حرب المناهج ... معركة على الوعي والهوية والذاكرة

02/09/2026

 كتب اسماعيل الريماوي: لم تعد المعركة على فلسطين تدور فقط حول الأرض والحدود والمستوطنات والحواجز، بل انتقلت بصورة أكثر خطورة إلى عقل الإنسان الفلسطيني وذاكرته، وإلى المدرسة التي يتلقى فيها الطفل أول تعريف له بتاريخه ووطنه وهويته، فالمناهج التعليمية أصبحت واحدة من ساحات الصراع الأساسية، لأن من يسيطر على التعليم لا يسيطر على حاضر الجيل فقط، بل يحاول أن يرسم شكل وعيه للمستقبل.

وفي القدس المحتلة تبدو الصورة أكثر وضوحاً وقسوة؛ إذ تمثل المدينة مختبراً لسياسات الأسرلة التي تستهدف مختلف جوانب الحياة، وفي مقدمتها التعليم، فمحاولة دفع المدارس الفلسطينية باتجاه المنهاج الإسرائيلي، أو إخضاع المنهاج الفلسطيني للحذف والتعديل، ليست مجرد عملية تربوية، بل جزء من مشروع سياسي يسعى إلى إعادة تعريف علاقة الطالب بمدينته وتاريخه وهويته.
فالطفل المقدسي الذي يدخل مدرسته ويجد أن رموز هويته الوطنية قد حُذفت، وأن محطات أساسية من تاريخ شعبه أصبحت غائبة أو مشوهة، وأن الرواية الإسرائيلية تحل تدريجياً محل الرواية الفلسطينية، لا يتلقى تعليماً محايداً؛ بل يتعرض لعملية إعادة تشكيل للوعي، الهدف الأبعد هو أن يكبر جيل يعرف القدس كمدينة تحت الإدارة الإسرائيلية، أكثر مما يعرفها باعتبارها جزءاً من وطنه وتاريخه وهويته الفلسطينية.
وتزداد خطورة هذه السياسة عندما تتحول الحاجة إلى التمويل والترميم والتراخيص إلى أدوات ضغط على المدارس، فحين تصبح الميزانية التعليمية مشروطة بالقبول السياسي أو المنهجي، تتحول المدرسة من مؤسسة تربوية إلى ساحة ابتزاز، ويصبح المعلم والإدارة والطالب جميعاً تحت ضغط منظومة تريد فرض نموذج ثقافي وسياسي محدد.
ولا تقف المعركة عند حدود القدس، ففي الضفة الغربية، يواجه المنهاج الفلسطيني نوعاً آخر من الضغوط، مصدره الجهات الدولية المانحة والسياسات الغربية التي تربط في بعض الأحيان التمويل والمساعدات التعليمية بإجراء تعديلات على محتوى المناهج، خصوصاً ما يتعلق بتاريخ الصراع والمقاومة والرواية الوطنية الفلسطينية.
وهنا تظهر مفارقة شديدة الخطورة: الفلسطيني يجد نفسه بين ضغط مباشر من الاحتلال في القدس، وضغوط سياسية ومالية غير مباشرة في الضفة الغربية، في الحالة الأولى، هناك محاولة لفرض الرواية الإسرائيلية بصورة مباشرة؛ وفي الثانية، هناك محاولة لدفع الفلسطيني إلى إعادة صياغة روايته بما يتوافق مع شروط سياسية خارجية.
المشكلة ليست في تطوير المناهج أو تحديثها؛ فكل نظام تعليمي يحتاج بصورة طبيعية إلى المراجعة والتطوير، المشكلة تبدأ عندما يصبح "التطوير" غطاءً لتفريغ المنهاج من مضمونه التاريخي والوطني، أو عندما تتحول المساعدات المالية إلى وسيلة للتأثير في ما يتعلمه الطالب الفلسطيني عن وطنه وتاريخه.
