نبهان خريشة يكتب لوطن: عندما يصبح إرهاب المستوطنين قضية دولية

30/08/2026

لم يعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية شأنا إسرائيليا داخليا، ولا مجرد ملف أمني يتعلق بمجموعة من المتطرفين الذين يخرجون على القانون بين حين وآخر. لقد تجاوز هذه المرحلة منذ زمن، لكنه بات اليوم أكثر وضوحا بوصفه قضية دولية تتعلق بمسؤولية دولة احتلال عن جماعات مسلحة ومنظمة تعمل في الأراضي التي تسيطر عليها، وتحظى بأشكال مختلفة من الحماية والتمويل والغطاء السياسي.

ولعل الدليل الأوضح على هذا التحول أن بنيامين نتنياهو نفسه اضطر إلى كسر صمته وإدانة ما وصفه بـ"أعمال العنف الإجرامية"، والحديث عن "حفنة من مثيري الشغب" تسيء إلى المستوطنين وإلى مكانة إسرائيل في العالم. ولو بقي الأمر قضية إسرائيلية داخلية، لما وجد نتنياهو حاجة إلى هذا الخطاب، خصوصا أن حكومته صمتت طويلا عن اعتداءات المستوطنين، بل إن وزراء فيها وفروا لهم غطاء سياسيا وأيديولوجيا. لكن المسألة خرجت من حدود الضفة الغربية وإسرائيل عندما بدأت صور الاعتداءات وحرق الممتلكات ومحاصرة المنازل والاعتداء على الصحفيين تصل إلى العواصم الغربية، وعندما أصبح دبلوماسيون أمريكيون وأوروبيون يستخدمون لغة لم تكن مألوفة قبل سنوات في وصف هذه الظاهرة. حتى  أن السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي وصل به الأمر إلى وصف حصار مستوطنين لمنازل فلسطينية في قصره بأنه عمل إرهابي مروع.
المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل أعمق من صورة مجموعة شبان ملثمين يهاجمون قرية فلسطينية. إسرائيل تقدم نفسها باعتبارها دولة تنتمي إلى المنظومة الغربية الديمقراطية، وتطالب العالم بالتعامل معها وفق هذا التعريف. لكن وجود جماعات مسلحة منظمة، تعمل بالمئات في أرض واقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، وتهاجم المدنيين وتحرق ممتلكاتهم وتستولي على أراضيهم وتشارك في دفع تجمعات كاملة إلى الرحيل، يطرح سؤالا يتجاوز مسؤولية الأفراد إلى مسؤولية الدولة التي تسمح بوجود هذه الجماعات وتحمي البيئة التي تعمل فيها.
وتزداد خطورة السؤال عندما تشير منظمات حقوقية دولية إلى أن المستوطنين المسؤولين عن هذه الاعتداءات يستفيدون من دعم مالي ومادي وقانوني رسمي إسرائيلي، وأن اعتداءات مسلحة تقع أحيانا بحضور قوات الجيش أو بالقرب منها. وتقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن عنف المستوطنين أدى منذ مطلع 2023 إلى تهجير كامل أو جزئي لـ107 تجمعات فلسطينية تضم نحو 5900 شخص. كما سجلت الأمم المتحدة تصاعدا كبيرا في الاعتداءات، فيما تشير أرقام المؤسسة الأمنية الإسرائيلية المنشورة إلى تسجيل 660 اعتداء ذا طابع قومي في النصف الأول من عام 2026، مقابل 405 في الفترة المقابلة من العام السابق. هذه ليست صورة «حفنة من المشاغبين»، وإنما ظاهرة لها بنية وجغرافيا وبيئة سياسية حاضنة.
