شهادة معلقة على الجدار.. طموحات الخريجين تصطدم بواقع البطالة

24/10/2026

كتبت: فاطمة العيشاوي

لم تكن الشهادة الجامعية بالنسبة إلى شاب فلسطيني يبلغ من العمر 23 عامًا من رام الله مجرد ورقة يحصل عليها بعد سنوات من الدراسة، بل كانت بداية الطريق نحو العمل والاستقلال وبناء المستقبل. لكن منذ تخرّجه، لا يزال يبحث عن فرصة عمل، دون أن يتمكن من تحقيق ما خطط له خلال سنوات الجامعة.
يقول الشاب إن البطالة أثّرت على وضعه المادي ونفسيته، وإن مرور الأيام دون عمل يجعله يشعر بالفشل ويبعده عن أهدافه. ويضيف: "أنا زي أي شب فلسطيني عندي أحلام، بدي أشتغل وأأسس حياتي وأبني مستقبلي وأطوّر من حالي وخبراتي".

ورغم إرساله عددًا كبيرًا من السير الذاتية ومشاركته في مقابلات وظيفية، لم يتمكن من العثور على عمل يناسب تخصصه. ومع تعثر فرص التوظيف، حاول التفكير في بديل يتمثل في إنشاء مشروع خاص، لكنه اصطدم بعائق التمويل. كما استبعد اللجوء إلى القروض خشية تراكم الديون في ظل غياب دخل ثابت يضمن سدادها، ليجد نفسه أمام خيارات محدودة بين انتظار فرصة عمل ومحاولة بدء مشروع لا يمتلك التمويل اللازم له.

ولا تقتصر صعوبة دخول سوق العمل على تجربة هذا الشاب؛ إذ تُظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حجم التحديات التي تواجه الشباب من حملة المؤهلات العلمية في الضفة الغربية. فبحسب بيانات الربع الأول من عام 2026، بلغ معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و29 عامًا ويحملون شهادة الدبلوم المتوسط فأعلى 41.3%، بواقع 31.7% بين الذكور و49.2% بين الإناث.

وتعكس هذه الأرقام صعوبة انتقال شريحة من الشباب من التعليم إلى العمل، في ظل ظروف اقتصادية وسياسية تزيد من تعقيدات الوصول إلى فرص عمل مستقرة، وتجعل الحصول على الشهادة الجامعية غير كافٍ وحده لضمان الاستقلال المادي والمهني.
ويرى الخبير الاقتصادي ثابت أبو الروس أن برامج التشغيل والتدريب ودعم المشاريع تمثل أدوات مهمة لمواجهة البطالة، إلا أن قدرتها على تحقيق نتائج مستدامة ترتبط بمدى ملاءمتها لاحتياجات الشباب وظروف السوق. ويوضح أن ضعف الخبرة العملية ومحدودية التمويل من أبرز العقبات التي تواجه الخريجين الراغبين في دخول سوق العمل أو إنشاء مشاريعهم الخاصة.

ويشير أبو الروس إلى أن التمويلات التي تتراوح بين 3 آلاف و7 آلاف دولار قد لا تكون كافية لتأسيس مشاريع قادرة على الاستمرار والنمو، تبعًا لطبيعة المشروع وتكاليفه. ويؤكد أهمية ربط الدعم المالي بالتدريب والتأهيل وإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية، بما يساعد على تقييم فرص نجاح المشاريع قبل إطلاقها.

وتشكّل شروط الإقراض، بما فيها الضمانات المالية والكفلاء وفترات السداد، عائقًا إضافيًا أمام الخريجين الذين لا يمتلكون دخلًا ثابتًا. ويحذر أبو الروس من أن بدء سداد القرض قبل تحقيق المشروع إيرادات مستقرة قد يعرّض صاحبه لضغوط مالية، ما يستدعي مراجعة شروط التمويل بما يتناسب مع طبيعة المشاريع وقدرتها على تحقيق الدخل.

ولا تتوقف التحديات عند التمويل والتأهيل؛ إذ تؤثر الظروف السياسية والاقتصادية وقيود الحركة والتنقل في قدرة أصحاب المشاريع على الوصول إلى الأسواق وتسويق منتجاتهم. ويلفت أبو الروس إلى أن هذه القيود تنعكس بصورة خاصة على النساء، إلى جانب بعض الاعتبارات الاجتماعية التي قد تحد من قدرتهن على التنقل والعمل في مجالات مختلفة، ما يزيد صعوبة وصول الخريجات إلى فرص اقتصادية مناسبة.
وعلى مستوى البرامج القائمة، ينشر الصندوق الفلسطيني للتشغيل بيانات عن برنامج "مشروعك"، الذي يستهدف تمويل المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر. ووفق البيانات المنشورة عن البرنامج، جرى دعم وتمويل 560 مشروعًا، وأسهمت هذه المشاريع في توفير 1034 فرصة عمل حتى نهاية عام 2023. وتعكس هذه الأرقام نتائج البرنامج خلال الفترة المذكورة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد أثره الإجمالي في معدلات البطالة أو مدى استدامة فرص العمل التي أوجدها.

ويرى أبو الروس أن الحد من بطالة الخريجين يتطلب تحسين جودة التدريب وربطه باحتياجات سوق العمل، وتوفير تمويل يتناسب مع طبيعة المشاريع وإمكاناتها، إلى جانب إجراء دراسات سوقية واقعية قبل منح القروض. كما يشدد على أهمية مراعاة الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بالمشاريع الصغيرة، وتطوير آليات الدعم بما يعزز قدرتها على الاستمرار وتوفير مصادر دخل مستقرة لأصحابها.
وتكشف أزمة بطالة الخريجين عن فجوة بين سنوات الدراسة والقدرة على تحويل المؤهل العلمي إلى فرصة عمل أو مصدر دخل مستقر. فبين خريج ينتظر وظيفة تناسب تخصصه، وآخر يفكر في مشروع خاص لكنه يتردد أمام مخاطر التمويل والديون، تبرز الحاجة إلى حلول تستجيب لاحتياجات الشباب الفعلية وتساعدهم على الانتقال من التعليم إلى الحياة المهنية.

أما الشاب من رام الله، فلا يزال ينتظر فرصته الأولى، متمسكًا بأحلام لم تتحول بعد إلى واقع. فبالنسبة إليه، لم تكن الشهادة نهاية الطريق، لكنها لم تفتح له الطريق الذي انتظره أيضًا.