فالتعليم ليس مجرد معلومات عن الرياضيات والعلوم واللغات، التعليم أيضاً ذاكرة وهوية وتاريخ، وحين يُطلب من الطالب أن ينسى النكبة، أو أن يتعامل مع الاحتلال باعتباره حقيقة طبيعية لا تحتاج إلى تفسير، أو أن تُمحى من أمامه مفاهيم الأرض والتهجير والاستيطان والأسرى والجدار، فإننا لا نتحدث عن تعديل أكاديمي بريء، وإنما عن إعادة تشكيل للرواية التي يفهم من خلالها هذا الطالب العالم من حوله.
إنها حرب على الذاكرة قبل أن تكون حرباً على الكتاب المدرسي.
فالاحتلال يدرك أن السيطرة على الأرض وحدها لا تكفي، الأرض يمكن أن تبقى في الذاكرة حتى لو صودرت، والبيت يمكن أن يبقى حاضراً في وجدان صاحبه حتى لو هُدم، والقرية يمكن أن تبقى حية في ذاكرة أبنائها حتى لو أقيمت فوقها مستوطنة، لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو قطع الصلة بين الإنسان وتاريخه.
ومن هنا تأتي أهمية المدرسة.
فالمدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل أسماء المدن والقرى، ويتعرف فيه إلى تاريخ شعبه، ويفهم أسباب اللجوء والتهجير، ويعرف معنى الاحتلال والاستيطان، ويكتشف أن فلسطين ليست مجرد اسم على الخريطة، وإنما وطن وذاكرة وحق.
ولهذا فإن الصراع على المناهج هو في جوهره صراع على السؤال الأكبر: من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وماذا حدث لفلسطين؟
إن محاولة إعادة صياغة التاريخ لا تستهدف الماضي فقط؛ إنها تستهدف المستقبل، فإذا نشأ جيل لا يعرف تاريخ النكبة، ولا يعرف كيف فقد الفلسطينيون أرضهم، ولا يعرف شيئاً عن القرى المدمرة، ولا يفهم طبيعة الاحتلال والاستيطان، فسوف يصبح من الأسهل على الرواية الإسرائيلية أن تقدم نفسها باعتبارها الرواية الوحيدة أو الطبيعية أو المنطقية.
وهنا تتجاوز القضية حدود فلسطين لتصبح جزءاً من مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تقديم إسرائيل باعتبارها دولة طبيعية في المنطقة، منفصلة عن تاريخ الصراع والاستعمار والاحتلال، فكلما تراجعت الرواية الفلسطينية من الكتب المدرسية، أصبح من الأسهل تمرير رواية جديدة للأجيال العربية والفلسطينية تقوم على التطبيع مع الواقع القائم بدلاً من فهم جذوره.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه الشعب الفلسطيني ليس فقط أن يخسر جزءاً من أرضه، وإنما أن يخسر روايته عن هذه الأرض.
فالأرض التي تُنتزع بالقوة يمكن المطالبة بها واستعادتها، أما الذاكرة التي تُمحى من عقول الأجيال فقد يكون استعادتها أكثر صعوبة.
ولهذا فإن حماية المنهاج الفلسطيني لا تعني تحويل المدرسة إلى مكان للتحريض أو الكراهية، كما أنها لا تعني رفض تطوير التعليم أو الانفتاح على العالم، المطلوب هو تعليم الأجيال تاريخها كما هو، بكل تعقيداته، وتعريفها بحقوقها الوطنية، وفي الوقت نفسه بناء عقل نقدي قادر على فهم الروايات المختلفة ومناقشتها دون أن يفقد صلته بحقيقته وتاريخه.
فالسلام الحقيقي لا يبدأ من طفل لا يعرف تاريخه، ولا من جيل يُطلب منه أن ينسى ما حدث لأجداده حتى يصبح الاحتلال مقبولاً في وعيه.
السلام الحقيقي يبدأ عندما يعرف الجميع الحقيقة.
ومن هنا فإن المعركة على المنهاج الفلسطيني يجب أن تُفهم باعتبارها جزءاً من معركة أكبر: معركة الوعي الفلسطيني في مواجهة محاولات الأسرلة والتدجين والتطبيع وإعادة كتابة التاريخ.
إنها معركة على الذاكرة، لأن من يملك الذاكرة يملك القدرة على تعريف الماضي، هي معركة على الوعي، لأن من يحدد ما يتعلمه الطفل اليوم يستطيع التأثير في ما سيؤمن به غداً.