وهنا يصبح وصف ما يجري بالإرهاب وصفا للظاهرة لا شتيمة سياسية. فعندما تستخدم جماعات منظمة العنف المسلح والحرق والترهيب والاعتداء على المدنيين بهدف إجبارهم على ترك أرضهم، وتحقيق غاية سياسية تتمثل في توسيع السيطرة على الأرض، فإننا أمام العناصر الأساسية التي يقوم عليها الإرهاب السياسي. وإذا ثبت أن مؤسسات الدولة توفر لهذه الجماعات التمويل أو السلاح أو الحماية أو الإفلات من العقاب، فإن السؤال المشروع لا يعود فقط: من هم الإرهابيون؟ بل: ما مسؤولية الدولة التي ترعاهم أو تمكنهم؟
المفارقة أن هذا الاستنتاج لم يعد فلسطينيا فقط. ففي يونيو الماضي وجه رؤساء حكومات إسرائيليون سابقون وقادة سابقون في الجيش والأجهزة الأمنية وقضاة وأكاديميون وشخصيات عامة رسالة شديدة اللهجة تحدثت صراحة عن ”الإرهاب اليهودي" في الضفة، واتهمت الحكومة بالعجز عن مواجهته، بل بتوفير بيئة سياسية ومالية وقانونية تسمح باستمراره.
حتى اللواء آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، الذي يصعب اعتباره خصما للمشروع الاستيطاني، وصل إلى استخدام تعبير "الإرهاب اليهودي"محذرا من أن استمرار اعتداءات المستوطنين يمكن أن يشعل انتفاضة فلسطينية جديدة. وبلوط نفسه يحظى بتقدير واسع في أوساط قادة المستوطنات، ووصفه رئيس مجلس (يشع) بأنه أفضل قائد للمنطقة الوسطى عرفوه. وهذه المفارقة مهمة: عندما يصل ضابط بهذا القرب من المشروع الاستيطاني إلى هذه اللغة، فالمشكلة لم تعد بالنسبة إلى المؤسسة الإسرائيلية أخلاقية أو قانونية فحسب، بل أصبحت مشكلة أمنية وسياسية تهدد المشروع نفسه.
وهنا يمكن فهم التحول الإسرائيلي الحالي. فالمستوطن المتطرف أدى خلال السنوات الماضية وظيفة مهمة في دفع حدود الاستيطان إلى الأمام: إقامة بؤرة، السيطرة على تلة، طرد رعاة فلسطينيين، منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ثم خلق واقع جديد يأتي دور الدولة لاحقا لتثبيته أو "تسويته" قانونيا. لكن الحكومة الإسرائيلية باتت اليوم أكثر قدرة على القيام بهذه المهمة بنفسها. فالتوسع الاستيطاني أصبح سياسة حكومية معلنة ومؤسساتية، ولم يعد المشروع بحاجة بالقدر نفسه إلى مجموعات منفلتة تتحرك خارج الأطر الرسمية.
بعبارة أخرى، المشكلة بالنسبة إلى نتنياهو ليست أن هؤلاء اكتشفوا العنف فجأة، وإنما أن كلفة عنفهم أصبحت أكبر من فائدته. لقد أدوا وظيفة في تغيير الواقع على الأرض، لكنهم أصبحوا الآن يسيئون إلى صورة إسرائيل، ويستدعون ضغطا أمريكيا وأوروبيا، ويقدمون مادة جاهزة للمنظمات الحقوقية والمحاكم والمؤسسات الدولية لطرح السؤال حول مسؤولية الدولة نفسها.

قبل أشهر حاول نتنياهو احتواء الظاهرة إعلاميا بطريقة مختلفة. قال في مقابلة مع "فوكس نيوز" إن الحديث يدور عن نحو سبعين فتى، بعضهم قادم من أسر مفككة ويعاني مشكلات اجتماعية. لكن وثائق ومعلومات إسرائيلية تحدثت عن نحو ألف شاب يعيشون في المزارع والبؤر الاستيطانية، وعن قرابة 300 متورطين في حوادث عنيفة، بينهم نحو سبعين يمثلون "النواة الصلبة". أي أن رقم السبعين الذي استخدمه نتنياهو لم يكن يمثل حجم الظاهرة، وإنما الجزء الأكثر تطرفا منها.
ولو كانت المسألة فعلا مجرد سبعين فتى في "ضائقة اجتماعية"، لكان السؤال البسيط: لماذا لم توقفهم إسرائيل قبل سنوات؟ دولة تمتلك واحدا من أكثر أجهزة الاستخبارات تطورا في العالم، وتستطيع ملاحقة فلسطيني بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يمكنها الادعاء بالعجز عن معرفة عشرات أو مئات الأشخاص الذين يتحركون في مساحة صغيرة، ويقيمون في بؤر معروفة، ويهاجمون القرى مرارا.
لكن هناك سببا آخر يدفع نتنياهو اليوم إلى إعادة صياغة موقفه: الانتخابات.
