامسة من بودكاست "بدائل"، الذي تنتجه شبكة وطن الإعلامية بالشراكة مع وزارة العدل وبدعم من برنامج "سواسية" المشترك، أن طبيعة العقود الإنشائية تختلف عن العقود التقليدية، نظراً إلى تعدد أطرافها وتشابك العلاقات بينهم، إذ تشمل المقاول والمالك والاستشاري والجهات الممولة والموردين والبنوك وشركات التأمين ومقاولي الباطن.

وأشار إلى أن العقود الإنشائية ترتبط بجداول زمنية طويلة، قد تتخللها ظروف طارئة أو استثنائية تؤثر في المعادلة الاقتصادية للعقد وتؤدي إلى اختلال التوازن المالي بين أطرافه، ما يفضي إلى نشوء النزاعات والمطالبات المالية والفنية.

وبيّن أن أي تأخير أو اضطراب في الجدول الزمني للمشروع ينعكس على تكلفته وعلى مصالح الأطراف المعنية، لافتاً إلى أن عدم الاستجابة للمطالبات، أو رفضها، قد يحوّل الخلاف إلى نزاع يحتاج إلى معالجة عبر التفاوض أو التوفيق أو الوساطة أو التحكيم.

إطالة التقاضي تعطل المشاريع وتضر بالمجتمع

وشدد القاضي على أن الإشكالية لا تكمن في القضاء الفلسطيني بوصفه ضمانة لتطبيق القانون، وإنما في أن إجراءات التقاضي التقليدية قد لا تتلاءم دائماً مع الطبيعة الفنية والهندسية المعقدة للنزاعات الإنشائية.

وأوضح أن هذه النزاعات لا تقتصر على الخلافات المالية، بل تتصل بتفسير المخططات والشروط التعاقدية، والأوامر التغييرية، والتمديدات الزمنية، والتكاليف الإضافية، وغيرها من المسائل الفنية التي تنعكس نتائجها مالياً على الأطراف.

وأضاف أن إطالة أمد النزاع والتقاضي قد تؤدي إلى تعطيل مشاريع البنية التحتية والمرافق العامة، وحرمان المواطنين من الانتفاع بها خلال المدة المحددة لإنجازها، مؤكداً أن الخسارة لا تقتصر على المقاول والمالك، بل تمتد إلى المجتمع الفلسطيني والاقتصاد ككل.

وأكد القاضي أن التحكيم ليس بديلاً يلغي دور القضاء، بل وسيلة مساعدة ومكملة له، تقوم العلاقة بينهما على التكامل، إذ يحتفظ القضاء بدوره الرقابي على إجراءات التحكيم، ويسهم في بعض إجراءاته، بما فيها التدابير المستعجلة والتحفظية وتعيين المحكّمين في الحالات التي يجيزها القانون.
مجالس فض النزاعات تتيح معالجة الخلافات أثناء تنفيذ المشروع

وفي حديثه عن مجالس فض النزاعات، أوضح القاضي أنها تُشكّل باتفاق المالك والمقاول قبل بدء المشروع أو خلال تنفيذه، وتتمثل مهمتها في النظر في الخلافات التي تنشأ أثناء سير الأعمال وإصدار قرارات بشأنها، بما يساعد على احتواء النزاع قبل تفاقمه وتأثيره في المشروع.

وأشار إلى أن هذه المجالس تختلف عن الوساطة والتفاوض، إذ يتولى الوسيط تقريب وجهات النظر ومساعدة الأطراف على التوصل إلى تسوية، بينما يصدر مجلس فض النزاعات رأياً أو قراراً وفقاً لأحكام العقد، ويخضع أثره لمدى إلزاميته والإجراءات والمدد المحددة في الشروط التعاقدية.

ولفت إلى أن عقود "فيديك" النموذجية تتضمن إجراءات محددة في هذا السياق، موضحاً أن المدة المشار إليها في العقود النموذجية لقبول قرار مجلس فض النزاعات أو الاعتراض عليه قد تبلغ 28 يوماً، وفقاً للشروط المعتمدة في العقد.

وأكد ضرورة أن يتمتع أعضاء هذه المجالس بخبرات هندسية وقانونية ومالية تؤهلهم لفهم طبيعة المشاريع ومكوناتها، وتفسير شروط العقود والمواصفات الفنية، والوصول إلى حلول تتوافق مع أحكام العقد.

