دينا أبو دية تكتب لوطن: تفكيك الجغرافيا تحت دخان الإقليم ومأزق السيكولوجيا السياسية

05/09/2026

يمر المشهد الإقليمي والدولي بحالة حادة من الانفصام البنيوي؛ حيث تُدار المنطقة عبر مسرحين متوازيين يُغذي أحدهما الآخر. ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم وشاشات الإعلام نحو دوي المواجهات الباليستية، وتبادل الضربات الصاروخية على امتداد جبهات التماس الإقليمية من الخليج إلى جنوب لبنان، تُدار في المساحات المعتمة من الميدان الفلسطيني واحدة من أشرس عمليات إعادة التشكيل الجغرافي والديمغرافي. إن القراءة التفكيكية للمرحلة الراهنة ترفض القراءات الانطباعية السطحية التي تجزئ الأزمات وتتعامل مع الجبهات كجزيرات معزولة؛ فنحن لا نواجه تصعيداً عسكرياً طارئاً هنا أو إجراءً استيطانياً موضعياً هناك، بل نعيش لحظة "الذروة الاستراتيجية" لمنظومة استعمارية تعتمد إدارة الفوضى كستار دخاني، وتستغل الفراغ الأخلاقي الدولي لتمرير التصفية الميدانية الشاملة للجغرافيا الوطنية.

إن التصعيد الإقليمي المشتعل سواء عبر استهداف القواعد الأمريكية في الخليج، أو عبر المواجهات العسكرية المباشرة في جنوب لبنان وتحديداً حول موقع "تلة علي الطاهر" ليس مجرد انعكاس لصراع إرادات بين واشنطن وطهران، بل يمثل "مسرح تعمية استراتيجي" تجري الاستفادة منه وتوظيفه بعناية فائقة. تعتمد الإستراتيجية الاستعمارية الحديثة على استغلال قدرة الإعلام على صناعة الهوس الجمعي بالحدث الضخم والمباشر؛ إذ إن إبقاء عواصم القرار الدولي والمؤسسات الحقوقية في حالة استنفار دائم لمتابعة أحداث الخليج والحدود الشمالية يخلق حالة من "المشهدية الطاغية" التي تحجب الرؤية عن الفعل اليومي الصامت. ومع ذلك، فإن هذا الاستثمار للظروف لا يعني بالضرورة وجود "تنسيق مسبق أو تناغم كامل" بين كافة أطراف الصراع، إذ إن الصدمات العسكرية الإقليمية تحمل دائماً هامشاً من عدم التوقع الذي قد يربك حسابات واشنطن وتل أبيب، لكن الخطورة تكمن في القدرة العالية للمؤسسة الاستعمارية على الانتهازية السياسية، وتحويل هذه الصدمات الحادة إلى غطاء لإعادة ترتيب الأولويات الدولية، وتقزيم القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مجرد تفصيل أمني صغير داخل ملف إقليمي ضخم.

وفي ظل هذه الستائر الدخانية، تتجلى خطورة التحول الجاري في الضفة الغربية عبر الانتقال الفعلي والحاسم من "الفعل العسكري الخشن" إلى "الأتمتة البيروقراطية الناعمة". إن الأوامر العسكرية القاضية بمصادرة أراضٍ في قلب المنطقة (A) بمحافظة جنين، وهي المناطق المخولة إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقيات أوسلو، تُمثل الرصاصة الأخيرة على الهيكل القانوني للمرحلة الانتقالية. غير أن هذا الضم البيروقراطي وتسلّم "وزارة العدل الإسرائيلية" لملف "تسوية وتسجيل الأراضي" لا يقف عند حدود السيادة التنظيمية، بل يُعبر عن عملية دمج وتأميم اقتصادي شامل؛ إذ إن إعادة تسجيل الأراضي ورسم المخططات الهيكلية ترتبط مباشرة بمشاريع البنية التحتية القومية لعمق الاحتلال، بدءاً من السيطرة الكاملة على الحوض المائي المشرقي والمناجم والمقالع، وصولاً إلى أوتوسترادات الطاقة والربط الشبكي. إن هذا الدمج المالي الاستثماري يجعل كلفة التراجع عن الضم مستحيلة اقتصادياً وليس فقط سياسياً، حيث تُدمج الجغرافيا المصادرة في الدورة الاقتصادية للرأسمالية الاستعمارية، فتتحول الأرض من مجرد مسرح نزاع سياسي إلى أصل استثماري ذي جدوى عالية.

