خلال بودكاست بدائل: من انتظار المحاكم إلى حلول أسرع وأكثر سرية.. الوساطة والتحكيم يوسعان حضورهما في فلسطين

19/09/2026

في ظل طول أمد التقاضي وتعقّد بعض النزاعات وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية والتجارية والأسرية، تتزايد الحاجة في فلسطين إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات، وفي مقدمتها الوساطة والتحكيم، باعتبارها أدوات يمكن أن تسهم في تخفيف الضغط عن المحاكم والوصول إلى حلول يشارك أطراف النزاع أنفسهم في صياغتها.

وقالت المحامية والمحكمة المعتمدة من وزارة العدل الفلسطينية، الدكتورة أريج عودة، إن الوسائل البديلة لحل النزاعات "ليست بديلاً للقضاء"، وإنما هي وسائل أخرى، من بينها الوساطة والتحكيم والتوفيق، من شأنها دعم القضاء ومساندته.

وأوضحت خلال حلقة جديدة من بودكاست بدائل الذي تنتجه شبكة وطن الإعلامية بالشراكة مع وزارة العدل وبدعم من برنامج سواسية المشترك، أن الفرق الأساسي بين القضاء والوساطة يتمثل في أن القاضي يصدر حكماً استناداً إلى النصوص القانونية والبينات المقدمة أمامه، بينما يعمل الوسيط على تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع وصولاً إلى اتفاق ينبع من إرادتهم هم، دون أن يفرض عليهم قراراً.


"رابح ورابح" بدلاً من غالب ومغلوب
وترى عودة أن اللجوء إلى الوساطة يمكن أن يحافظ على العلاقات بين أطراف النزاع، لأن الحل يكون قائماً على التراضي، بدلاً من خروج أحد الطرفين منتصراً والآخر خاسراً بحكم قضائي.
واستشهدت بتجربة في نزاع على أرض جرى بيعها بعقد خارج دائرة الأراضي، موضحة أن القانون قد يتعامل مع مثل هذه المعاملة باعتبارها باطلة، رغم مرور سنوات طويلة وارتفاع قيمة الأرض بصورة كبيرة، الأمر الذي يجعل الوساطة في بعض الحالات مساحة للوصول إلى تسوية تراعي مصالح الطرفين.
وأكدت أن اتفاق التسوية الناتج عن الوساطة ليس مجرد "اتفاق شرف"، وإنما يمكن التوجه به إلى المحكمة لتنفيذه وفق الأصول القانونية.


التحكيم.. قاضٍ تختاره الأطراف
أما التحكيم، فأشارت عودة إلى أنه يختلف عن الوساطة، كونه نظاماً قانونياً منظماً بموجب قانون التحكيم الفلسطيني رقم (3) لسنة 2000، ولائحته التنفيذية.
وبحسب عودة، فإن من أبرز مزايا التحكيم، خصوصاً في النزاعات التجارية، السرعة والسرية والتخصص، إذ يستطيع أطراف النزاع اختيار المحكم، كما يمكن أن يكون المحكم متخصصاً في المجال محل النزاع، سواء كان تجارياً أو هندسياً أو مصرفياً، وفقاً لطبيعة القضية واختصاص المحكم.
وقالت إن هذا الأمر مهم في القطاع التجاري، حيث قد يؤدي طول أمد النزاع أمام المحاكم إلى خسائر إضافية، فضلاً عن أن بعض الشركات والتجار والمؤسسات المصرفية يحرصون على عدم كشف تفاصيل أوضاعهم المالية أمام الجمهور.


كورونا وإضرابات المحامين.. اختبار لقدرة التحكيم
وتحدثت عودة عن تجربة التحكيم خلال جائحة كورونا، مشيرة إلى أنها تعاملت مع قضيتين تحكيميتين خلال تلك الفترة، في الوقت الذي تأثرت فيه المحاكم بإجراءات الإغلاق.
وأضافت أن التحكيم والوساطة يمكن أن يستمرا في ظروف قد تعرقل عمل المحاكم، كما حدث خلال فترات الإضرابات، بسبب طبيعة انعقاد جلساتهما وإمكانية اختيار مكانها.


