بن غفير وسجن الدامون.. حين تتحول معاناة الأسيرات إلى دعاية انتخابية

01/09/2026

كتب اسماعيل جمعه الريماوي: لم يعد إيتمار بن غفير يتعامل مع ملف الأسرى الفلسطينيين باعتباره ملفاً أمنياً أو قانونياً فحسب، بل بات يتعامل معه باعتباره واحدة من أهم أدواته السياسية والإعلامية ودعايته الانتخابية، فظهوره الأخير داخل سجن الدامون مختبئا خلف حراسه خوفا من اي هجوم ، واقتحامه القسم الذي تحتجز فيه الأسيرات الفلسطينيات، وتصوير المشاهد وبثها عبر الإعلام الإسرائيلي، يكشف بوضوح أن السجن لم يعد بالنسبة إليه مجرد مكان للاحتجاز، وإنما تحول إلى مسرح للاستعراض السياسي وإنتاج الصور الانتخابية.

المشهد بحد ذاته يحمل دلالات تتجاوز تفاصيل الزيارة، وزير الأمن القومي الإسرائيلي يدخل إلى زنزانة أسيرات فلسطينيات، يستمع إلى شكوى إحداهن من ظروف الاحتجاز، لكنه بدلاً من إظهار أي قدر من المسؤولية أو التعاطف، يدافع عن تشديد ظروف الأسر، مؤكداً أن الأسيرات لا ينبغي أن يعشن ظروفاً مريحة.

هنا تتكشف طبيعة الرسالة التي يريد بن غفير إيصالها،

إنه لا يتحدث إلى الأسيرات فقط، بل يتحدث من خلالهن إلى الجمهور الإسرائيلي، فهو يريد أن يقول لناخبيه: هذا هو أنا، وهذا ما فعلته، وهذا مقدار القسوة التي أستطيع فرضها على الفلسطينيين ، وبذلك تصبح معاناة امرأة خلف القضبان مادة لإثبات "الصلابة" السياسية، ويتحول الألم الإنساني إلى رصيد انتخابي.

وهذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها بن غفير بسخافته المعروفة تحويل السجون إلى منصة سياسية، فمنذ توليه وزارة الأمن القومي، ارتبط اسمه بسلسلة من الإجراءات المتشددة تجاه الأسرى الفلسطينيين، وبزيارات واقتحامات للسجون حرص خلالها على الظهور أمام الكاميرات، في مشاهد تحمل في كثير من الأحيان طابعاً استعراضياً واضحاً.

لكن الأكثر خطورة أن هذا السلوك يأتي في ظل حديث متواصل عن تدهور ظروف الأسرى والأسيرات، وعن إجراءات تشمل العزل، والتفتيش، وتقييد الزيارات، ونقص الرعاية الطبية، وسوء الأوضاع المعيشية، والعقوبات الجماعية.

وبحسب مؤسسات الأسرى الفلسطينية، بلغ عدد الأسيرات الفلسطينيات 92 أسيرة، غالبيتهن في سجن الدامون، في ظل ظروف اعتقال صعبة وشكاوى متواصلة من سوء المعاملة.

كما سبق أن حذرت مؤسسات فلسطينية من أوضاع الأسيرات الحوامل، مشيرة إلى وجود ثلاث أسيرات حوامل، وإلى ظروف احتجاز قاسية وقيود على الزيارات والرعاية، ومهما اختلفت المواقف السياسية حول قضية الأسرى، فإن وجود نساء حوامل خلف القضبان يفرض سؤالاً إنسانياً وقانونياً لا يمكن دفنه خلف الشعارات الأمنية.

فالقضية هنا ليست الدفاع عن جريمة أو تبرير عمل مسلح، وإنما السؤال عن الطريقة التي يجب أن تتعامل بها الدولة مع الإنسان الموجود في السجن.

حتى السجين الذي تتهمه الدولة بأخطر الجرائم لا يفقد إنسانيته، ولا تتحول كرامته إلى امتياز تمنحه الحكومة أو تسحبه منها وفقاً للحسابات السياسية، وإذا كانت الدولة تزعم أنها دولة قانون، فإن القانون يجب أن يكون أكثر وضوحاً داخل السجون، لا أقل.

لكن بن غفير يقدم نموذجاً مختلفاً تماماً.

إنه نموذج السياسي الذي يجد في العقاب الجماعي وسيلة لإرضاء الجمهور، وفي القسوة وسيلة لإثبات القوة، وفي إذلال الخصم وسيلة لتسجيل النقاط السياسية.

