
وطن للأنباء:
القدس – الحملة التي أطلقها الصحفي علاء الريماوي، مشكورا، ليست مجرد حملة لإسقاط ديون أو تأجيلها. إنها مبادرة من إنسان إلى إنسان، ومن قادر إلى معسر، لتخفيف أعباء أصبحت فوق طاقة كثير من الناس. وهي، بهذا المعنى، تجسيد لخلق قرآني عظيم: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۖ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. والمعنى السامي ذاته نجده في الإنجيل: "وإن أقرضتم من ترجون أن تستوفوا منهم، فأي فضل لكم؟ ... بل أحبوا ... وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئا".
هذا هو جوهر الحملة: أن تساعد إنسانا لأنه يحتاج إلى المساعدة، لا لأنه يستطيع أن يرد لك الجميل.
وهي تأتي في وقتها تماما. فالضفة الغربية والقدس تعيشان ظروفا اقتصادية قاسية ومدمرة، تتراكم فيها الديون، وتتراجع فرص العمل والدخل، وتزداد كلفة الحياة، فيما تضيق مساحات الأمان أمام الناس. وفي غزة، هناك كارثة إنسانية واقتصادية واجتماعية هائلة تنوء بها الجبال، واحتياجات تتجاوز قدرة الأفراد والمبادرات الصغيرة بآلاف المرات. الحملة وأخواتها لا ينبغي أن تقاس فقط بما جمعته حتى الآن، وإنما بما يمكن أن تعيد إحياءه وترسيخه من مفهوم "العونة"؛ أي ثقافة أن نحمل بعضنا بعضا عندما يعجز الفرد عن حمل نفسه.
لكن إذا كان الفرد القادر يستطيع أن يتنازل عن دين، أو يؤجل استحقاقا، أو يطعم جائعا، أو يسامح متعثرا، فإن المؤسسات الفلسطينية القادرة تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك بكثير. المصارف الفلسطينية تستطيع أن تقدم قروضا ميسرة، والأهم أن تعيد جدولة الديون بجدية، وأن تقدم حلولا لأصحاب الأعمال الذين يريدون العمل ولا يريدون صدقة. شركات الاتصالات تستطيع أن تسامح جزءا من الديون أو تؤجلها. المستشفيات تستطيع أن توسع نطاق العلاج المجاني أو المخفض. الشركات الكبرى تستطيع أن تتحمل جزءا أكبر من مسؤوليتها الاجتماعية. وهيئات المياه والكهرباء تستطيع أن تتعامل مع الأسر المعسرة بروح مختلفة. وأصحاب العقارات يمكنهم أيضا أن يقبلوا بأرباح أقل خلال هذه الأزمة العاصفة.
ليس المطلوب أن تتوقف هذه المؤسسات عن الربح(!)، بل أن تقبل، في هذه المرحلة الاستثنائية، بهامش ربح أقل إذا كان ذلك يعني أن فلسطينيا آخر يستطيع أن يبقى واقفا على قدميه.
ونحتاج في الوقت نفسه إلى لجان تطوعية في كل مدينة وبلدة ومخيم وحي، تعمل مع المخابز والمطاعم ومحال الأغذية وشركات المواد الغذائية، بحيث لا تنام أسرة محتاجة وهي عاجزة عن تأمين الخبز والطعام. فمن العيب، بل من الجارح، أن تهدر كميات كبيرة من الطعام الجيد والنظيف في الوقت الذي يوجد فيه بيننا من لا يجد ما يضعه على مائدة أطفاله.
بمعنى آخر، ما بدأ كحملة يمكن أن يتحول إلى شبكة تضامن مجتمعية حقيقية.
وهنا يجب أن يكون الكلام واضحا وحازما: التكافل ليس رخصة للسرقة، ولا ينبغي أن يدفع المجتمع ثمن استهتار وجشع ووقاحة من يستطيع ولا يريد أن يدفع. من يسرق الماء أو الكهرباء وهو قادر على دفع فاتورته، ومن يتعمد التهرب من التزاماته، ومن يحتال للحصول على مساعدة وهو ليس بحاجة إليها، فهو لا يسرق من مؤسسة أو شركة فقط، وإنما يسرق من متعفف يحتاج فعلا إلى تلك المساعدة. هؤلاء يستحقون العقاب الصارم، لأنهم يعتدون على حق المجتمع وعلى حق من هم بحاجة.
والأهم من ذلك بكثير أن تمتد المحاسبة القاسية إلى كل من جعل من معاناة أهل غزة المكلومة فرصة لتكديس الثروات والأرباح غير المشروعة. من جمع المال على حساب جوع الناس، أو احتكر ما يحتاجه أهل غزة، أو استغل الحرب والحصار والدمار لمراكمة أرباحه، يجب أن يكشف أمرهم ومعاقبتهم. لا وطنية في استغلال الجوع، ولا دين في المتاجرة بمأساة الناس، ولا شرف في تحقيق أرباح مغمسة بدماء الضحايا.
في غزة، الواقع هناك لا يحتمل مبادرات متفرقة، بل يحتاج إلى إرادة فلسطينية واسعة ومنظمة، وإلى أموال ومؤسسات وخطط والتزام طويل النفس. ومع ذلك، فإن روح "تنازل لله" وشبيهاتها يمكن أن ترسي اللبنات الأولى لهذا الجهد: أن يفعل كل فلسطيني ما يستطيع، وأن تفعل كل مؤسسة ما تستطيع، وأن يتحمل أصحاب رؤوس الأموال مسؤولية أكبر بكثير مما يتحملها المواطن العادي.
والشيء بالشيء يذكر: لا مكان بيننا للساخرين والسلبيين الذين يسخرون من كل محاولة، ويزرعون الهزيمة، ويقنعون الناس بأن لا شيء يستحق المحاولة. نعم، الواقع قاس، لكن السخرية من محاولات إنقاذ الناس والاستخفاف بها موقف سمج ووقح، فليتركوا الناس تعمل. بمعنى آخر: "حلو عن سمانا".
قد تكون هذه الحملة قصيرة العمر، وهذا ليس عيبا. لكن يجب ألا تكون فكرتها كذلك؛ فنحن أمام واحدة من أقسى المراحل الاقتصادية والسياسية التي عاشها الفلسطينيون منذ عام 1967، وأهدافها ومراميها السياسية لا تخفى على أحد.
وفي مثل هذه الأيام، لا يكفي أن نقول إن الفلسطيني شعب صامد. الصمود يعني أنه عندما تضيق بنا الدنيا، يجد الفلسطيني كتفا لفلسطيني آخر يستند إليها.
الدنيا لسه بخير!