نزاعات الأراضي تدخل مساراً جديداً
وفي تطور تشريعي حديث، أشارت عودة إلى القرار بقانون رقم (19) لسنة 2026 بشأن محاكم تسوية الأراضي والمياه، الذي يتيح، وفقاً لما ورد في الحلقة، إحالة بعض النزاعات والاعتراضات المتعلقة بالتسوية إلى التحكيم، وفق إجراءات محددة.
وأوضحت أن إحالة الاعتراض إلى التحكيم تتطلب موافقة جميع المعترضين في حال تعددهم، معتبرة أن إدخال التحكيم في هذا المسار قد يفتح مجالاً لمعالجة قضايا بقي بعضها عالقاً لسنوات.


ليس كل نزاع قابلاً للتحكيم
وفي المقابل، شددت عودة على أن الوساطة والتحكيم لا يصلحان لكل أنواع القضايا، إذ توجد موضوعات ترتبط بالنظام العام أو بالأحوال الشخصية أو بقضايا لا يجوز فيها الصلح، وتبقى من اختصاص القضاء.
وأوضحت أن التحكيم يمكن أن يتناول بعض الحقوق المالية المرتبطة بالأحوال الشخصية، لكن قضايا مثل الزواج والطلاق لا تدخل ضمن نطاق التحكيم وفق الإطار الذي تحدثت عنه.


المحكم ليس محامي أحد الأطراف
وحذرت عودة من مفاهيم خاطئة شائعة لدى المواطنين، أبرزها الاعتقاد بأن المحكم هو وكيل أو محامٍ للطرف الذي اختاره.
وقالت إن المحكم قاضٍ مستقل ومحايد، وليس وكيلاً عن أي طرف، وإن اختيار الشخص كمحكم لا يعني أنه سيحكم لصالح من اختاره، مؤكدة أن الحياد والنزاهة من أهم الشروط التي يجب أن تتوافر فيه.
وأضافت أن من مزايا التحكيم أن الأطراف يمكنهم اختيار المحكم، وفي بعض الحالات اختيار مكان انعقاد جلسات التحكيم واللغة المستخدمة، وهو ما يختلف عن القضاء الذي يحدد فيه القانون المحكمة والقاضي المختص.


"الوساطة أصعب من التحكيم"
وترى عودة أن الوساطة تتطلب مهارات خاصة، وربما تكون أكثر صعوبة من التحكيم، لأن الوسيط لا يصدر قراراً، وإنما عليه أن يستمع إلى الأطراف ويمتص غضبهم ويبحث عن نقاط الالتقاء بينهم.
وأكدت أن الوسيط يحتاج إلى الصبر، والقدرة على الاستماع، والحياد، وفهم الجوانب النفسية للنزاع، مشيرة إلى أن الوساطة ليست مجرد تقريب شكلي لوجهات النظر، وإنما مهارة تتطلب التدريب والخبرة.
وبحسب عودة، فإن نجاح الوساطة يبدأ أحياناً من معرفة الوسيط متى يستمع ومتى يتدخل، وكيف يختصر الخلاف إلى نقاطه الأساسية، بدلاً من ترك الأطراف يغرقون في تفاصيل قد لا تكون جوهر النزاع.


نحو ثقافة مختلفة في حل النزاعات
وتخلص عودة إلى أن توسيع ثقافة الوساطة والتحكيم في المجتمع الفلسطيني لا يعني إضعاف دور القضاء، بل يمكن أن يشكل مساراً موازياً يسهم في تخفيف العبء عنه، ويمنح المواطنين خيارات إضافية للتعامل مع نزاعاتهم، خصوصاً تلك التي يمكن أن تنتهي بالتوافق وتحافظ على العلاقات بين أطرافها.


ومع استمرار قضايا أمام المحاكم لسنوات، يبرز السؤال حول قدرة الوسائل البديلة على التحول من ممارسة محدودة إلى ثقافة مجتمعية وقانونية أكثر انتشاراً، وما إذا كانت ستنجح في نقل جزء من النزاعات من ساحات التقاضي الطويل إلى طاولة التفاهم والحلول التوافقية.