
أتابع بقلق النقاش الدائر حول مدرسة افتح بولس السادس في بيت لحم، ليس بسبب الخلاف المتعلق بنظام المدرسة وارتداء الحجاب فحسب، وإنما لأن النقاش بدأ ينتقل من مسألة تربوية وحقوقية قابلة للحوار إلى مساحة أكثر خطورة؛ مساحة تصنيف الناس والمؤسسات وفق هوياتهم الدينية. وهذا تحديداً ما لا يحتاجه المجتمع الفلسطيني.
منذ أكثر من خمسة عقود، تقدم مدرسة افتح بولس السادس خدمات تعليمية وتأهيلية متخصصة للأطفال الصم وضعاف السمع، وقد استقبلت عبر سنوات عملها أطفالاً فلسطينيين من خلفيات دينية مختلفة. والأهم هنا ليس المرجعية الدينية للمؤسسة، بل وظيفتها المجتمعية: تعليم الأطفال، وتأهيلهم، ومساعدتهم على الاندماج والمشاركة الكاملة في المجتمع. ومن هذه الزاوية يجب أن نناقش القضية.
فالمجتمع الحديث لا يُبنى على سؤال من المسلم ومن المسيحي؟ ولا على تحديد حقوق الفرد أو مكانته وفق انتمائه الديني. المجتمع الحديث يقوم على المواطنة؛ أي أن الإنسان مواطن أولاً، متساوٍ في الكرامة والحقوق والواجبات، وله بعد ذلك أن يكون مسلماً أو مسيحياً، متديناً أو غير متدين، وأن يختار قناعاته وهويته الشخصية بحرية. وهذا ليس موقفاً ضد الدين، بل موقف ضد تحويل الدين إلى أداة للفرز الاجتماعي والسياسي.
وقد وضع القانون الأساسي الفلسطيني أساساً واضحاً لهذا التصور. فالمادة (9) تنص على أن الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء، من دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو الرأي السياسي أو الإعاقة. كما تكفل المادة (18) حرية العقيدة والعبادة وممارسة الشعائر الدينية. المعادلة هنا واضحة؛ حرية المعتقد حق، والمساواة حق، ولا يجوز أن تتحول هوية أي فرد أو جماعة إلى أساس للتمييز أو الإقصاء.
ومن هنا أيضاً يجب النظر إلى قضية الحجاب في المدرسة. فالحجاب بالنسبة إلى من تختاره تعبير عن قناعة شخصية ودينية يحميها الحق في حرية المعتقد. وفي الوقت نفسه، فإن للمؤسسات التعليمية، بما فيها المؤسسات الخاصة وذات الخلفية الدينية، أنظمة داخلية وقواعد تنظم عملها، يفترض أن تكون معلنة وواضحة ومتوافقة مع القانون. لكن لا الحرية الفردية مطلقة، ولا النظام الداخلي لأي مؤسسة مقدس أو غير قابل للنقاش.
عندما يقع تعارض بينهما، لا يكون الحل بالتحريض أو التخوين أو استدعاء الانتماءات الدينية، وإنما بالاحتكام إلى القانون، ومبادئ الضرورة والتناسب وعدم التمييز، ومصلحة الطفل الفضلى، وخصوصاً عندما نتحدث عن أطفال من ذوي الإعاقة قد تكون خياراتهم التعليمية المتخصصة محدودة. هذا هو النقاش الذي نحتاجه.
أما تحويل المسألة إلى مواجهة بين "مدرسة مسيحية" و"طالبات مسلمات"، فهو في حد ذاته جزء من المشكلة. فالمدرسة ليست أقل فلسطينية بسبب خلفيتها المسيحية، والطالبة ليست أقل انتماءً إليها بسبب كونها مسلمة. كلاهما يتحرك داخل فضاء اجتماعي وقانوني فلسطيني واحد. وهنا تصبح المواطنة أكثر من مجرد كلمة.
المواطنة تعني أن الكنيسة والمسجد والمدرسة والمؤسسة العامة والخاصة جميعها موجودة داخل فضاء وطني مشترك، وأن الدولة والقانون لا يسألان المواطن عن دينه قبل الاعتراف بحقوقه. وتعني أيضاً ألا تحتاج أي جماعة إلى "تسامح" الأغلبية معها كي تكون جزءاً من المجتمع؛ لأن حقوقها لا تستمد من قبول الآخرين بها، وإنما من مواطنتها وكرامتها الإنسانية.
ولهذا فإن الوجود المسيحي في فلسطين لا يحتاج إلى تبرير أو حماية باعتباره وجود "أقلية". المسيحي الفلسطيني ليس ضيفاً يحتاج إلى ضمان بقائه، وإنما مواطن أصيل وشريك كامل في التاريخ والمكان والمستقبل، تماماً كما هو المسلم الفلسطيني. وهذه النقطة تتجاوز مدرسة افتح بولس السادس بكثير.
أحد أخطر مؤشرات ضعف المجتمعات هو عودتها إلى الهويات الفرعية كلما وقع خلاف مسلم ومسيحي، ابن هذه المدينة وابن تلك، هذه الطائفة وتلك الجماعة. التنوع في ذاته ليس مشكلة؛ المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الفرعية إلى المصدر الأول للولاء، وإلى أداة للحشد والاستقطاب وتحديد من هو "نحن" ومن هو "هُم". لدينا ما يكفي من الانقسامات.
المجتمع الفلسطيني يواجه احتلالاً واستيطاناً وتهجيراً وانقساماً سياسياً وتفككاً جغرافياً وضغوطاً اجتماعية واقتصادية هائلة. وأمام هذا كله، فإن آخر ما نحتاج إليه هو إنتاج خطوط انقسام جديدة داخل المجتمع على أساس الدين.
لذلك، يجب معالجة الخلاف في مدرسة افتح بولس السادس باعتباره خلافاً حقوقياً وتربوياً ومدنياً، هل النظام واضح؟ هل هو قانوني ومتناسب؟ هل يحترم حقوق الطالبات؟ هل توجد بدائل أو حلول تحقق مصلحة الأطفال وتحترم طبيعة المؤسسة؟ هذه أسئلة مشروعة، ويمكن الاختلاف حول إجاباتها. أما السؤال غير المشروع فهو: من ينتصر، المسلمون أم المسيحيون؟. لأنه لا ينبغي أن تكون هناك معركة أصلاً.
ما نحتاجه هو مجتمع لا يطلب من أحد أن يتخلى عن دينه أو مُعتقده، ولا يسمح لأحد أن يفرضه على غيره؛ مجتمع تُدار فيه الاختلافات بالقانون والحوار، لا بالتحشيد والهويات المغلقة. فلسطين التي نريدها ليست فلسطين الطوائف، بل فلسطين المواطنين.
وفي دولة المواطنة، يكون الاختلاف حقاً، والمساواة قاعدة، والتنوع قوة، والقانون هو المساحة المشتركة التي تحمي الجميع.