
ليست المأساة أن إسرائيل خسرت صورتها أمام العالم، بل أن كاتبًا إسرائيليًا بات يرى أن الحرب التي أرادت استعادة الأمن حوّلت المجتمع إلى وحش، وأن الدولة التي امتلكت فائضًا من القوة عجزت عن حماية نفسها من هزيمة تتسلل إلى ضمير العالم. هنا لا يعود السؤال كم قتلت الحرب، بل ماذا فعلت بإسرائيل نفسها، وبأي ثمن ستخرج من معركة ظنّت أنها قادرة على كتابة نهايتها وحدها؟
في مقاله بصحيفة «هآرتس»، يذهب الكاتب الإسرائيلي روبيك روزنتال إلى أبعد من الاعتراف بتراجع صورة إسرائيل الدولية، حين يتحدث عن تداعيات الحرب على المجتمع الإسرائيلي وأمنه القومي، ويرى أن آثارها لن تنتهي خلال عام أو ثلاثة، بل ستظل ممتدة لأجيال. وما يستحق التوقف عنده ليس فقط حجم القلق الذي تعكسه هذه الكلمات، بل اللغة التي اختارها الكاتب لوصف ما أصاب المجتمع الإسرائيلي، حين تحدث عن تحوله إلى وحش، وعن حرب مزّقت الدولة من الداخل، وألحقت ضررًا بما يصفه بأحد أضعف مواقعها: صورتها أمام العالم.
إنها شهادة تكشف مأزقًا يتجاوز الحسابات العسكرية. فإسرائيل التي اعتادت تقديم نفسها للعالم باعتبارها دولة ديمقراطية تحاصرها الأخطار، وجدت نفسها أمام مشاهد الدمار في غزة، وأمام صور الأطفال والنساء والنازحين، وأمام أسئلة لم تعد الحملات الإعلامية قادرة على إسكاتها. لقد سقطت جدران الرواية الرسمية، وباتت الكوفية الفلسطينية، التي أراد الاحتلال طمس دلالاتها السياسية والإنسانية، رمزًا حاضرًا في الجامعات والشوارع والساحات الغربية.
وحين يتحدث روزنتال عن ملايين الأطفال في الغرب الذين باتوا متمسكين بهويتهم الفلسطينية، فإنه يقرّ، من زاوية قلقه الإسرائيلي، بأن الحرب لم تنجح في عزل الفلسطيني عن العالم، بل دفعت قضيته إلى قلب النقاش الدولي. لم يعد الفلسطيني مجرد رقم في نشرة أخبار، ولا مجرد صورة عابرة على شاشة؛ صار حضوره سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا يواجه الحكومات والمؤسسات والرأي العام، ويعيد فتح ملف الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني.
لكن ينبغي ألا نخلط بين الاعتراف بأزمة الصورة الإسرائيلية وبين الاعتراف الكامل بالحقوق الفلسطينية. فروزنتال، كما يظهر من كلامه، ينطلق من خوفه على إسرائيل ومجتمعها وأمنها، وليس بالضرورة من مراجعة جذرية لموقفه من الاحتلال أو من معاناة الفلسطينيين. وهذه المفارقة تستحق أن تُقرأ بوضوح: قد يكتشف الكاتب أن الحرب أضرت بدولته، بينما يظل الفلسطيني الذي دفع الثمن الأكبر ينتظر اعترافًا بحقه في الحرية والكرامة، لا مجرد اعتراف بأن صورته أصبحت مؤثرة في العالم.
لقد راهنت إسرائيل طويلًا على أن التفوق العسكري قادر على حسم الصراع، وأن القوة تستطيع فرض واقع جديد، وأن السيطرة على الأرض يمكن أن تتقدم على أي نقاش بشأن الحقوق. غير أن الحرب كشفت حدود هذا الرهان. فالقوة التي لا تنتج أمنًا مستدامًا، ولا تنهي الاحتلال، ولا تمنح الفلسطيني حقه في تقرير مصيره، تتحول إلى دائرة مفتوحة من العنف، تستهلك المجتمع الذي يمارسها بقدر ما تدمّر المجتمع الواقع تحتها.
وإذا كان روزنتال يرى أن الحرب ستترك أثرًا على المجتمع الإسرائيلي لأجيال، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه إسرائيل اليوم ليس كيف تستعيد صورتها في الغرب، ولا كيف تخفف من وقع المشاهد التي خرجت من غزة، بل كيف تستعيد القدرة على تصور مستقبل لا يقوم على إخضاع شعب آخر. فالصورة الدولية ليست أصل الأزمة، بل انعكاس لها؛ وما دامت أسباب الصراع قائمة، فلن تنفع محاولات التجميل، ولن تستطيع الدعاية أن تمنح الأمن لمن يرفض الاعتراف بحقوق الآخرين.
أما الفلسطينيون، فلا يحتاجون إلى شهادة إسرائيلية كي يثبتوا أن هويتهم حية، وأن قضيتهم لم تُمحَ، وأن العالم لم يعد قادرًا على تجاهلهم. لكن أهمية هذه الشهادة أنها تأتي من داخل المجتمع الذي اعتقد أن القوة وحدها قادرة على كتابة النهاية. إنها تكشف أن الحرب، مهما امتلكت من أدوات التدمير، لا تستطيع أن تحسم صراعًا على الحرية والعدالة والوجود.
ولعل السؤال الأكثر إيلامًا لإسرائيل، والأكثر وضوحًا للفلسطينيين، هو: كيف يمكن لدولة أن تبحث عن أمنها في حرب لا تنتهي، وأن تتوقع من العالم أن يرى قوتها ولا يرى ضحاياها؟ إن الهزيمة الحقيقية ليست فقط في تراجع الصورة أو في اتساع الاحتجاجات، بل في العجز عن إدراك أن الأمن لا يُبنى على أنقاض شعب، وأن المستقبل لا يمكن أن يكون امتدادًا دائمًا للحرب.
فإذا كانت هذه الحرب قد مزّقت المجتمع الإسرائيلي، كما يقول روزنتال، فإن ما يجب أن يتغير ليس الصورة وحدها، بل السياسة التي أنتجت هذا المأزق. لا أمن دائمًا مع الاحتلال، ولا استقرارًا مع إنكار الحقوق، ولا مستقبلًا يمكن أن يُكتب بالقوة وحدها. هذه هي الحقيقة التي لا تستطيع الطائرات أن تحجبها، ولا تستطيع الدعاية أن تطمسها، مهما طال زمن الحرب.