هي معركة على المستقبل، لأن الجيل الذي يُحرم من معرفة تاريخه قد يجد نفسه بعد سنوات أمام رواية جاهزة تقول له إن ما حدث لم يكن احتلالاً، وإن ما سُلب لم يكن أرضاً، وإن من قاوم الظلم لم يكن صاحب قضية، وإن الواقع الذي فُرض بالقوة كان دائماً أمراً طبيعياً، وهنا تحديداً تكمن خطورة حرب المناهج.
فالمعركة ليست على صفحات كتاب، بل على الصفحة الأولى من عقل طفل فلسطيني، وليست المعركة على درس تاريخ، بل على تاريخ شعب بأكمله.
وليست المعركة على المدرسة وحدها، بل على ما إذا كان الجيل القادم سيكبر وهو يعرف فلسطين كما عرفها آباؤه وأجداده، أم سيكبر وهو يحمل رواية صاغها الاحتلال والضغوط السياسية والمالية من أجله.
حين يعجزون عن تغيير الأرض بالقوة وحدها، يحاولون تغيير صورتها في الذاكرة، وحين لا يستطيعون اقتلاع الإنسان من وطنه، يحاولون اقتلاع الوطن من وعي الإنسان، ولذلك فإن الدفاع عن التعليم الفلسطيني هو دفاع عن الذاكرة، والدفاع عن الذاكرة هو دفاع عن فلسطين.

في المحصلة، تكشف قضية المناهج عن معركة تتجاوز حدود التعليم إلى السيطرة على الرواية والوعي، ففي القدس، يمارس الاحتلال الأسرلة بصورة مباشرة عبر الضغط على المدارس والمنهاج، بينما تواجه الضفة ضغوطاً خارجية مرتبطة بالتمويل، تدفع باتجاه إعادة صياغة المحتوى الوطني تحت عناوين مثل «الإصلاح» و«السلام».
فيما تتحمل السلطة جانباً من المسؤولية حين تسمح للحاجة المالية بأن تتحول إلى مدخل للتأثير في المناهج، فالمساعدات قد تموّل المدارس، لكنها لا ينبغي أن تحدد ما يتعلمه الطالب عن أرضه وتاريخه، وحين يصبح استمرار التمويل مرتبطاً بحذف أو تخفيف مضامين وطنية، تتحول العملية التعليمية إلى مساحة خضوع سياسي لا إلى مشروع لبناء وعي مستقل.
أما في القدس، فإن محدودية قدرة السلطة على التحرك لا تلغي مسؤوليتها عن إيجاد بدائل حقيقية لدعم المدارس الفلسطينية وحمايتها من الإغراءات والضغوط الإسرائيلية، فالاكتفاء بالبيانات أمام سياسة تُنفذ على الأرض يعني ترك الميدان لمن يملك المال والقرار.
الخطر الحقيقي ليس في تغيير درس أو حذف خريطة منفردة، بل في التراكم: تعديلات صغيرة، توجيهات، حذف، وإعادة صياغة، تنتهي مع الوقت إلى جيل أقل معرفة بتاريخ قضيته وأكثر قابلية لتقبل الرواية التي فُرضت عليه.
لهذا فإن معركة المناهج هي في جوهرها معركة على المستقبل، فحين يُعاد تشكيل وعي الطالب، لا يجري تعديل الماضي فحسب، بل يجري تحديد ما الذي سيبقى منه في ذاكرة الجيل القادم.
المطلوب ليس منهاجاً مغلقاً يرفض التطوير، ولا تعليماً يقوم على الكراهية، بل منهاجاً مستقلاً يعلّم الطالب الحقيقة، ويمنحه أدوات التفكير النقدي، ويحفظ حقه في معرفة تاريخ شعبه وأرضه وصراعه.
فإذا كانت السيطرة على الأرض هدفاً للاحتلال، فإن السيطرة على الرواية هي هدفه الأبعد، والمعركة التي لا تُحسم في الصفوف الدراسية اليوم، قد تُحسم غداً في ذاكرة جيل كامل.