
ليست كل ( نعم ) موافقة، وليست كل موافقة قناعة، وليست كل قناعة نتيجة تفكير حر. هناك نعم تصنعها الحاجة، ونعم يصنعها الخوف، ونعم تفرضها المصلحة، ونعم تولد من الرغبة في البقاء داخل الدائرة، وهناك نعم اكثر خطورة، تلك التي تصنعها بيئة سياسية يصبح فيها المطلوب من الفرد ان يوافق قبل ان يفكر، وان يصطف قبل ان يسأل، وان يصفق قبل ان يفهم. عندها لا تعود "نعم" مجرد كلمة، بل تتحول الى نظام كامل لادارة العقول والمواقف.
هذه هي (سياسة النعم ) التي باتت واحدة من اكثر الظواهر قسوة في حالتنا السياسية. سياسة تجعل القرار مقدسا بمجرد صدوره، وتجعل من الاعتراض عليه خروجا عن الصف، ومن السؤال تشويشا، ومن الاختلاف ضعفا، ومن الصمت حكمة، ومن التراجع واقعية، ومن التصفيق دليلا على الوفاء. وفي مثل هذه البيئة يصبح السياسي او التنظيم او التيار محاطا بما يشبه الحصانة السياسية .. يقرر، ثم تبحث القاعدة عن مبررات القرار، يغير موقفه، فتبحث له عن تفسير، يتراجع، فيقال ان التراجع قراءة جديدة ، يخطئ، فيقال ان المرحلة كانت معقدة، يفشل، فيقال ان الظروف لم تكن مواتية. وفي كل مرة يكون التصفيق جاهزا قبل ان يبدأ السؤال.
المشكلة هنا ليست في (نعم) واحدة، ولا في قرار واحد، ولا في تنظيم واحد. المشكلة ان (النعم) تحولت الى ثقافة سياسية واجتماعية، والى طريقة في التعامل مع السلطة والقيادة والتنظيم والمرجعية والمعارضة. صارت هناك (نعم) للقرار، و( نعم) للتحالف و (نعم ) للمشاركة، و(نعم) للتوقيت، و(نعم) للمسار، و(نعم ) لما يقال، و(نعم ) لما لا يقال. وفي المقابل اختفت (اللا ) او جرى دفعها الى الهامش، حتى اصبح مجرد طرح السؤال يحتاج احيانا الى شجاعة اكبر من شجاعة اتخاذ القرار نفسه.
وفي الحالة الفلسطينية تصبح المسألة اكثر قسوة، لاننا لسنا امام مجتمع يعيش ظروفا طبيعية، ولا امام خلاف سياسي عابر يمكن تأجيله الى موعد الانتخابات التالية. نحن امام احتلال وحرب وانقسام واختلال هائل في ميزان القوة، وامام قضية وطنية تتعرض يوميا للضغط والاقتلاع والتفكيك. ومع ذلك، وبدلا من ان تنتج هذه الظروف حاجة اكبر الى السؤال والنقد والمراجعة، انتجت في كثير من الاحيان مزيدا من الخوف من السؤال، ومزيدا من التمسك بالقرار حتى عندما تكون نتائجه امام العين.
ولا احد يستطيع ان يدعي البراءة من هذه الثقافة. ليست السلطة وحدها مسؤولة عن ( سياسة النعم )، وليست فتح وحدها، ولا حماس وحدها، ولا التيار الاسلامي السياسي وحده، ولا اليسار وحده. كل هذه القوى، بدرجات مختلفة، شاركت في انتاج بيئة سياسية يصبح فيها قول (نعم) اسهل من قول (لا) ، ويصبح الالتزام بالقرار اقل كلفة من مناقشته، ويصبح التصفيق اكثر امانا من السؤال.
ولعل التيار الاسلامي السياسي يقدم واحدة من اكثر الصور وضوحا لهذه المعضلة. ففي جزء من بنيته التنظيمية والسياسية، يمكن ان يتحول القرار الى التزام، والالتزام الى طاعة، والطاعة الى امتحان للانتماء. عندها لا يعود الاختلاف مجرد اختلاف في تقدير سياسي، بل يمكن ان ينظر اليه باعتباره مشكلة في الانضباط او في الولاء او في الالتزام بخط الجماعة. وحين تدخل المرجعية في صناعة القرار السياسي، تصبح المسافة بين ( انا مقتنع ) و(انا ملتزم ) اكثر ضيقا، وقد تتحول ( نعم) من موقف سياسي الى اختبار للانتماء نفسه.