ولا تقف هذه الهندسة الجغرافية عند حدود السيطرة على الأرض والموارد، بل تذهب بعيداً نحو التحكم بالديمغرافيا عبر ما يمكن تسميته "التهجير البطيء والصامت". إن تحويل المدن والقرى الفلسطينية إلى معازل ديمغرافية محاصرة بأبراج المراقبة والجدران وشبكات الطرق الالتفافية لا يستهدف حصر السكان فقط، بل يمارس عدواناً منظماً على "الزمن والقدرة على الاحتمال"؛ فمن خلال خنق أفق النمو الاقتصادي، وتعطيل انسيابية الحركة اليومية، وتفتيت الحياة العامة، تُبنى بيئة طاردة ديمغرافياً تُدفع فيها القطاعات الشابة نحو الكفر بجدوى العيش في هذه المعازل. إنها استراتيجية تستهدف الروح المعنوية، وتحول الهجرة والرحيل الناعم نحو الخارج إلى خيار شخصي فردي، لتفرغ الأرض تدريجياً من نخبها وطاقاتها الحية دون حاجة لشاحنات تهجير قسري علنية.

إن هذه الهندسة المركبة لا تتغذى فقط على النفاق الغربي و"التسليح الأخلاقي العنصري" الذي يُعطل القوانين الدولية لحماية السيطرة الاستعمارية، بل تنفذ وتتعمق عبر الشرخ البنيوي والطبقي داخل المجتمع الفلسطيني نفسه. لقد أدى الاستمرار الطويل لنموذج الحكم الانتقالي تحت الاحتلال إلى نشوء "طبقة مصالح اقتصادية وبيروقراطية" ترتبط معيشياً واستثمارياً بإدامة الواقع المنجز وضمان استقرار إدارة الأزمة. هذه الطبقة تصبح حارساً أمنياً واقتصادياً للوضع القائم، وتخشى أي كسر لقواعد اللعبة؛ مما يعمق الانفصام بين خطاب رسمي مجتر يتحدث عن "حل الدولتين" و"التهدئة"، وبين واقع ميداني يُسحق يومياً. وفي المقابل، تتشكل في القاع الجماهيري أجيال شابة خارجة عن الأطر الحزبية التقليدية والارتهانات الاقتصادية، تقف في مواجهة مباشرة مع الاحتلال دون أوهام، مما يجعل تفكيك شبكة المصالح الداخلية المنفصلة عن همّ الأرض شرطاً أساسياً لصدم البيروقراطية الاستعمارية.

ختاماً، إن الشرق الأوسط لا يواجه أزمات متفرقة يمكن التعامل معها بـ "حقن التهدئة" أو الحلول المؤقتة، بل يقف أمام لحظة تعرية شاملة للنظام الدولي وأدواته، حيث تنبع خطورة المرحلة من محاولة فرض منطق الاستسلام للواقع المنجز. إن العبور من التشخيص إلى الفاعلية يتطلب استراتيجية عكسية تكسر جدوى الضم الاستثماري وتفشل التهجير البطيء؛ تبدأ بإعادة صياغة العقد الاجتماعي الداخلي لمواجهة أصحاب المصالح المرتبطة بالواقع المنجز وبناء أطر قيادية شعبية تُمثل الأجيال المقاومة، وتمتد إلى رفع كلفة الضم الاقتصادي بملاحقة المؤسسات المتورطة في أتمتة وتسوية الأراضي أمام المحاكم والأسواق العالمية، بالتوازي مع الاستثمار في اقتصاد الصمود المحلي لدعم بقاء المواطنين على أرضهم. إن الإدراك الحاسم بأن القرار البيروقراطي، والمشروع الاستثماري، والخطاب السياسي المعطل، هي أدوات لورشة عمل واحدة، هو بداية الطريق لإسقاط أوهام الحلول المتقادمة، وبناء مواجهة شاملة تحمي الحق الوجودي الراسخ في الأرض والكرامة الوطنية.