الليكود خلال السنوات الأخيرة انجرف بعيدا نحو اليمين المتطرف، وأصبح خطابه في كثير من الملفات، وخصوصا الضفة الغربية، قريبا من خطاب الصهيونية الدينية وحزب "القوة اليهودية". وهذا يضع نتنياهو أمام مشكلة انتخابية حقيقية. فإذا أراد منافسة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير في التطرف، فسيخوض معركة في ملعب هما أكثر احترافا منه فيه. أما فرصته الأهم فتكمن في إعادة الليكود إلى موقع اليمين التقليدي المحافظ الذي يستطيع مخاطبة شرائح يمينية لا تريد الانضمام إلى اليسار أو الوسط، لكنها في الوقت نفسه تنفر من الفوضى وعنف المستوطنين وصورة الميليشيات المسلحة.
لذلك يحتاج نتنياهو إلى مسافة سياسية بينه وبين المستوطن الأكثر تطرفا. ليس بالضرورة لأنه غير موقفه من الاستيطان أو الضفة الغربية، وإنما لأن استعادة جزء من اليمين المعتدل الذي انتقل إلى أحزاب المعارضة قد تكون ضرورية لبقائه في الحكم. ومن هنا يصبح التنديد بـ"حفنة من المشاغبين" جزءا من إعادة تسويق نتنياهو باعتباره ممثل اليمين المسؤول، في مقابل يمين سموتريتش وبن غفير الأكثر تطرفا.
غير أن المشكلة التي تواجه نتنياهو أكبر من أن تحل بخطاب انتخابي. فالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ نفسه وصف الأحداث الأخيرة بأنها تجاوز للخط الأحمر ووصمة على صورة إسرائيل، وقال إنها تتعارض مع قوانين الدولة وقيمها. كما أن نتنياهو أقر بأن هذه الاعتداءات تضر بمكانة إسرائيل الدولية.
وهذه تحديدا هي النقطة التي تغير طبيعة القضية. فعندما يصبح عنف المستوطنين سببا في ضغوط أمريكية، وإدانات أوروبية، وتقارير أممية وحقوقية تتحدث عن التهجير ودعم الدولة والإفلات من العقاب، لم يعد ممكنا اختزاله في مشكلة شرطة إسرائيلية أو "شبان في ضائقة اجتماعية". لقد أصبح ملفا يتعلق بالتزامات دولة الاحتلال بموجب القانون الدولي، وبمسؤولية المؤسسات التي تمول وتحمي وتسلح وتشرعن المشروع الذي تنطلق منه هذه الجماعات.
لهذا فإن السؤال الدولي المقبل لن يكون فقط: ماذا ستفعل إسرائيل بالمستوطنين العنيفين؟ بل: ما العلاقة بين عنف هؤلاء وبين سياسة الدولة نفسها؟
فإذا كانت الميليشيا تطرد الفلسطيني، ثم يأتي الجيش ليمنع عودته، وإذا تستولي البؤرة على الأرض ثم تأتي الحكومة لتشرعنها، وإذا يبدأ المستوطن ما تكمله مؤسسات الدولة، فإن الفصل بين "إرهاب المستوطنين" وسياسة الاستيطان يصبح فصلا مصطنعا.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية التي يحاول نتنياهو الهروب منها. فهو يريد إدانة المستوطن العنيف من دون إدانة المشروع الذي أنتجه، ويريد التخلص من صورة الملثم الذي يحرق منزلا فلسطينيا مع الاحتفاظ بالأرض التي أُخليت نتيجة ذلك العنف. يريد وقف الميليشيا عندما تصبح عبئا دوليا وانتخابيا، لا وقف السياسة التي جعلت وجودها ممكنا ومفيدا طوال سنوات.
لكن العالم بدأ ينظر إلى الاثنين معا. ولهذا تحديدا لم يعد إرهاب المستوطنين قضية إسرائيلية داخلية. لقد أصبح قضية دولية، ليس فقط بسبب حجم العنف، بل لأن السؤال انتقل من مسؤولية المستوطن الذي يحمل السلاح إلى مسؤولية الدولة التي تقف خلف النظام الذي سمح له بحمله واستخدامه وتحويل نتائجه على الأرض إلى وقائع سياسية دائمة.