وهنا يمكن ان تستخدم عبارة (اولي الامر ) في المجال السياسي بوصفها صورة للمرجعية التي ينتقل معها القرار من كونه قابلا للنقاش الى كونه قرارا مطلوبا الامتثال له. وليس المقصود هنا الدخول في تفسير ديني او نقاش فقهي، بل الاشارة الى خطورة استخدام اي مرجعية، دينية كانت او سياسية او تنظيمية، لتحويل القرار الى شيء فوق السؤال. فحين يصبح المرجع غير قابل للنقد، يصبح العقل نفسه مطالبا بالتنازل عن حقه في الاعتراض، وتصبح (لا ) اقرب الى الخطيئة السياسية، حتى لو كان موضوع الخلاف قرارا سياسيا قابلا للخطأ والصواب.
لكن هل اليسار خارج هذه المعادلة؟ بالتأكيد لا. وهذه ربما واحدة من اكثر المفارقات ايلاما. فاليسار الذي يفترض ان يكون اكثر حساسية تجاه حرية التفكير والاختلاف وحق السؤال، والذي امضى سنوات طويلة في نقد السلطة واتفاق اوسلو وسقوف النظام السياسي القائم، يجد نفسه احيانا امام لحظة القرار فيقول ( نعم ) لما كان يرفضه بالامس، او يشارك في صيغة سياسية كان يعتبرها جزءا من الازمة، او يقبل بترتيبات كان قد قدم ضدها عشرات الحجج...
هنا لا تكون المشكلة في ان اليسار غير موقفه. تغيير الموقف ليس جريمة، والسياسة ليست عقيدة جامدة. المشكلة ان السؤال يختفي احيانا من لحظة التغيير. ما الذي تغير؟ هل تغيرت شروط اوسلو؟ هل تغيرت طبيعة النظام السياسي؟ هل تغيرت وظيفة المشاركة؟ هل تغيرت موازين القوى؟ هل تغيرت اهداف المشاركة ام تغير القرار التنظيمي فقط؟ هذه الاسئلة هي التي يجب ان تسبق (نعم ) . اما ان يقال لنا ان الموقف تغير لان القيادة قررت، فهذه ليست مراجعة سياسية، بل اعادة انتاج لثقافة ( النعم ) التي يفترض ان اليسار نفسه ان يكون في مقدمة نقدها.
وهكذا نكتشف ان (سياسة النعم ) ليست ملكا لتيار واحد. انها تمتد من السلطة الى المعارضة، ومن التنظيم الى الحزب، ومن التيار الاسلامي السياسي الى اليسار، ومن المؤسسات الى القاعدة. تختلف اللغة، وتختلف المبررات، لكن الجوهر واحد .. القرار يأتي اولا، ثم يأتي التفكير في كيفية الدفاع عنه...
والاخطر من ذلك ان التصفيق لم يعد مجرد سلوك اجتماعي عابر، بل صار اداة سياسية. التصفيق يريح القيادة من السؤال، والتسحيج يحمي القرار من المساءلة، والمبالغة في المديح تعيد انتاج صورة النجاح حتى عندما تكون النتائج تقول شيئا اخر. وفي السياسة، لا شيء اخطر من ان تصبح القيادة محاطة بمن يشرحون لها دائما لماذا هي على حق، بينما تختفي الاصوات التي يمكن ان تقول لها ان الطريق الذي تسلكه خاطئ.
وحين يصبح التصفيق جزءا من صناعة القرار، تبدأ الذاكرة السياسية نفسها بالتشوه. الموقف القديم الذي كان رفضا يصبح (قراءة مختلفة ) ، والتناقض يصبح (تطورا ) ، والتراجع يصبح (مرونة ) ، والهزيمة تصبح (مرحلة ) ، والخطأ يصبح (اجتهادا ) . لا مشكلة في التطور ولا في تغيير المواقف، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التغيير بلا مراجعة، والتناقض بلا تفسير، والخطأ بلا مسؤولية. عندها تتحول السياسة الى حكاية تكتب بعد القرار لا قبله، ويصبح المطلوب من القاعدة ان تتذكر ما يناسب القرار الجديد وان تنسى ما عداه.
