سامي مشعشع يكتب لوطن: غزة.. جثامين تُدفن تحت الركام وتدفن معها الحقيقة والادلة والعدالة والقصاص

30/08/2026

لم يعد الفلسطيني يعرف من أين يأتيه البكاء. أسبابه كثيرة، متراكمة، تتوالى حتى يتعب المرء من البكاء نفسه. ثم يأتيك خبرا كهذا، فلا يستصرخ بكاءا، بل نحيباً. 

تقريرٌ نُشر أخيراً حول عمليات إزالة الركام وتسوية الأرض في بعض محافظات غزة يفتح من جديد جرحا اليما: رفات آلاف الجثامين، وربما أكثر من هذا الرقم بكثير، ما زالت تحت أنقاض البيوت التي سقطت فوق أصحابها وتحت انقاض مراكز الإيواء والمساجد والمدارس والمستشفيات. ومع ذلك، تمضي الجرافات في عملها، تزيح الركام، تسوّي الأرض، وترصف الطرق، بينما لم تُستكمل بعد (وبالكاد بدأت فى معظم المواقع) عمليات البحث والانتشال والتوثيق.

أيُّ عالم سافر فى عهره هذا الذي يسمح بأن تُدهس تحت الجرافات رفات أطفال ونساء ورجال، وأن تُنقل مختلطة بالركام، دون أن تُمنح رفاتهم كرامة الدفن؟ هم ليسوا أرقاماً في قوائم المفقودين؛ لهم أسماء، وأمهات وآباء واخوة واحفاد ومحبين، ولهم علينا واجب أخير في أن يُنتشلوا ويُعرَف مصيرهم ويُواروا الثرى بكرامة.

وهناك أيضاً قضية بالغة الاهمية. الركام الذي يُزال قد يكون مسرح الجريمة ودليلها: بقايا الأجساد، والشظايا، وآثار الإصابات، ومواقع الدفن، كلها أدلة ضرورية للتحقيق الجنائي وتحديد أسباب الوفاة وربما هوية مرتكبي جرائم الحرب. طمسها أو خلطها أو التخلص منها قبل فحصها قد يعني طمس جزء من الحقيقة نفسها، وإغلاق الطريق أمام العدالة قبل أن تبدأ.

  لماذا بذلت جهود جبارة لانتشال جثمان شخص واحد غير فلسطيني في غزة قبل فترة شاغلا الإعلام الغربي والعالم أياماً وأسابيع، بينما لا يبدو أن رفات آلاف الأطفال الفلسطينيين تستحق حتى سؤالاً بسيطاً: أين رفاتهم وهل بالإمكان انتشالها وانتشال ألعابهم ؟ هل دماؤنا رخيصة الى هذا الحد في هذا العالم؟ وهل رفات ما تبقى من أطفالنا وأحبتنا تحت الركام لا تستوجب الانتشال والاحتضان والبكاء عليها ومواراتها الثرى بهدوء وبكرامة ؟ 

فى غزة، لا تُدفن الجثامين وحدها تحت الركام؛ تُدفن معها الأدلة، وتُدفن الحقيقة، ويُدفن معها حق الضحايا في العدالة.

انها ارذل الازمان، عز فيها الحق وهانت كرامة الإنسان.