وفي المقابل، شدد على ضرورة التمييز بين دور المهندس المشرف أو المكتب الاستشاري ودور مجلس فض النزاعات أو هيئة التحكيم، موضحاً أن مهمة الاستشاري تتمثل في تطبيق شروط العقد ومتابعة الأعمال والرد على مطالبات المقاول ضمن المدد المحددة، وليس تمثيل المالك على حساب الطرف الآخر.

وأضاف أن تعزيز فهم دور المهندس المشرف يسهم في تحقيق التوازن بين حقوق المالك والمقاول، وتوزيع المخاطر بصورة عادلة، وإنجاز المشروع وفقاً لشروطه التعاقدية.

القاضي: الوساطة أقصر الطرق لحل النزاعات

واعتبر القاضي أن الوساطة من أكثر الوسائل فاعلية في تسوية النزاعات الإنشائية، بل إنها، من وجهة نظره، قد تكون أهم من التحكيم لما توفره من سرعة وانخفاض في التكلفة وإمكانية الحفاظ على العلاقة التعاقدية بين المالك والمقاول.

وأوضح أن مفهوم الوساطة لا يزال بحاجة إلى مزيد من الانتشار في المجتمع الفلسطيني، مشيراً إلى وجود مشروع قرار بقانون بشأن الوساطة، لكنه قال إنه لم يصبح تشريعاً نافذاً منشوراً في الجريدة الرسمية حتى وقت المقابلة.

وأكد ضرورة العمل على ترسيخ ثقافة الوساطة إلى جانب نشر الوعي بالتحكيم، بما يتيح للأطراف تسوية خلافاتهم ودياً، قبل اللجوء إلى إجراءات أكثر تعقيداً وتكلفة.

وعن أسباب تفضيل بعض المالكين والمقاولين التحكيم على المحاكم، أوضح القاضي أن التحكيم يتيح التعامل مع الجوانب الفنية المتخصصة، ويوفر قدراً أكبر من السرية والمرونة، فضلاً عن إمكانية تسريع إصدار القرار مقارنة بمسار التقاضي التقليدي.

لكنه أقر بأن تكاليف التحكيم أعلى من رسوم التقاضي أمام المحاكم، مؤكداً أن تقييم جدواه ينبغي ألا يقتصر على الرسوم المباشرة، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار الوقت الذي يوفره، وحجم الخسائر التي يمكن تجنبها، وإمكانية استكمال المشروع والاستفادة منه.

وأضاف أن بعض المشاريع الممولة من جهات مانحة تتضمن شروطاً للجوء إلى التحكيم الدولي أو إلى مؤسسات تحكيم خارجية، ما يستدعي تطوير القدرات المحلية وتعزيز ثقة الجهات الممولة والمالكين والمقاولين بمنظومة التحكيم الفلسطينية.

ضرورة تأهيل المحكّمين وتطوير الإطار القانوني

وشدد القاضي على أن تطوير التحكيم في قطاع الإنشاءات يتطلب إعداد محكّمين مؤهلين يجمعون بين المعرفة القانونية والخبرة الفنية والهندسية، مشيراً إلى أهمية تشكيل هيئات تحكيم تضم تخصصات متكاملة، بما يضمن معالجة الجوانب القانونية والفنية والمالية للنزاع.

واقترح أن تضم هيئات التحكيم في النزاعات الإنشائية، بحسب طبيعة القضية، محامين ومهندسين، لضمان صدور قرارات متوازنة وسليمة قانونياً وقابلة للتطبيق على أرض الواقع.

وأشار إلى أن وزارة العدل، واتحاد المقاولين، وغرفة التحكيم الفلسطينية الدولية، ونقابتي المحامين والمهندسين، واتحاد الصناعات، واتحاد غرف التجارة، إلى جانب الجهات المعنية الأخرى، تتحمل مسؤولية مشتركة في نشر ثقافة التحكيم وتطوير مؤسساته وتأهيل الكوادر المتخصصة.

كما دعا إلى توحيد الأطر الناظمة لعمل المحكّمين، ووضع شروط واضحة وصارمة لاختيارهم، وتطبيق مدونة السلوك الخاصة بهم، بما يعزز استقلاليتهم وحيادهم ويحد من تضارب المصالح.

ولفت إلى أن المحكّم، بمجرد قبوله المهمة، يصبح ملزماً بالاستقلال والحياد، ولا يجوز أن يتصرف بوصفه وكيلاً أو ممثلاً للجهة التي اختارته، مؤكداً أن الخلط بين الدورين يضعف الثقة بقرارات التحكيم.