وهنا يجب ان نسأل السؤال الذي يبدو بسيطا لكنه غائب في كثير من الاحيان: اين اضحت اهدافنا الوطنية؟ هل ما زالت الارض والحرية وتقرير المصير والعودة وانهاء الاحتلال والقدس وبناء نظام سياسي قادر على تمثيل طموحات المجتمع هي المعايير التي نقيس بها قراراتنا؟ ام تحولت هذه العناوين الى شعارات تحفظ في الخطب والبيانات، بينما اصبح القرار السياسي يقاس بمعيار اخر: هل يناسب القيادة؟ هل يناسب التنظيم؟ هل يناسب التحالف؟ هل يحافظ على الموقع؟ هل يمنع الخلاف الداخلي؟
هنا تصبح (النعم ) اخطر من مجرد ثقافة طاعة، لانها تبدأ في فصل الوسيلة عن الغاية. قد نختلف على الوسائل، وهذا طبيعي، لكن الكارثة ان نختلف على الغاية ثم نتظاهر ان الخلاف ما زال حول الوسيلة. عندما يصبح الحفاظ على التنظيم اهم من المشروع الوطني، او الحفاظ على التحالف اهم من الهدف، او الحفاظ على الموقع اهم من المبدأ، تكون السياسة قد بدأت تاكل القضية من الداخل، مهما بقيت الكلمات الوطنية حاضرة في الخطاب.
والامر نفسه ينطبق على المقاومة. ليس السؤال هل نريد المقاومة ام لا. هذا اختزال مخل لمسألة اكثر تعقيدا. السؤال هو .. من يقرر شكل المقاومة؟ من يحدد توقيتها؟ من يراجع نتائجها؟ من يحدد حدودها؟ متى نغير اداتها؟ متى نعيد تقييمها؟ كيف نجعلها جزءا من مشروع سياسي وطني لا مجرد فعل منفصل عن استراتيجية اوسع؟ وكيف نضمن ان تظل المقاومة وسيلة لتحقيق الاهداف الوطنية لا ان تتحول الوسيلة نفسها الى هدف لا يسمح احد بمناقشته؟
لا احد يطلب التخلي عن المقاومة، ولا تحويل النقد الى ادانة لها. على العكس، المقاومة التي تريد ان تستمر تحتاج الى عقل سياسي قادر على مراجعة ادواتها بقدر ما تحتاج الى ارادة الاستمرار. مقاومة الاحتلال تحتاج الى شجاعة في مواجهة الاحتلال، لكنها تحتاج ايضا الى شجاعة في مواجهة الذات. وليس كل من يسأل عن شكل المقاومة او توقيتها او نتائجها يعارض المقاومة، كما ان ليس كل من يقول ( نعم ) للمقاومة يقدم بالضرورة خدمة للمشروع الوطني.
المشكلة تبدأ عندما تصبح المقاومة نفسها مجالا محرما على السؤال، كما تصبح القيادة مجالا محرما على السؤال، والتنظيم مجالا محرما على السؤال، والتحالف مجالا محرما على السؤال. عندها نفقد القدرة على تطوير الاداة، ثم نفقد القدرة على مراجعة النتائج، ثم نفقد القدرة على اكتشاف الاخطاء، وفي النهاية نتحول الى الدفاع عن المسار لمجرد انه مسارنا.
وهنا لا يعود السؤال عن (النعم ) سؤالا اخلاقيا فقط، بل يصبح سؤالا سياسيا بامتياز. ماذا تفعل حركة سياسية حين تعارض اجراء الانتخابات في ظل شروط معينة، ثم يأتي القرار التنظيمي فتتحول ( لا ) الى ( نعم ) ؟ ماذا تفعل قاعدة تعترض على تحالف ناشئ لانها ترى فيه تناقضا مع خطابها السابق، ثم يصبح التحالف قرارا فتبدأ عملية البحث عن المبررات؟ ماذا يفعل تيار امضى سنوات في نقد المشاركة ضمن سقوف النظام القائم، ثم تأتي لحظة القرار فيشارك دون ان يشرح بوضوح ما الذي تغير؟
هذه ليست اسئلة ضد المشاركة، ولا ضد الانتخابات، ولا ضد التحالفات، ولا ضد المقاومة. هذه اسئلة ضد غياب السؤال نفسه. وهذا هو جوهر المأزق. اننا لم نعد نختلف فقط على الاجابات، بل بدأنا نفقد حقنا في طرح الاسئلة. وعندما يفقد المجتمع السياسي حق السؤال، يصبح من السهل جدا ان يصبح القرار سابقا على التفكير، وان يصبح التنظيم سابقا على القناعة، وان تصبح المرجعية سابقة على العقل، وان يصبح التصفيق بديلا عن النقاش. ثم نكتشف بعد ذلك ان الوحدة مطلوبة، وان الصف يجب ان يبقى متماسكا، وان الوقت لا يسمح بالخلاف، وان المرحلة حساسة، وان العدو يستفيد من الانقسام. وكل هذه الحجج قد تكون صحيحة في جزء منها، لكن استخدامها لاغلاق باب السؤال يحول الوحدة الى غطاء للصمت، والانضباط الى وسيلة لمنع التفكير، والالتزام الى اعفاء للقيادة من المسؤولية.
