
من يملك الشرعية الفلسطينية؟
ومن يحق له أن يمثل الفلسطينيين؟
ليست المشكلة في الانتخابات وحدها، بل فيمن يُسمح له بالانتخاب، وفيمن يُسمح له بالترشح، وفي القواعد التي تُوضع قبل أن يصل الناخب إلى الصندوق.
إذا كان المجلس الوطني هو المؤسسة التي يُفترض أن تعبّر عن الإرادة الوطنية الفلسطينية، فإن السؤال يصبح أكثر حساسية:
من يحدد شروط العضوية فيه؟ ومن يحدد من يدخل ومن يبقى خارجاً؟
وماذا يحدث إذا صُممت شروط العضوية بحيث تلزم المرشح مسبقاً ببرنامج سياسي محدد؟
إذا كان المجلس الوطني هو المؤسسة التي يفترض أن تناقش التوجهات والبرامج والسياسات، فإن فرض برنامج سياسي مسبق على المرشح يطرح معضلة حقيقية:
هل ينتخب المواطن مجلساً يملك حق مراجعة البرنامج وتغييره، أم ينتخب مجلساً مهمته المصادقة على برنامج حُسم قبل انتخابه؟
إذا كان المرشح لا يدخل المجلس إلا بعد إعلان التزامه ببرنامج سياسي محدد، فهل يبقى للمجلس، بعد انتخابه، مجال حقيقي لمراجعة هذا البرنامج؟
هنا لا تعود المسألة قانونية فقط، بل تمس جوهر الشرعية الفلسطينية.
فالانتخابات الحقيقية ليست أن تعرف النتيجة قبل فتح الصندوق.
الانتخابات الحقيقية هي أن يدخل السياسي إلى الصندوق وهو يعرف أنه قد يخسر.
أن يعرف أن المقعد ليس ملكاً له، وأن تاريخه النضالي وتنظيمه وماله ونفوذه لا تمنحه حقاً دائماً في البقاء.
الصندوق لا يعرف تاريخك النضالي، ولا رتبتك، ولا اسم تنظيمك.
الصندوق يعرف شيئاً واحداً: صوت المواطن.
إعادة بناء المجلس الوطني لا ينبغي أن تعني فقط إعادة توزيع المقاعد بين الفصائل والقوى السياسية القائمة.
فالمجتمع الفلسطيني مليء بالكفاءات التي راكمت، خلال عقود، خبرة أكاديمية وقانونية وثقافية وحقوقية وسياسية، وخصوصاً في المخيمات ومجتمعات الشتات.
في المخيمات، حيث عاش الفلسطينيون تجربة اللجوء بكل تفاصيلها، نشأت أجيال من الأكاديميين والمحامين والباحثين والمثقفين وأصحاب الاختصاص والمتابعين للشأن العام.
هؤلاء ليسوا هامشاً في الحياة الوطنية، ولا ينبغي أن يُنظر إليهم باعتبارهم مجرد جمهور يُستدعى عند الحاجة.
المجلس الوطني الذي يُراد له أن يكون وطنياً فعلاً، يحتاج إلى الكفاءات الأكاديمية المتخصصة في الشأن الفلسطيني، والباحثين، وأصحاب الخبرة الثقافية والقانونية والحقوقية، إلى جانب ممثلي القوى السياسية والاجتماعية.
فالتمثيل الوطني لا يكتمل بالعدد وحده، ولا بالانتماء التنظيمي وحده، ولا بتاريخ النضال وحده.
إنه يحتاج أيضاً إلى المعرفة والخبرة والقدرة على صياغة السياسات، والدفاع عن الحقوق، وفهم تعقيدات القضية الفلسطينية في الداخل والشتات.
وإذا كنا جادين في إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أساس التمثيل والكفاءة، فمن الطبيعي أن تكون هناك مساحة حقيقية داخل لجانها ومؤسساتها المتخصصة لأصحاب الخبرة والكفاءة من المخيمات والشتات، إلى جانب الكفاءات الفلسطينية في مختلف المجالات.
فالسؤال ليس فقط: كم مقعداً لكل فصيل؟
السؤال الأهم:
كم كفاءة فلسطينية بقيت خارج دوائر القرار لأن طريق الوصول إلى المؤسسة الوطنية مرّ، في أحيان كثيرة، عبر التنظيم والنفوذ والعلاقات أكثر مما مرّ عبر الكفاءة والاستحقاق؟
ثلاث مراحل في إعادة تشكيل الشرعية
يمكن قراءة تاريخ منظمة التحرير بوصفه ثلاث مراحل أساسية في إعادة تشكيل الشرعية الفلسطينية.
الأولى فرضها الشتات وغياب السيادة، حين كان المطلوب إنشاء إطار سياسي لشعب موزع بين المنافي والمخيمات والدول العربية.
والثانية جاءت مع صعود الفصائل، حين أصبحت المنظمة تدريجياً الإطار السياسي الذي تقوده القوى صاحبة الثقل الأكبر في الثورة الفلسطينية.
أما المرحلة الثالثة، التي نعيش ملامحها اليوم، فهي مختلفة.
فالفلسطيني الذي عاش عقوداً من الصراع والنفي والانقسام لم يعد ينظر إلى التمثيل بوصفه امتيازاً تمنحه النخب، بل بوصفه حقاً سياسياً أصيلاً.
وهنا تكمن المعضلة.
فالخطر ليس فقط أن تتراجع شرعية المؤسسة، وإنما أن تتحول عملية إعادة بنائها نفسها إلى وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية القديمة بأدوات جديدة.
أي أن تتحول الانتخابات من وسيلة لاستعادة الإرادة الشعبية إلى وسيلة لمنح شرعية انتخابية لبنية سياسية جرى تحديدها مسبقاً.
منظمة التحرير لم تُنشأ لتكون مؤسسة فوق الشعب الفلسطيني، بل مؤسسة له.
والمجلس الوطني لم يُنشأ لحماية مواقع السياسيين، بل لحمل صوت الفلسطينيين.
والشرعية لا تُورث، ولا تُشترى، ولا تُؤجّر.