الطعون القضائية قد تعيد النزاع إلى نقطة البداية

وحذّر القاضي من أن الطعن في قرارات التحكيم قد يفقد هذه الوسيلة ميزتها الأساسية إذا استغرقت إجراءات النظر في الطعون سنوات طويلة، موضحاً أن صدور القرار التحكيمي خلال عام أو عام ونصف، ثم استمرار الطعن فيه أمام المحاكم أربع أو خمس سنوات، من شأنه أن يعيد إطالة أمد النزاع ويضاعف تكلفته.

ودعا إلى أن تنحصر الرقابة القضائية على قرارات التحكيم في المسائل والإجراءات التي يحددها قانون التحكيم الفلسطيني، دون إعادة النظر في موضوع النزاع كما لو كان معروضاً للمرة الأولى أمام القضاء.

كما طالب بتعزيز التعاون والتدريب المشترك بين هيئات التحكيم والقضاء، وتبادل الخبرات، وتسريع الفصل في الطعون المتعلقة بالقرارات التحكيمية، بما يحافظ على الغاية من اللجوء إلى التحكيم، والمتمثلة في اختصار الوقت وحسم النزاعات بفاعلية.

وأكد أن وضوح العلاقة بين القضاء والتحكيم، وسرعة الإجراءات، والالتزام بمعايير الاستقلالية والنزاهة، عوامل أساسية لبناء الثقة لدى المواطنين والمستثمرين والجهات الممولة.

التحكيم الإلكتروني يحتاج إلى تحديث التشريعات

وفي ما يتعلق بمستقبل التحكيم الهندسي في ظل التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي، قال القاضي إن خصوصية الوضع الفلسطيني، بما يشمله من حواجز عسكرية وصعوبات في التنقل بين المحافظات، تجعل تطوير التحكيم الإلكتروني خياراً مهماً لتسهيل الإجراءات وتسريعها.

وأوضح أن تطوير هذا المسار يتطلب تحديث الإطار التشريعي المنظم للتحكيم، ووضع أحكام واضحة تتعلق باتفاقات التحكيم الإلكترونية وإجراءاتها وآليات نظر النزاعات عن بُعد، بما يضمن سلامة الإجراءات وحقوق الأطراف.

وشدد على ضرورة ضمان مبدأ المواجهة بين الخصوم، وتمكين كل طرف من عرض دفوعه والرد على الطرف الآخر، إلى جانب تأهيل محكّمين قادرين على إدارة الملفات إلكترونياً، وتوفير الضمانات القانونية اللازمة لتنفيذ القرارات الصادرة عنها.

وبيّن أن المطلوب لا يقتصر على تعديل عقود المقاولات ذاتها، بل يشمل تطوير قانون التحكيم الفلسطيني والأنظمة والتعليمات ذات الصلة، بما يواكب التحولات التقنية ويضمن انسجام الإجراءات والقرارات مع المنظومة القانونية.

رسالة إلى وزارة العدل لتعزيز الثقة بالتحكيم

وفي ختام اللقاء، وجّه القاضي رسالة إلى وزارة العدل، دعا فيها إلى وضع إطار موحد ينظم عمل المحكّمين في فلسطين، بالتعاون مع اتحاد المقاولين وغرفة التحكيم الفلسطينية الدولية ونقابتي المحامين والمهندسين، والعمل على تحديد معايير واضحة للتأهيل والاختيار والمساءلة.

وأكد أن بناء الثقة بالتحكيم يتطلب إعداد محكّمين أكفاء، وتطبيق مدونة السلوك، وضمان استقلالية الهيئات وحيادها، إلى جانب تطوير التعاون مع القضاء وتسريع الفصل في الطعون.

وأشار إلى أهمية اعتماد مؤسسات تحكيم ذات إجراءات واضحة ومعايير مهنية معروفة، بما يضمن المساءلة عند وقوع أخطاء جسيمة أو إخلال بالواجبات المهنية، ويحمي حقوق أطراف النزاع.

وختم القاضي بالتأكيد أن نشر الوعي بالوساطة والتحكيم، وتطوير الأطر القانونية والمؤسسية، من شأنهما الإسهام في حماية حقوق المقاولين والمالكين والجهات الممولة، والحفاظ على استمرارية المشاريع الإنشائية، وتعزيز مصلحة المواطنين والمستهلكين والمستفيدين من مشاريع القطاعين العام والخاص.