
يستطيع الفلسطيني أن يقول إن قيادته أخطأت، لكن هل يستطيع تحويل قوله إلى تغيير، هنا تبدأ أزمة الشرعية، حين يبقى النقد متاحًا بدرجات متفاوتة، بينما تتعطل آليات المحاسبة والتداول، فلا تعود المشكلة احتكار الكلام، بل احتكار نتائجه، تسمع المؤسسة اعتراض المجتمع، ثم تحتفظ وحدها بتحديد متى يستحق الرد، ومتى يجوز له اختيار غيرها، وبأي شروط يدخل المنافسة .
مضى أكثر من عشرين عامًا على انتخابات الرئاسة سنة ٢٠٠٥، وعشرون عامًا على التشريعيات سنة ٢٠٠٦، وفي أكتوبر ٢٠٢٦ أُلغي موعد تشريعيات نوفمبر وحددت انتخابات متزامنة في سبتمبر ٢٠٢٧، وتستند الرئاسة إلى المعوقات الإسرائيلية، وهي حقيقية، خصوصًا مع تدمير غزة وتقييد القدس، لكن وجود العائق يفرض خطة لتجاوزه وضمانات لمراجعة التأجيل، ولا يمنح أصحابه صلاحية مفتوحة لتقدير نهايته .
والخلط بين السلطة ومنظمة التحرير يضاعف الالتباس، فالأولى تدير شؤونًا عامة ضمن جغرافيا وصلاحيات مقيدة، والثانية تحمل مسؤولية تمثيل الشعب في مختلف تجمعاته، لذلك تجدد انتخابات السلطة تفويض مؤسساتها، ولا تجدد تلقائيًا كامل التمثيل الوطني، كما أن الاعتراف الدولي بالمنظمة لا ينتخب قيادتها، ولا يحول شرعيتها التاريخية إلى حق دائم في تحديد من يدخل السياسة ومن يبقى خارجها .
للمحاصصة جذور موثقة، فتقرير مقدم للجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا سنة ٢٠١١ وصف توزيع مقاعد المجلس الوطني بين الفصائل والاتحادات بحصص تفاوضية، وهذا يثبت آلية تاريخية، ولا يكفي لإثبات استمرار تفاصيلها اليوم، لكنه يوضح المعضلة، حين تضمن المؤسسة حضور مكوناتها دون اختبار دوري لأوزانها، يصبح تجديد التمثيل تهديدًا لمصالح مستقرة، حتى دون اتفاق معلن على تعطيله .
وفي يونيو ٢٠٢٦ صودق على نظام انتخابي للمجلس الوطني يحدد ٣٥٠ مقعدًا، منها ١٥٠ للخارج، ويتيح بدائل تشمل التوافق والتعيين حيث يتعذر الاقتراع، وهو تطور ينبغي اختباره بإنصاف، فالمعيار ليس إنكار الإصلاح المعلن، بل معرفة من يثبت التعذر، وكيف تُختار الهيئات البديلة، ومن يراقبها، وأين يطعن المستبعدون، وإلا أمكن للاستثناء إعادة إنتاج ما يعد النظام بتجاوزه .
أما استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية المنشور بأكتوبر ٢٠٢٦، فأظهر أن ٣٣٪ لا ينتمون لأي من الأحزاب المطروحة، مقابل ٢٢٪ لفتح و١٩٪ لحماس، ولا تقيس هذه الأرقام تمثيل المنظمة أو تثبت نيات القيادات، لكنها تشير إلى مساحة اجتماعية تحتاج منافسة أوسع، وبفعل النزوح وقيود الوصول، ينبغي التعامل معها كمؤشر، لا خريطة نهائية لصناديق لم تُفتح .
المصلحة في البقاء لا تحتاج دائمًا مؤامرة، فقد تنتجها قواعد مؤسسية راسخة ومتوارثة تكافئ الولاء وتعاقب الاستقلال، فيخشى المسؤول خسارة موقعه، والتنظيم خسارة حصته، والموظف خسارة رزقه، ثم تسمى حصيلة المخاوف توافقًا وطنيًا، هنا يصبح الإصلاح إعادة توزيع للضمانات، حماية المعارض والموظف والقاضي من الانتقام، حتى لا تبدو خسارة الانتخابات تهديدًا للوجود، ولا يصبح الفوز إذنًا باحتكار الدولة .
ولا يخفف هذا مسؤولية الاحتلال عن الاقتلاع وتدمير شروط الحياة، بل يمنع تحويل الجريمة الخارجية إلى إعفاء داخلي، فالأم الباحثة عن دواء، والشاب العاطل، والأسرة المثقلة بالديون، يحتاجون مؤسسات تنشر إنفاقها وتفسر قراراتها، وحين ينصرف الناس إلى النجاة الفردية، قد تبدو الساحة هادئة، بينما تتآكل قدرتها على إنتاج فعل جماعي، وهذا استقرار يستنزف مصادر استمراره .
إذا بقي التمويل وتماسكت الأجهزة والنخبة، يرجح استمرار الإدارة مع تراجع التمثيل، وإذا وقع شغور رئاسي وسط انقسام مراكز القوة، ترتفع مخاطر انتقال تفاوضي مغلق أو متنازع عليه، وقد نظم إعلان أكتوبر ٢٠٢٥ تولي نائب رئيس اللجنة التنفيذية الرئاسة مؤقتًا عند غياب التشريعي، لكن تعيين صاحب الاختصاص لا يحسم قبول الأطراف بحدوده، خصوصًا تحت صدمة مالية أو أمنية .
ويقوى احتمال التجديد حين تسبق الاقتراع حرية التنظيم واستقلال القضاء وحياد الأجهزة والمال العام، وتتضح قواعد تمثيل الشتات ومحاسبة البدائل غير المنتخبة، عندها يصبح الخلاف قابلًا للإدارة دون كسر المؤسسة، فالمفاجأة أن تأجيل التغيير لحماية القرار الفلسطيني قد يسلبه استقلاله، كلما غابت قواعد يقبلها المجتمع، ازداد وزن من يملك التمويل والسلاح والاعتراف الخارجي، وصار الشعب آخر من يختار قيادته .