الوحدة التي تخاف من السؤال ليست وحدة قوية. والتنظيم الذي لا يحتمل الاختلاف ليس تنظيما قويا. والمقاومة التي لا تسمح بمراجعة ادواتها معرضة لان تتحول من وسيلة الى غاية. والقيادة التي لا تسمع ( لا ) لا تصبح اكثر قوة، بل تصبح اقل قدرة على رؤية الواقع.
لهذا نحن بحاجة الى استعادة (لا ) الفلسطينية، لا بوصفها موقفا سلبيا، ولا بوصفها رفضا لكل شيء، بل بوصفها اداة سياسية ضرورية. (لا ) التي تقول .. هذا القرار يحتاج الى مراجعة. ( لا ) التي تقول .. هذا التحالف غير مقنع. ( لا ) التي تقول .. هذه المشاركة تحتاج الى تفسير. (لا ) التي تقول .. الانتخابات ليست مقدسة اذا كانت شروطها تخدم اعادة انتاج الازمة. (لا ) التي تقول .. هذا الاسلوب في المقاومة يحتاج الى تطوير. ( لا ) التي تقول .. القيادة اخطأت. (لا ) التي تقول .. التنظيم يحتاج الى اصلاح. (لا ) التي تقول .. المرجعية لا تملك الحق في مصادرة العقل.
لان السياسة التي لا تسمح بقول ( لا ) تنتج في النهاية شيئا واحدا .. مواطنين سياسيين يتقنون الموافقة اكثر مما يتقنون التفكير. وتنظيمات تعرف كيف تحشد القاعدة اكثر مما تعرف كيف تسمعها. وقيادات تعرف كيف تحصل على التصفيق اكثر مما تعرف كيف تتحمل المسؤولية. وهذا هو الخطر الحقيقي. ليس ان نختلف كثيرا، بل ان نتفق كثيرا بلا تفكير. ليس ان تكون لدينا اصوات معارضة كثيرة، بل ان تختفي المعارضة من داخل التنظيم نفسه. ليس ان يقول احدهم ( لا ) ، بل ان يصبح الجميع عاجزين عن قولها حتى عندما يعرفون ان (نعم ) التي يقولونها ليست قناعتهم.
في النهاية، لا تحتاج القضية الوطنية الى مزيد من التصفيق، ولا تحتاج المقاومة الى مزيد من الشعارات، ولا تحتاج السياسة الى مزيد من ( النعم ) الجاهزة. ما تحتاجه هو عقل قادر على السؤال، وقيادة قادرة على سماع السؤال، وتنظيم قادر على تحمل الاختلاف، ومعارضة قادرة على ان تكون معارضة حتى عندما تكون داخل النظام، ومقاومة قادرة على مراجعة ادواتها من دون ان تتخلى عن هدفها.
اخطر ما يمكن ان يحدث لقضيتنا ليس فقط ان يهزمنا الخصم، بل ان نفقد القدرة على مراجعة انفسنا. واخطر ما يمكن ان يحدث للمقاومة ليس فقط ان يشتد عليها الخصم، بل ان تصبح عاجزة عن مراجعة تجربتها. واخطر ما يمكن ان يحدث للسياسة ليس فقط ان تفشل، بل ان نصفق للفشل ونمنحه مبررات جديدة. واخطر ما يمكن ان يحدث للمجتمع ليس فقط ان يخاف، بل ان يتعلم ان يخاف من قول الحقيقة.
وعندما تصبح ( نعم ) هي اللغة الوحيدة المسموح بها، لا تعود السياسة سياسة، ولا يعود التنظيم تنظيما، ولا تعود المعارضة معارضة، ولا يعود السؤال سؤالا. يصبح كل شيء مجرد طقس من طقوس الطاعة، وكل قرار يبحث عمن يصفق له، وكل قيادة تبحث عمن يقول لها انها لم تخطئ.
ومنذ متى كان يمكن لسياسة لا تسمح بقول ( لا ) ان تنتج تغييرا ..؟