وهنا يتحول ملف الأسرى إلى جزء من معركة انتخابية أوسع داخل إسرائيل، حيث تتنافس قوى اليمين المتطرف على من يستطيع تقديم سياسات أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين، وفي مثل هذه البيئة السياسية، يصبح التراجع عن الإجراءات القمعية مكلفاً انتخابياً، بينما تصبح القسوة نفسها إنجازاً يُعرض على الجمهور.

ولذلك فإن بن غفير لا يحتاج فقط إلى أن يفرض إجراءات قاسية؛ هو يحتاج أيضاً إلى تصويرها وتسويقها.

الكاميرا جزء من السياسة.

السجن جزء من الحملة.

والأسيرات الفلسطينيات يتحولن، رغماً عنهن، إلى خلفية لمشهد سياسي يريد من خلاله بن غفير أن يثبت لجمهوره أنه لا يزال السياسي الأكثر تشدداً.

وهذه هي المفارقة الأكثر قسوة في المشهد: امرأة فلسطينية داخل زنزانة تشكو من ظروف الاعتقال، ووزير يقف أمامها ليدافع عن استمرار هذه الظروف، بينما تقوم الكاميرا بتوثيق المشهد ليشاهده الجمهور لاحقاً.

إنها ليست مجرد صورة عن علاقة السجان بالأسير؛ إنها صورة عن علاقة السياسة بالإنسان عندما يفقد السياسي الحدود الأخلاقية التي يفترض أن تضبط ممارسته للسلطة.

والأخطر أن خطاب بن غفير لا يقف عند حدود السجون، فقد ارتبط اسمه أيضاً بدفع سياسات وتشريعات أكثر تشدداً تجاه الأسرى الفلسطينيين، وصولاً إلى الدفع باتجاه عقوبة الإعدام، في محاولة لتحويل الانتقام من الفلسطينيين إلى سياسة رسمية ومقبولة داخل النظام السياسي الإسرائيلي.

وبذلك يصبح الأسير الفلسطيني في الخطاب السياسي الإسرائيلي المتطرف ليس إنساناً يجب أن يخضع للقانون، وإنما رمزاً للعدو الذي يجب إذلاله ومعاقبته بأقصى صورة ممكنة.

وهذا النوع من الخطاب لا يصنع أمناً حقيقياً، بل يصنع مجتمعاً يتغذى سياسياً على الخوف والكراهية والرغبة في الانتقام.

إن أخطر ما في ظاهرة بن غفير ليس شخص بن غفير وحده، وإنما أن هناك جمهوراً وسياسة وحكومة تسمح لهذا الخطاب بأن يتحول إلى سياسة رسمية.

فالمشكلة لا تنتهي برحيل وزير أو سقوط حكومة، المشكلة تبدأ عندما تصبح القسوة تجاه الفلسطينيين معياراً للشعبية، وعندما يصبح التشدد في السجون ورقة انتخابية، وعندما يستطيع سياسي أن يحقق مكاسب من صورة أسيرة فلسطينية تعاني خلف القضبان.

من هنا يجب قراءة مشهد سجن الدامون.

إنه ليس مجرد زيارة وزير إلى سجن، ولا مجرد تقرير تلفزيوني عابر، بل تعبير عن تحول أعمق: تحول السجن من مكان يفترض أن يخضع للقانون إلى مساحة للاستعراض السياسي، وتحول معاناة الأسرى من قضية حقوقية إلى مادة للمزايدة الانتخابية.

لكن التاريخ لا يحاسب الدول على عدد السجون التي بنتها، ولا على مقدار القسوة التي مارستها خلف القضبان، وإنما يحاسبها على مدى احترامها للإنسان عندما يكون في أضعف حالاته.

وإذا كان بن غفير يعتقد أن إذلال الأسيرات يجعله أكثر قوة أمام ناخبيه، فإن الصورة التي ستبقى أمام العالم قد تكون مختلفة تماماً: وزير يقف متباهياً أمام نساء محرومات من حريتهن، ويستخدم معاناتهن لإثبات قوته السياسية.

وهنا لا تعود القضية قضية أسيرات فلسطينيات فقط.

إنها قضية إنسانية أكبر: هل تستطيع دولة أن تتحدث عن القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما يتحول إذلال النساء خلف القضبان إلى مادة للدعاية السياسية؟

ذلك هو السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً أمام العالم.